يرى خبراء ومحللون سياسيون أن فشل الحوار الفلسطيني الذي دعت إليه الحكومة المصرية لم يكن مستغربًا، ولا مفاجئًا، وقالوا إن الظرف الداخلي الفلسطيني لم يكن ملائمًا، ولا الظرف الدولي أو الإقليمي أيضًا، وجاء التأجيل المفتوح من قِبل الدولة الراعية له كنتيجةٍ منطقية حتمية.
وأشاروا إلى مجموعة عوامل رئيسية أدَّت إلى فشل الحوار قبل أن يبدأ، أولها أن هناك "فيتو" أمريكيًّا صهيونيًّا على أي حوار داخلي فلسطيني، وبالتحديد بين قطبي المعادلة الفلسطينية، أي حركتي "فتح" و"حماس"، والقيادة الصهيونية خيَّرت أبو مازن بين أن يستمرَّ في المفاوضات مع الكيان أو أن ينخرط في حوار أو اتفاق مع حركة حماس.
والعامل الثاني هو أن الحكومة المصرية راعية هذا الحوار لم تكن نزيهة، ولا محايدة؛ فهي تشارك في فرض الحصار على مليون ونصف المليون فلسطيني في قطاع غزة، وتُدمِّر الأنفاق فوق رءوس أصحابها، وتمنع تهريب كل أسباب الحياة والبقاء إلى المحاصرين، وكان لافتًا أن الحكومة المصرية انحازت إلى حركة "فتح" واتسمت علاقتها بحركة حماس بالتوتر منذ توقيع اتفاق التهدئة؛ حيث شعرت حماس أنها تعرَّضت لخديعةٍ كبرى من قِبل الوسيط المصري الذي لم يلتزم بتعهداته بفتح معبر رفح بصورةٍ دائمة.
كما أن الأجواء لم تكن أجواء حوار بين حركتي "فتح" و"حماس"، وإنما أجواء مواجهة، انعكست بصورة جلية في عمليات الاعتقال المتبادلة للنشطاء السياسيين، ورفض سلطة رام الله نداءات مسئولي حماس بالإفراج عن 300 معتقل سياسي في سجونها بعد أن أفرجت هي عن معتقلي فتح في غزة.
وتضمَّنت وثيقة الحوار الأساسية التي تقدَّمت بها الحكومة المصرية إلى الفصائل المشارِكة العديدَ من النقاط الإشكالية، مثل عدم اللجوء إلى المقاومة إلا في ظل توافقٍ وطني، وجعل اتفاق التهدئة جزءًا من هذه الوثيقة، ولم تستجب الحكومة المصرية للتعديلات التي تقدَّمت بها بعض الفصائل، وخاصةً حركة حماس؛ الأمر الذي جعل الحوار حول هذه الوثيقة، في نظر الأخيرة، دون أي معنى.
بالإضافةِ إلى ضبابية الرؤية لدى المتحاورين والخاصة بما يقود إليه الحوار في حال نجاحه، وعلى أية أرضية سيستند، فهل سيكون البرنامج التوافقي المنبثق عنه برنامج مقاومة؟ أم أنه برنامج الاستمرار في حوارٍ غير مثمر مع طرف صهيوني؛ يأخذ ولا يعطي، ويستمر في بناء المغتصبات والجدار العازل؟
والسؤال الذي يطرح نفسه حاليًّا: ماذا بعد انهيار أمل الحوار الذي علَّق عليه الكثير من الفلسطينيين آمالاً عريضةً للخروج من الوضع المأساوي الحالي؟ هل ستلصق مسئولية الفشل بحركة حماس لأنها هدَّدت بالمقاطعة إذا لم تتم الاستجابة لمطالبها في تعديل وثيقة الحوار والإفراج عن معتقليها في سجون سلطة رام الله، والسماح لأعضاءٍ من قيادتها في الضفة بالخروج والمشاركة في الحوار حتى لا تقتصر المشاركة على ممثلي قطاع غزة؟
وهل سيؤدي ذلك إلى المزيد من الحصار لأبناء قطاع غزة، والمزيد من التوتر في العلاقات بين مصر وحماس؟ وما السيناريوهات المتوقعة للأوضاع الحالية؟ وما حدود الدور الذي يمكن لمصر أن تلعبه في الفترة القادمة وسط هذه الأجواء؟
(إخوان أون لاين) استطلع آراء السياسيين في مستقبل الحوار الفلسطيني والدور الذي لعبته ويمكن أن تلعبه مصر في عملية المصالحة.
بدايةً.. يؤكد الدكتور عصام العريان القيادي البارز بجماعة الإخوان المسلمين أنه كان من الأفضل تأجيل الحوار الفلسطيني حتى يتم إعداد مناخ مناسب لنجاحه، موضحًا أنه ليس المهم هو عقد الحوار لمجرد اللقاء وطرح المواقف المعروفة ثم تحميل جانب محدد سلفًا مسئولية فشل الحوار.
![]() |
|
د. عصام العريان |
وطالب المسئولين المصريين والأطراف المشاركة في الحوار بالإعداد الجيد والوقوف على الحياد بين الأطراف الفلسطينية، ودراسة أسباب عدم تنفيذ ما تم الاتفاق عليه من قبل في القاهرة ومكة وصنعاء.
وقال العريان: "إنه تم طرح الحوار لمجرد إنقاذ شرعية الرئيس عباس الذي يمارس دوره التفاوضي المستمر منذ سنوات دون الوصول إلى نتيجة؛ لأن "الحياة مفاوضات"، كما كتب ونشر رئيس وفد المفاوضات السيد صائب عريقات، أو لعدم إراقة ماء وجهه، وهو يلتقي قبل الموعد المزمع للحوار بيوم أو بيومين مع الرباعية الدولية، التي لم تقدم شيئًا للشعب الفلسطيني ولم تحقِّق نتيجةً تذكر حتى الآن ضد العدو الصهيوني".
ويوضح أن أي حوارٍ لا بد أن يتطرَّق إلى القضايا الجوهرية التي لم يتم حسمها، مؤكدًا أن الأهم الاتفاق على برنامج وطني فلسطيني يحقِّق أمال الشعب الفلسطيني في الأرض المحتلة غزة والضفة الغربية وأراضي 1948م، وكذلك في الشتات والملاجئ، وهذا يحتاج إلى الإقرار أولاً بأن مسار أوسلو لم يصل إلى شيء، والمراد منه هو إنشاء كيانٍ فلسطيني هدفه تحقيق أمن العدو وحمايته من المقاومة التي إن هدأت يومًا فستشتعل أيامًا مقبلةً طالما بقي الاحتلال.
ويؤكد أن عدم التنازل عن الحقوق الفلسطينية في القدس وعودة اللاجئين وإنهاء الاستيطان والمياه وغيرها.. شرط لنجاح أي حوار.
ويضيف: "إننا أمام تغيُّرات جوهرية في الإدارة الأمريكية في انتظار انتخابات صهيونية، غالبًا ستأتي بالليكود اليميني المتطرف بقيادة نتنياهو، وبذلك تعود المفاوضات إلى نقطة الصفر من جديد، فلماذا لا يعترف الجناح الذي خطف "فتح" وخطف "منظمة التحرير الفلسطينية" بفشله، ويعيد الأمور إلى الشعب الفلسطيني ليقرِّر خطة العمل للمرحلة المقبلة في انتخابات رئاسية نزيهة"؟!
المناخ الملائم
السفير محمد بسيوني
ويعترض السفير محمد بسيوني سفير مصر السابق لدى الكيان الصهيوني على لفظ فشل الحوار قائلاً: "إنه ليس فشلاً، إنما هو مجرد تأجيل للحوار لفترة زمنية معينة حتى يتم استيضاح الأمور غير الواضحة؛ فحماس لها مطالب وفتح لها مطالب، وبعد الدراسة المستوفاة لهذه المطالب يتم البدء في الحوار".

ويشدد على ضرورة توفير المناخ الملائم لضمان نجاح الحوار؛ فيجب أولاً وقف الحملة الإعلامية المتبادلة بين الطرفين، وكذلك وقف كل طرف لعمليات القبض على أنصار الطرف الآخر؛ حتى يكون المناخ مُهيَّأً لبدء الحوار.
ويشير إلى أن مصر تعمل على تشكيل حكومة وفاق وطني تعمل على رفع الحصار المفروض على غزة وإنهاء الاحتلال، ولن تتمكَّن من ذلك إلا بعد أن تنفِّذ شروط ومطالب الرباعية الدولية المتمثِّلة في الاعتراف بالاتفاقيات الموقَّعة ونبذ العنف.
ويؤكد أن الاقتراح المصري يعتمد على تشكيل 5 لجان مختصة؛ أولاها لجنة تشكِّل حكومة الوفاق الوطني، ثم لجنة تنظيم انتخابات تشريعية ورئاسية، ولجنة تنظيم الأجهزة الأمنية على أساس مهني ووطني لا على أساس طائفي، بالإضافة إلى لجنتي تفعيل المصالحة وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية.
ويوضح أن هذه اللجان تمثل الحل الأمثل للخروج من الأزمة الحالية وإقامة حكومة توافق وطني تكون قادرةً على فك الحصار عن غزة وإنهاء الاحتلال وتحقيق الأمل الفلسطيني المنشود وإقامة الدولة الفلسطينية على أرض الواقع، وهذا هو الهدف القومي الأكبر لجميع الفلسطينيين، بعيدًا عن المصالح الشخصية.
العقل السياسي
يقول الدكتور السيد عليوة أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان: إن العقل السياسي الفلسطيني يبدو أنه لا يدرك حقائق العصر الجديد وحقائق القوى على الأرض، ويبدو الموقف كما لو أن الشعب الفلسطيني فوَّض كل فريق بمنهج مناهض للآخر؛ الأمر الذي أدى إلى علوِّ الأطماع الشخصية على المصالح العليا للقضية.
ويتوقَّع د. عليوة أن تمارس منظمات المجتمع المدني الفلسطيني والمنظمات الأهلية دورًا كبيرًا في الضغط على القادة للخروج من المأزق الحالي واستشعار الخطر المحدق بهم وبقضيتهم الرئيسية وحقوقهم الوطنية.
ويشير د. عليوة إلى أن مصر تلعب دورها كوسيطٍ بين الطرفين يمارس المساعي الحميدة بإلحاح من المجتمع الدولي، وبالتالي فمصر لا تتلاعب بالقضية الفلسطينية التي تمثِّل في المقام الأول قضية أمن قومي مصري.
ويتوقع عودة الحوار قريبًا بمزيدٍ من الضغط العربي والمصري، وربما يقوم الشعب الفلسطيني بانتفاضة وعصيان مدني يُجبر المسئولين على الجلوس على مائدة المفاوضات وإعادة القضية الفلسطينية إلى وضعها الصحيح.
ويشدد على أن مصر لديها العديد من الكروت التي يجب أن تستخدمها، مثل ضرورة فتح معبر رفح لدخول المواد الغذائية والطبية إلى غزة؛ لتخفيف المعاناة عن كاهل الشعب الفلسطيني المحاصَر في غزة.
الأطراف العربية
ويرى الدكتور أكرم بدر الدين أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة أن الحوار يتطلَّب وجود حد أدنى مشترك بين أطراف الحوار لكي ينجح؛ فلو هناك تباعد في آراء وأهداف الأطراف المشاركة في الحوار فلن ينجح، وهذا هو الواقع الفلسطيني الذي يعاني من حالة انقسام شديدة أدَّت إلى آثار سلبية على الداخل الفلسطيني.
ويضيف أن هناك أطرافًا عربية ليس من مصلحتها حدوث التوافق الفلسطيني؛ فتقوم بتغذية الخلافات لدى بعض التيارات المتشددة من الجانبين؛ مما يعرقل عملية الحوار الفلسطيني والتوافق بين الأطراف المتصارعة.
ويؤكد أن القضية الفلسطينية تمرُّ حاليًّا بلحظة حاسمة في تاريخها يجب أن يتم فيها تناسي الاعتبارات والاختلافات الشخصية والمصالح الضيقة والصراع على السلطة، وبدء البحث عن القواسم المشتركة بين فتح وحماس وباقي الفصائل.
ويرى د. بدر الدين أن مصر ليس لها دور في فشل الحوار الوطني الفلسطيني؛ لأن من مصلحتها أن يكون هناك توافق فلسطيني؛ لما لذلك من انعكاسات على الأمن القومي المصري الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالوضع في فلسطين.
ويطالب الدبلوماسية المصرية بأن تلعب دورًا أكبر من ذلك في إطار رأب الصدع الفلسطيني وتحقيق التوافق، كما يتطلَّب الوضع منها عدم إظهار تحيزها لطرف دون آخر.
ويؤكد أنه ليس من مصلحة أحد أن يستمرَّ الوضع كما هو عليه من استمرار التباعد والانقسام؛ فلا بد أن تكون الرغبة في التوافق والحل نابعةً من الداخل الفلسطيني بمساعدة الأطراف الخارجية عربيًّا ودوليًّا.
![]() |
|
صابر أبو الفتوح |
ويرى أن العجز الفتحاوي يأتي في الوقت الذي تتحدَّث فيه حماس برؤية واقعية للأحداث منطلقة من ثوابت وطنية لا تتغيَّر ومواقف مؤيدة للوئام والوفاق الفلسطيني الذي تأخَّر كثيرًا بسبب تعنُّت حركة فتح.
ويشير إلى ما ترتكبه فتح من جرائم في حق القضية برمتها من عمالةٍ وتعاونٍ أمني مع الكيان الصهيوني وإغلاقٍ للأنفاق وتسليم المجاهدين وخططهم للسلطات الصهيونية.
واستبعد أبو الفتوح أن يكون لمصر دور سلبي في فشل الحوار؛ لأن مصر هي المستفيد الأول من الوئام الفلسطيني؛ لأن فلسطين تمثِّل البوابة الشرقية لمصر واستقرارها وتوحدها يصب في صالح مصر.
ويرى أن النظام المصري ربما يكون له رؤية مخالفة بعض الشيء لرؤية حماس، خاصةً في المفاوضات الخاصة بإطلاق سراح الجندي الصهيوني الأسير لدى حماس "جلعاد شاليط"، إلا أنه اتهم النظام المصري بأنه يتحرَّك في الوقت الضائع وبعد فوات الأوان.
وعن توقعه للسيناريو القادم قال أبو الفتوح إنه يتوقَّع زيادة الخلاف بين فتح وحماس بمباركة صهيونية، بالإضافة إلى احتمال توغل صهيوني في غزة وتوسيع نطاق الاغتيالات والتصفية للقادة والعناصر النشطة في حماس وإخلاء الساحة أمام الفتحاويين.
ويطالب مصر في ظل هذه الأزمة بأن تستخدم ورقة ضغط فعالة على حركة فتح؛ لإرغامها على القبول بشروط الحوار الوطني، بما في ذلك فتح المعابر والتوقف عن سياسة هدم الأنفاق، ولا بد لـ"فتح" في هذه الحالة من الرضوخ للضغوط المصرية.

