للشيخ/ سعد عطية فضل- من علماء الأزهر الشريف

س1: سيدة كفيفة ليس لها أولاد ولا زوج، تملك مبلغًا من المال يكفيها لأداء فريضة الحج، ويوجد في القرية التي تُقيم فيها مسجد يُعاد تجديده، فهل يمكن أن تتبرع بهذا المبلغ لهذا المسجد وتأخذ ثواب الحج نظرًا لخوفها من متاعب السفر وزحام الحج؟

الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

فيقول المولى عز وجل وجوب مبيِّنًا وجوب الحج على المسلمين، وموضحًا الجرم العظيم التي يقع فيه من كان يستطيع فلم يحج، قال تعالى: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: من الآية 97).

 

ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلاً" (البخاري ومسلم).

 

ففي هذين النصين الكريمين بيان صريح وتأكيد بليغ لفرضية الحج، وتحذير شديد لمن يملك القدرة على الحج والاستطاعة لأدائه ثم يمتنع عن أدائه بشتى المعاذير؛ إذ يجب على كل مسلم مكلف قادر على نفقة الحج ذهابًا وإيابًا والإقامة هناك مع توفر نفقة أهله في بلده إلى حين عودته أن يؤديَ هذه الفريضة العظيمة.

 

ونقول للأخت الكريمة: لو دفعت أضعاف تكلفة الحج في هذا المسجد أو غيره من أعمال الخير لن تساوي فضل أداء فريضة الحج؛ لأن الإنفاق في وجوه الخير مستحب، بينما الحج ركن من أركان الإسلام، إلا أن الأمر يتوقف على الاستطاعة، والاستطاعة بالنسبة للمرأة تتحقَّق بأمرين:

الأمر الأول: القدرة على دفع نفقات الحج، وهذا متحقِّق بالنسبة لصاحبة السؤال.

الأمر الثاني: وجود المَحْرَم المرافق لها أو الرفقة المأمونة في حج الفريضة؛ فإن وجد المَحرَم أو الرفقة المأمونة فلا يسقط عنها ركن الحج.

يسَّر الله لنا ولكم ولبقية المسلمين أداء هذه الفريضة العظيمة.

والله ولي التوفيق.

*********

 

الحج بالمسابقات

س2: ما حكم من يحج على نفقة غيره، كشركة أو مصلحة أو مسابقة في موضوع مشروع؟

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

من التيسيرات أن تقوم بعض الشركات أو المصالح بتمكين بعض الأشخاص من أداء فريضة الحج؛ تشجيعًا ومكافأةً لهم أو رحمةً بهم وإعجابًا بسلوكهم، ولا حرج في ذلك ما دامت بعيدةً عن المِنَّة والأغراض غير المشروعة، وتسقط الفريضة بها ولا يُكلَّف بإعادتها من ماله الخاص.

 

وللطرف الآخر أجر عند الله بعمل هذه التيسيرات إن كان فيها مخلصُا فيها، ونحمد له هذا الصنيع الذي يربط الإنسان بدينه ويزيد في إيمانه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً﴾ (الكهف: 30).

 

والتشجيع بمثل هذه الوسيلة أفضل من التشجيع بغيرها مما لا يقيم الله له وزنًا.

والله تعالى أعلم.

***********

 

الحج على حساب الدولة

س3: رجل موظف بالشرطة، وقع الاختيار عليه ليشارك في خدمة حُجَّاج بيت الله الحرام، فهل أداؤه للفريضة حينئذٍ يجعله ينال ثوابها؟

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

الحج فريضة محكمة على المسلم المستطيع مالاً وبدنًا؛ لقوله تعالى﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ﴾ (آل عمران: من الآية 97).

 

فمن استطاع ببدنه وكان صحيحًا معافى، ولكنه لا يملك ما يكفي الزاد والراحلة ونفقة من يعول خلال مدة السفر، فلا يجب عليه الحج وجوبًا عينيًّا.

 

فإن تيسَّر لمثل هذا الإنسان أو لغيره، ولو كان غنيًّا، سبيل الوصول إلى الأرض المقدسة وهيَّأ الله له أسباب السفر وأداء المناسك عن طريق هبةٍ أو منحةٍ من إنسان آخر، أو عن طريق الوجود هناك للعمل، أو عن طريق بعثة موفدة من قِبل جهة خاصة أو عامة، فذلك فضلٌ من الله ونعمةٌ ساقها الله إلى هذا المسلم، عليه أن يشكر الله عليها ويجتهد لينال التوفيق في أداء المناسك.

 

فهناك فرق بين الوجوب والصحة، ولا ارتباط بينهما؛ فقد يجب العمل على شخص ولا يصح منه؛ فالكافر مطالب بفروع الشريعة على القول الصحيح، ولا تصح منه إلا بالدخول في الإسلام، والصبي لا تجب عليه الصلاة، ولكنها تصح منه، والمرأة والمسافر لا جمعة عليهما، ولكن تصح منهما.

 

كذلك الحج؛ لا يجب على غير المستطيع، ولكن يصح منه؛ فمن وقع عليه الاختيار لخدمة حُجَّاج بيت الله الحرام وأدَّى مناسك الحج بما يُرضي الله عز وجل؛ حجه صحيح، وله ثواب بقدر إخلاصه، وقد سئل ابن عمر رضي الله عنهما عن العمل واكتساب الرزق في موسم الحج فقال: "ألستم تُحرمون وتطوفون بالبيت وتقضون المناسك، فأنتم حُجَّاج، وعندما تأثَّم الناس أن يتجروا من موسم الحج نزل قول الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 198).

*********

 

حج المعتدَّة لوفاة زوجها

س4: امرأة تقدمت للحج وقُبلت ضمن المسافرين، وفي أثناء استعدادها للسفر توفي زوجها، فهل تتابع الإجراءات وتسافر للحج؟ أم تبقى في عُدَّتها ولا تسافر؟ نرجو الإفادة.

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

الكلام هنا في نقطتين:

الأولى: في وجود المَحْرَم الذي يسافر معها، وهذا يمكن التجاوز عنه إذا سافرت مع رفقة مأمونة أو توفر الأمن وتيسِّر الحصول على ما يريد الإنسان.

والنقطة الثانية: في حقِّ زوجها عليها بعد الوفاة؛ فقد يتقرَّر سفرها قبل انتهاء عدتها، وهي أربعة أشهر وعشر أو وضع الحمل، وقد يكون بعد انتهاء عدتها؛ فإن كان بعد العدة كان لها السفر دون حرج، وإن كان قبل انتهائها فقد تعلَّق بها واجبان: واجب الحج، وواجب العِدَّة، والآراء في حل هذه المشكلة متعددة.

فقال الأئمة الأربعة: لا تخرج من عدتها ولا تسافر، فهي تعتبر غير مستطيعة، ولا يجب الحج على غير المستطيع، ويمكنها أن تحجَّ في عام آخر، حتى قال بعضهم: لو سافرت بالفعل ثم جاءها خبر وفاة زوجها عادت من سفرها إن لم تصل إلى الميقات بدليل الحديث الذي رواه أصحاب السنن عن الفريعة بنت مالك أن أخت أبي سعيد الخدري سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن تترك بيت زوجها الذي مات في سفرٍ لتذهب إلى بيت أهلها فلم يأذن لها، وهو حديث صحيح قضى به عمر وعثمان والأكثرون.

 

وأجاز داود الظاهري سفرها في العدة؛ وذلك لحديث عائشة أنها خرجت بأختها أم كلثوم لمَّا قُتل زوجها طلحة، خرجت إلى مكة لعمل عمرة، وقال داود: المأمورة به هو الاعتداء وليس المكث في البيت، وسار عليه بعض التابعين، ويمكن الأخذ برأي عائشة في الحج الواجب لأول مرة؛ وذلك لعدم تكرار الفرصة عند تعقُّد الأمور وتنظيم سفر الحجاج وتقييده.

 

أما الحج لمندوب- وهو ما كان غير المرة الأولى- فلا تخرج له ما دامت في العِدَّة.

 

وجزاك الله خيرًا على حرصك على دينك، ورزقك الصبر الجميل على مصيبتك.

*********

 

إذن الزوج للمرأة في الحج

س5: أتيحت لي فريضة أن أحجَّ مرةً ثانيةً، ولكن زوجي منعني، فهل يحق له ذلك؟

الجواب: الحمد لله والصلاة، والسلام على رسول الله، وبعد..

روى البخاري ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تَصُم المرأة يومًا واحدًا وزوجها شاهد إلا بإذنه، إلا رمضان"، وروى الدارقطني عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: في امرأةٍ كان لها زوج ولها مال ولا يأذن لها في الحج، قال: "ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها".

 

يدل حديث الصيام على أن المرأة يحرم عليها أن تصوم تطوعًا إلا بإذن زوجها، وله الحق في إفساد صومها إذا صامت دون إذنه؛ وذلك لتعديها على حقه، أما صيام رمضان فلا تحتاج إلى إذنه، ويحرم عليه أن يُفسد صيامها.

 

وحديث الحج بمنع حجها إلا بإذنه محمول على حج النافلة، أي الحج بعد المرة الأولى، فيجب عليها أن تستأذنه فيه، بل يُسنُّ فقط من باب الاحترام له؛ فإن أذن لها خرجت، وإن لم يأذن خرجت بغير إذنه، وصحَّ حجها، ولا حرمة عليها في ذلك؛ لأن العبادة الواجبة لا تحتاج إلى إذن الزوج.

 

وما دام هناك مودة بين الزوجين وتعامل على كتاب الله وسنة رسوله كما تعاهدا وتعاقدا في عقد النكاح فسوف يكون اليسر والتفاهم، ولن يحرم أحد الزوجين الآخر من متعة مثل هذه المتعة العظيمة، ونرجو من الأخ الزوج ألا يحرم زوجته من هذه الرحلة إن كان يعلم أن ذلك ليس فيه مانع يستحق منعها ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (المائدة: من الآية 2).

وفَّقنا الله جميعًا لما يحب ويرضى، والله تعالى أعلم.

*********

 

مَن أقعده المرض في أول الحج

س6: ما حكم مَن مرض في بداية ذهابه إلى الحج؟

الجواب: الحمدُ لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

الحج ركنٌ من أركان الإسلام فرضه الله على القادر مرةً واحدةً في العمر، والقادر صحيًّا وماليًّا، يقول الله تعالى: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ (آل عمران: من الآية 97).
ويقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "يا أيها الناس، إنَّ الله قد فرضَ عليكم الحج فحجوا" فقال رجلٌ: أكل عام يا رسولَ الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم"، ثم قال: "ذروني ما تركتكم، فإنما هلك مَن كان قبلكم بكثرةِ سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيءٍ فدعوه".

 

فعلى هذا إذا ذهب مَن أراد الله له أن يحج ومرض في بدايةِ حجه فإذا كان المرضُ شديدًا يمنعه من الحركة والانتقال فعليه أن يتوقَّف وينطبق عليه ما ينطبق على المحبوس والممنوع، ويدخل تحت قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ﴾ (البقرة: من الآية 196)، أي يذبح شاةً فما فوقها من بقرةٍ أو نحر بدنة.

 

ويرى الجمهور من الفقهاء أنه يذبح هديه حيث يحل من حرم أو حل، وإن كانت هذه حجة الإسلام- أي الأولى له- فعليه قضاؤها وإن كانت حجة بعد حج الفريضة فلا قضاءَ عليه، أما إذا كان المرض لا يمنعه من الحركة والانتقال فله أن يواصل حجَّه ولا حرجَ عليه.

*********

 

في الحج لا مانعَ من تناول أقراص تأجيل الدورة

س7: ما وضع المرأة التي تفاجئها الدورة الشهرية في فترة الحج؟ وهل يجوز لها تناول أقراص لمنع الدورة مسبقًا؟

الجواب: يجوز للمرأة أن تستعمل دواءً لوقف الدم وتغتسل وتطوف، وإذا كان الدم لا يستمر نزوله طوال أيام الحيض، بل ينقطع في بعضِ أيامه عندئذٍ يجوز لها أن تطوف في أيام الانقطاع عملاً بأحد قولي الإمام الشافعي: "إن النقاءَ في أيام انقطاع الحيض طهر"، وهذا القول يُوافق مذهب الإمامين مالك وأحمد.

 

هذه، وقد أجاز بعض فقهاء الحنابلة والشافعية للحائض دخول المسجد للطواف بعد الغسل وإحكام الشد والعصب.

 

وقد أفتى كلٌّ من الإمام ابن تيمية وابن القيم بصحةِ طواف الحائض إذا اضطرت للسفر مع رفقتها بشرط أن تعصب موضع خروج الدم.

 

وبناءً على ذلك وفي وقعة السؤال: يجوز للمرأة أن تتناول مسبقًا أقراصًا لمنع نزول الدورة الشهرية حتى تُؤدي مناسك الحج.

 

لما كان ذلك فللمرأة التي يُفاجئها الحيض مع تعذر بقائها في مكةَ حتى ارتفاع عذرها أن تسلك طريقًا من الطرق التي ذكرها الفقهاء التي سبق الإشارة إليها، والله تعالى أعلم.

********

 

الاغتسال للحاج جائز وتمشيط الشعر مرفوض

س8: هل يمكن أن تغتسل المرأة وتُمشِّط شعرها أثناء الحج؟

الجواب: الحمدُ لله، والصلاةُ والسلام على رسول الله، وبعد..

المحرم ممنوعٌ من أخذ شعره إلا من عذر، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ (البقرة: من الآية 196)، فإن كان لعذرٍ جاز له ذلك لما رَوى كعب بن عجرة عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "لعله يؤذيك هوام رأسك" قال: "نعم يا رسول الله، فقال- صلى الله عليه وسلم-: "أحلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين أو انسك شاة" (متفق عليه).

 

فإن كان له عذر من مرضٍ أو وقع في رأسه قمل أو غير ذلك مما يتضرر بإبقاء الشعر فله إزالته، وإن أزاله من غير عذرٍ كان عليه الفدية وصحَّ حجه ولا يفسد.

 

وبناءً على ما سبق وفي وقعة سؤال السائلة: يجوز للمحرم رجلاً كان أو امرأةً أن يغتسل ولا حرمةَ ولا كراهةَ في ذلك من غير نتف شعر؛ لأن ذلك لإزالة الوسخ لا للتزين، أما تمشيط المرأة أو الرجل الشعر بالمشط أثناء الإحرام فالقاعدة أنه لا يجوز للمحرم إزالة الشعر إلا من عذر، فإن كانت المرأة التي تريد تمشيط شعرها أثناء الإحرام تضمن عدم سقوط شعرة من شعرها أثناء التمشيط جاز لها ذلك مع الكراهة، أما إذا لم تضمن ذلك كان من باب الممنوعات عليها فإن فعلت وسقطت شعرة لزمتها الفدية، وهي دم أو إطعام ستة مساكين أو صوم ثلاثة أيام، والله تعالى أعلم.

********

 

تكرار الحج أم الإنفاق في وجوه الخير

س9: هل تكرار الحج والعمرة يعتبر من قبيل الإسراف؟ وهل يُفضَّل توجيه تلك الأموال إلى المحتاجين وفي وجوه الخير؟

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

من المعلوم أن الحج فرضٌ على المستطيع مرةً واحدةً في العمر، ومَن زاد فهو تطوع، كما صحَّ في أحاديث البخاري ومسلم وغيرهما.

 

والعمرة قيل بوجوبها وقيل بندبها، والتكرار فيها أيضًا تطوع والتطوع في كل شيء ينبغي أن يُراعى فيه تقديم الأهم على المهم، وقد تكون هناك حالات في أشد الحاجةِ إلى المعونة لإنقاذِ الحياة أو تخفيف الويلات عن المسلمين وما أكثرها الآن، وهنا يكون الإنفاق فيها أولى وبخاصة بعد أن متَّع الله سكان الحرم بنعمٍ زادت على ما كان يصبو إليه سيدنا إبراهيم عليه السلام حين دعا ربه أن يجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم ويرزقهم من الثمرات، كما جاء في الآية رقم( 37) من سورة إبراهيم.

 

والشخص الذي يحب أن يتردد على بيت الله بالحج أو العمرة ورأى أن هناك أمرًا مهمًّا قعد به عن السفر سيعطيه الله ثوابًا على نيته، وهناك مأثورات في هذا المقام وإن كانت لا تعد تشريعًا جاء فيها أن الله كتب ثواب الحج لمَن صادف في طريقه فقراء ألجأتهم الضرورة إلى أكل الميتة فدفع إليهم ما معه ورجع إلى بلده دون أن يحج، وكان الحج نافلةً، فأعطاه الله ثواب الحج وإذا لم يكن هناك نص في هذه المسألة فإن التشريع بروحه وأهدافه لا يقر أن تُوجَّه أموالٌ طائلةٌ في مندوبٍ من المندوبات في الوقت الذي فيه واجبات تحتاج إلى هذه الأموال.

 

هذا، وما يُروى من أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "مَن حجَّ حجةً أدَّى فرضه، ومن حجَّ ثانيةً دان ربه، ومن حجَّ ثلاث حجج حرَّم الله شعره وبشره على النار" فليس بصحيح، والله تعالى أعلم.

*********

 

الحج بمال الدولة المسروق

س10: ما حكم الذين يحتالون ويسرقون أموال حكوماتهم ليؤدوا فريضة الحج؟ هل يصح حجهم أم لا؟

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

السرقة والاحتيال لأخذ المال من غير الطرق المشروعة حرام، ولو كان هذا المال مال الحكومة؛ لأن أموالَ الحكومة لا يحل أخذها إلا بالطرق المشروعة، فمَن أخذ مالاً عن طريقِ الاحتيال أو السرقة فهو حرام.

 

وقال الإمام أحمد: "لا يُجزئ الحج بالمال الحرام"؛ لقول الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "إنَّ الله طيب لا يقبل إلا طيبًا".

 

وروى الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة- رضي الله عنه- أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا خرجَ الحاج بنفقةٍ طيبةٍ ووضع رجله في الغرز فنادى: "لبيك اللهم لبيك" ناداه منادٍ من السماء: لبيك وسعديك، زادك حلال، وراحلتك حلال، وحجك مبرور غير مأزور، وإذا خرج بالنفقة الخبيثة فوضع رجله في الغرز فنادى: "لبيك اللهم لبيك" ناداه منادٍ من السماء لا لبيك ولا سعديك، زادك حرام، ونفقتك حرام، وحجك مأزور غير مأجور".

 

واعلم أخي السائل أنَّ المال العام له حرمة كبيرة، ويجب على المسلم صيانته والحفاظ عليه وتنميته وعدم الماس به.

 

بل إن نصوصَ الشريعة تجعل حرمة المال العام أشدُّ من حرمةِ المال الخاص، ففي صحيح مسلمٍ بسنده عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال: "لما كان يوم خيبر أقبل نفرٌ من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم- فقالوا: فلان شهيد وفلان شهيد حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد" فقال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "كلا، إني رأيته في النار في بُردةٍ غَلَّها أو عَبَاءَةٍ".

 

أي أنه أخذ شيئًا من الغنائم قبل تسليمها لولي الأمر وتوزيعها التوزيع الشرعي، وبالتالي فكل مَن أخذ من المال العام دون وجهِ استحقاقٍ سيفضحه الله تعالى على رءوس الأشهاد يوم القيامة، وسيأتي يحمله على عنقه مهما كان صغيرًا أو كبيرًا.. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (161)) (آل عمران)، والله تعالى أعلم.

**********

 

لقب حاج

س11: ما حكم إطلاق الناس لقب "حاج" أو المناداة بـ"يا حاج" لمَن حجَّ بيت الله الحرام؟

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..

لقد حجَّ أصحابُ النبي- صلى الله عليه وسلم- ولم يكن أحدٌ منهم يُنادي مَن حجَّ بيت الله باسم "حاج"، وإنما كان يُنادي بعضهم بعضًا بأسمائهم التي عُرِفَوا بها.

 

وحج بيت الله الحرام هو الركن الخامس من أركان الإسلام، وهذا الركن مثله كمثل غيره من بقية أركان الإسلام، فقول الناس يا "حاج" لمَن حج بيت الله إنما هو تكريم له، ولكن لا ينبغي له أن يطلب من أحدٍ تكريمه به؛ لأن مَن عبد الله تعالى مخلصًا لا يطلب جزاءه إلا من ربه عز وجل.. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (البينة: من الآية 5) وقال عز وجل: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (110)﴾ (الكهف)، والرجل الذي يحج من أجل أن يقول الناس له "يا حاج"، إنما هو لم يخلص إخلاصًا كاملاً لله عزَّ وجل، وقول الناس "يا حاج" إنما مجرد عادة من العادات لتكريم صاحبها، وليست موجبة، فيجوز أن يُنادى مَن حج البيت باسمه مجرَّدًا عن كلمة "حاج"، وهذا هو الأصل.

رزقنا الله جميعًا عملاً صالحًا مخلصًا متقبلاً، والله تعالى أعلم.

*********

 

الحج أولاً أم الزواج

س12: هل الأفضل الحج قبل الزواج أم بعده؟

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

إنَّ الحجَ ركنٌ من أركان الإسلام، وهو واجب على كل مسلم عاقل بالغ إذا توافرت شروطه وشروطه تتوافر في كلمة واحدة هي "الاستطاعة".

 

الاستطاعة من حيث أمن الطريق، الاستطاعة من حيث توافر التكاليف، الاستطاعة من حيث طرق المواصلات، وقد فسَّر بعض أسلافنا- رضوان الله عليهم- الاستطاعة بأنها الزاد والراحلة.

 

وهذا التفسير يصدق عندما يكون الأمن أرجح من الخطر، وعندما يكون الإنسان في صحةٍ وتسمح له بالسفر.

 

فإذا ما توافرت الاستطاعة فإن الحج واجبٌ على الفور عند الجمهور، سواء أكان الإنسان متزوجًا أم غير متزوج؛ وذلك أن الزواج ليس شرطًا في الحج.

 

ويجب على الإنسان الذي توافرت له الاستطاعة أن يُعجِّل بالحج فإنه لا يدري متى يحين أجله إذْ إنه إذا مات وقد توافرت له الاستطاعة ولم يحج فإنه يكون آثمًا.

 

ولقد قال الإمام الكبير طاووس: "إذا علمتُ شخصًا توافرت له الاستطاعة ولم يحج ومات ودُعيتُ إلى صلاة الجنازة عليه فإنني لا أفعل".

 

والحج رحلة للتطهير، وإذا ما حجَّ الإنسان فإنه يخرج من ذنبه ويصبح كيوم ولدته أمه، يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-" "مَن حجَّ فلم يرفث، ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه"، ويقول- صلى الله عليه وسلم-: "الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة".

 

ولكن: إذا كان الإنسان ضعيفًا أمام شهوته إذا لم يتزوج بسرعةٍ وقع في الفاحشة كان زواجه واجبًا ولا يجب عليه الحج على الفور هنا، ويكون على التراخي- كما قال بعض العلماء-؛ لأنه غير مستطيع في مثل هذه الحالة، فالاستطاعة تكون بعد كفايةِ الضروريات والزواج ضروري له في هذه الحالة، والزواج فيه درءٌ للمفاسد فيقدم على الحج الذي فيه جلب للمصلحة كما تقتضيه قواعد التشريع.

 

أما إذا كان الحج مندوبًا، أي للمرة الثانية، فله الخيار بين الحج أو الزواج، وكذلك يفعل مَن أراد مساعدة ولده أو بنته في الزواج، والله تعالى أعلم.

*********

 

لُقطة الحرم أخذها حرام إلا لتعريفها

س13: ما حكم مَن وجد مبلغًا من النقود في منى فأخذه وقرر التصدق به؟ بعد عودته إلى بلده؟

الجواب: الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد..

يحرم أخذ لقطة الحرم ومنًى من الحرم إلا لتعريفها، فقد صحَّ في الحديث الشريف: "إن هذا البلد حرَّمه الله تعالى، لا يلتقط لقطته إلا مَن عرَّفها"، وجاء أيضًا: "لا يرفع لقطها إلا منشيدها"؛ أي الذي يُعرِّف بها، والحكمة في ذلك كما قال العلماء: إن حرم مكة مثابةٌ للناس يعودون إليه المرة بعد المرة، فربما يعود مالك اللقطة من أجلها أو يبعث في طلبها، فكأنه جعل ماله محفوظًا عليه.

 

وقالوا: مَن التقطها يلزمه الإقامة وعدم السفر؛ وذلك للتعريف بها أو يدفعها إلى الحاكم إذا كان أمينًا ليتولى التعريف عنه، ويوجد الآن جهاز خاص في الحرم للأشياء المفقودة فيجب على مَن أخذ لقطةً تسليمها إليه فإن لم يسلمها بقيت عنده وديعة ولا يتصرف فيها لمدة سنة فإن لم يظهر صاحبها حلَّ له التصدق بها.

 

فعلى صاحب السؤال أن يُرسل هذه اللقطة إلى مَن يسافر إلى مكةَ ليسلمها لهذا الجهاز؛  وذلك إبراءً للذمة.

ورزقنا الله الحلال، وجعلنا من الذين لأماناتهم وعهدهم راعون، والله تعالى أعلم.