- حشمت: المحسوبية هي الأساس في اختيار البعثات الدبلوماسية
- أبو سعدة: الحكومة المصرية مقصرة في تفعيل إلغاء نظام الكفيل
- د. صادق: ضعف السفارات والقنصليات يعود لغياب الإرادة السياسية
- دراسة: إهدار الكرامة في الداخل أفقد المصريين أهميتهم في الخارج
تحقيق- خديجة يوسف:
أعاد الحكم السعودي بجلد طبيب مصري 150 جلدةً منذ عدة أعوام وعدم اكتشاف الأمر إلا في الأيام الماضية إلى الأذهان الأزمةَ القديمة الحديثة المستمرة والمعروفة باسم كرامة المصريين في الخارج.
في هذا التحقيق لن نتناول الحكم، ولكننا نوجِّه جرسَ إنذار بأنه ليس الأول ولن يكون الأخير في نوعيته ضد المصريين في الخارج؛ حيث تنوَّعت وتعدَّدت طرق إهانة المصريين في الدول العربية وغير العربية.
فلن تنسى الذاكرة المصرية أحداث مدينة خيطان الكويتية، والتي اشتعلت بسبب خلاف نشب بين مصريين وبنغاليين تدخَّلت على إثره قوات الشرطة الكويتية لصالح الطرف البنغالي، وتعاملت بقسوة مفرطة مع المصريين وكادت تحدث أزمة دبلوماسية بين مصر والكويت لولا تدخل كبار المسئولين في البلدين!.
كما لن تنسى الذاكرة وقعة تعذيب شابَّين مصريَّين احتجزتهما قوات الشرطة الكويتية لمدة 9 أيام بتهمة تزوير أذون عمل وذلك دون عرضهما على النيابة وانهالوا عليهما بالضرب وسكبوا "ماء النار" على مناطق حساسة في جسديهما، والتي لم تقتصر على وقعة تعذيب شابين مصريين لم يثبت عليهما اتهام، ولكن في طريقة تعامل السلطات الكويتية مع الأزمة التي أفرجت عن الضباط المتهمين بالتعذيب ورفضت الإفراج عن المجني عليهما!.
وكذلك وقعة إصابة 4 مصريين في ليبيا بإصابات خطيرة؛ إثر مشاجرة نشبت بين المصريين المقيمين في محافظة بني وليد شمال العاصمة طرابلس والمئات من إحدى القبائل الليبية الذين قاموا بإحراق منازل المصريين وتشريد 350 مصريًّا، فضلاً عن الاستيلاء على أموالهم وإحراق جوازات سفرهم!.
ولعل أهم الوقائع التي قامت فيها وزارة الخارجية المصرية بدور فعَّال كانت تخص اختفاء مواطنَيْن مصريَّيْن مسيحيَّين في ليبيا؛ حين تقدَّم ذووهما بشكوى إلى مكتب الوزير وأفادهم مسئول الفندق الذي كان يقيمان فيه بأن الأمن الليبي أخذهما من الفندق ولم يعودا إليه.
وربما يصعب حصر الانتهاكات التي تحدث ضد المصريين في الخارج، مع التأكيد مرةً أخرى على أننا لسنا ضد محاسبة المذنب أو المخطئ- إن ثبت ذلك بالأدلة- ولكن نسعى لوضع خطوط عريضة نوضح فيها مدى الظلم والتجاوز اللا محدود الذي يتعرَّض له المصريون، في ظل غياب سفارات وقنصليات أضاعت الكثير من حقوق المصريين ونالت من كرامتهم، وساهمت بشكل كبير في تشويه سمعة المصريين خارج حدود وطنهم.
والسؤال الذي يطل برأسه الآن: ما هو دور القنصليات والسفارت المصرية في حماية المصريين بالخارج؟ وعلى أي أساس يتم اختيار ممثليها؟ وما سبب ضعف الدور الحقيقي لهذه المكاتب المغلقة على أصحابها؟!
سفارات أمنية
د. جمال حشمت

بدايةً يقول الدكتور جمال حشمت عضو مجلس الشعب السابق: إن المصري إذا لم يتمكن من الشعور بالعزة والكرامة على أرض وطنه؛ من الصعب بل من المستحيل أن يجدها خارج وطنه، موضحًا أن اختيار كل أعضاء سفارات وقنصليات مصر يتم باستخدام الواسطة؛ لأن المرتب يكون بالعملة الصعبة، حتى عامل النظافة يتم اختياره بالواسطة.
ويؤكد د. حشمت أن نظام الدولة البوليسية يُسهم بشكل كبير في تشكيل أداء سفارات وقنصليات مصر بالخارج؛ حيث إن أكثر من ثلث موظفي السفارات يكونون من رجال المخابرات والأمن، وبالتالي فإن مهمتهم تكون شيئًا آخر غير رعاية مصالح المصريين بالخارج؛ ألا وهي حماية النظام في المقام الأول والاهتمام بالأمن السياسي داخل مصر.
ويضيف أن هناك الكثير من السفراء الشرفاء يحاولون القيام بأدوارهم على أكمل وجه، ولكنهم مع الأسف الشديد يصطدمون بالقوانين واللوائح التي تحُول بينهم وبين تقديم الخدمات للمصريين.
ويروي حشمت وقعةً حدثت معه مع القنصلية المصرية في إيطاليا؛ حيث يقول: وجّهت له دعوة من إحدى المنظمات الإسلامية بإيطاليا عندما كان عضوًا في مجلس الشعب، وكان ذلك في شهر رمضان.
ويضيف حشمت: عندما ذهبت إلى هناك فوجئت بعد صلاة التراويح بعدد من أبناء الجالية المصرية قدموا إليّ بعض الشكاوى التي يعانون منها، فاصطحبت هذه الشكاوى لتقديمها إلى القنصل العام، وبالفعل تم تحديد الموعد بعد استئذان الأمن المصري بالسفارة الذي أرسل لي عبارة تقول "خلي الباشا يتفضل".
ويستكمل د. حشمت حديثه: لم أبال بهذه الطريقة الأمنية في التعامل، وذهبت مع رئيس إحدى الجمعيات في ميلانو إلى القنصلية، وتفضلت السفيرة مشكورة بمقابلتنا، وعندما عرضنا عليها المشكلات أخذت تدافع عن نفسها وكأننا في محكمة، وحاولتُ مرارًا وتكرارًا أن أوضح لها أنها ليست هي المتسببة في هذه المشكلات وأنها ليست المقصودة، ولكن دون جدوى!! فكل محاولاتي معها باءت بالفشل، وانتهى اللقاء معها على أن الجالية المصرية لها مطلق الحرية في تصرفاتها، وعليهم أن ينتخبوا من بينهم واحدًا يمثلهم لدى القنصلية.
وعدت إلى الجالية المصرية أعرض عليهم نتائج مفاوضاتي مع القنصلية المصرية، فرفضوا تمامًا انتخاب واحد من بينهم، معللين ذلك بأنه يتحول في النهاية إلى جاسوس عليهم لصالح القنصلية.
انتهاكات لا تنتهي
![]() |
|
حافظ أبو سعدة |
ويضيف أن التقرير الذي أعدته المنظمة المصرية لحقوق الإنسان أثبت وجود انتهاكات وامتهان لحقوق المصريين العاملين بدول الخليج بنظام الكفيل ورصد التقرير وجود 36 حالة لعمال مصريين أهدرت حقوقهم المالية إضافة إلى وجود حالات وفاة تعرض لها العمال جراء المعاملة السيئة التي تعرضوا لها على يد الكفيل.
ورغم كل هذا الضياع لحقوق العامل المصري فإن منظمة العمل العربية تلتزم الصمت والسكوت على هذه الجرائم، بل وللأسف الشديد فإن المنظمة منذ نشأتها عام 1965 لم تتطرق في مؤتمراتها التي تعقدها بين الحين والآخر إلى هذه المشكلة ومطالبة الدول المطبقة لنظام الكفيل بإلغائه أو تعديله بما يضمن حق العامل في التنقل بحرية والمحافظة على حقوقه.
ويشير أبو سعدة إلى الأهمية الاقتصادية لإيرادات المصريين في الخارج التي تأتي مباشرة بعد البترول والسياحة وتساوي أهمية قناة السويس، حيث يبلغ حجم تحويلات المصريين من الخارج 6- 10 مليارات جنيه في العام الواحد وهو ما يصب في صالح ميزان المدفوعات المصري ويؤثر بالإيجاب على مصادر التمويل للموازنة العامة.
ويتساءل أبو سعدة لماذا لا ننشئ صندوقًا لرعاية المصريين في الخارج لمساعدتهم اجتماعيًّا وقانونيًّا واقتصاديًّا؟! مشددًا على أهمية تفعيل دور الملحق العمالي في السفارات المصرية وملاحقة العمالة لتوثيق عقودها وقيام وزارة القوى العاملة بتفعيل اتفاقية العمل العربية التي تقضي بإلغاء نظام "الكفيل" بين أبناء الدول العربية!
كما يطالب أبو سعدة بضرورة إعداد اتفاقية عربية لحماية حقوق العمال المهاجرين وأفراد أسرهم ومطالبة الحكومات العربية بإبرام اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف بين الدول المصدرة والمستقبلة للعمالة تكفل حماية العمال المهاجرين وتجرم ظاهرة الطرد الجماعي.
كما يطالب بإنشاء مجلس قومي لشئون الهجرة والمصريين في الخارج لصياغة وبلورة رؤية شاملة واضحة تنطلق منها سياسات محددة لتحقيق الأهداف المنشودة، مشددًا على ضرورة التنسيق بين الهيئات المعنية بتسفير العمالة المصرية للخارج من أجل حماية ورعاية حقوق هذه العمالة في مقدمتها وزارة الخارجية وأجهزتها المختلفة لاضطلاع هذه الأجهزة بالدور المنوط بها وتوعية المصريين المسافرين بحقوقهم وبتشريعات وقوانين الدول المسافرين عليها هذا فضلاً عن إرشادهم بأسلوب تلقي الشكاوى في السفارات والقنصليات المصرية.
نظام الكفيل
![]() |
|
حسام بهجت |
ويوضح بهجت أن المصريين يتعرضون لانتهاكات كثيرة منها الفصل التعسفي والاضطهاد والتعذيب وسوء المعاملة، والحرمان من التنقل، وضياع المستحقات المالية والحرمان من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والقتل والاختطاف والاعتقال غير القانوني.
ويشير إلى خلو الدستور المصري من أي إشارة إلى حقوق المصريين بالخارج وذلك على خلاف دساتير أخرى تضمنت الإشارة إلى حقوق رعاياه بالخارج كما هو الحال في بولندا وروسيا وكازاخستان وبيرو.
ودعا بهجت إلى إلغاء نظام الكفيل الذي يتنافى مع أحكام المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان ومن أمثلتها العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية بما يضعه من قيود على حرية التنقل للعامل من مكان لآخر، وإرغامه عن التنازل عن مستحقاته المالية.
وشدد على ضرورة تفعيل دور السفارات والقنصليات المصرية بالخارج وإيجاد وسيلة للتفاعل بينها وبين المصريين المقيمين بهذه الدول وتوعيتهم بقوانين البلدان المختلفة وكيفية حل المشكلات التي تواجههم في هذه البلدان.
ويوضح المدير التنفيذي أن دول مجلس التعاون رفضت الانضمام إلى اتفاقية حقوق العمال المهاجرين، حتى لا يكون هناك ثمة شيء يلزم الدولة بحقوق هذه العمالة.
طلب الحماية
وعلى الصعيد القانوني يرى الدكتور هشام صادق- أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة- أن من أهم المميزات الشخصية التي يجب أن تتوافر في السفير هو قدرته على استيعاب وحل المشاكل، إضافة إلى درايته الكاملة بحقوق الإنسان، مشيرًا إلى أن ضعف دور سفارات وقنصليات مصر بالخارج لا ينحصر في ضعف سفير أو قنصل وإنما في وجود الإرادة السياسية المصرية في حماية المصريين المقيمين بالخارج لأن السفير والقنصل جزء من منظومة متكاملة.
ويضيف د. صادق أن السفير قديمًا كان يسعى بكل ما أوتي من قوة لحماية المصريين بالخارج ولكن كان يسانده وجود إرادة سياسية تريد حماية وتقدير هؤلاء المصريين.
وعن الجانب القانوني في دور السفارات يقول: أدوارها متعددة وواسعة النطاق؛ ولكن بشأن المواطنين المقيمين بالخارج فدورها الأول والأساسي هو حمايتهم في حالة الاعتداء عليهم، وفي حالة الاعتداء على أي مواطن مصري في الخارج لا بد من تدخل الخارجية المصرية للاحتواء ومن ثم حل المشكلة عن طريق التفاوض مع الحكومة التي قامت بالاعتداء.
مكانة مصر
وفيما يتعلق بالتفاوت في قوة وتأثير سفير من دولة إلى أخرى يوضح د. صادق: هذا يعود إلى العلاقات بين البلدين وقوة هذ الدولة في المنطقة العربية ودورها في حل الأزمات، فمثلاً هناك بعض الدول تقدر مكانة مصر وتعرف دورها في المنطقة العربية، وهناك دول أخرى كان لها دور نوعًا ما في الآونة الأخيرة جعلها تشعر بداء العظمة والريادة لذلك لا تضع في الحسبان مكانة مصر وريادتها.
ويشير د. صادق أن مصر كانت قديمًا قوية، حتى وإن كانت بعض الحقوق تهضم في الداخل، ولكن تقوم الدنيا إذا انتهك حق من حقوق مصري في الخارج لأن هذا يعد إهانة لمصر كلها لكن الأمور الآن تدهورت إلى أقصى حد.
ويوضح أن المصري في الخارج متروك له زمام الأمور في كل شيء وتحت ضغوط الفقر والبطالة في مصر يرضى بأقل القليل خارج مصر ومنها نظام الكفيل وغيره من الإهانات الأخرى التي ينالها المصريون في الخارج باسم الحصول على لقمة العيش، في حين أن باقي سفارات العالم تحمي العمالة الخاصة بها، فعلى سبيل المثال نجد السفارة الهندية في دول الخليج تحدد الحد الأدنى للعمالة الهندية في هذه الدول، وإن حدث وقبل مواطن هندي بأقل من المرتب الذي تحدده السفارة تقوم بترحيله لأنه تخلى عن حق مهم من حقوقه.
خلل واضح
ومن ناحيته يرى الدكتور محمد غانم رئيس قسم الطب النفسي بجامعة عين شمس، والذي أجرى دراسات على المصريين في الخارج أن هناك خللاً واضحًا في طبيعة العلاقة بين السفارات المصرية والمواطنين المغتربين في الخارج، مؤكدًا أن هذا الخلل نابع في الأساس من الوطن حيث إن هناك اضطرابًا في العلاقة بين المصري والمؤسسات التي لا تقوم بدورها على النحو الأمثل، فإجراء بسيط يأخذ وقتًا طويلاً لتنفيذه، أو يؤدي إلى حدوث مشاحنات، وعلى سبيل المثال قد تأخذ "عملية نقل طفل من مدرسة لأخرى عدة أيام" هذه القصة موجودة على مستوى مصر، ونتيجتها التقليل من قيمة المواطن المصري في عين الدولة المنتسب إليها، فهو- أي المصري المغترب- يعرف أنه لن يتم إنصافه إذا وقع في مشكلة ما في تلك الدولة.
ويقول د. غانم إن أبسط الأشياء بالإضافة إلى ذلك أنه لا يوجد حصر بأعداد المصريين في الخارج وهذه مأساة، ولذلك يجد المصري نفسه بلا سند وبالتالي عليه أن يأخذ حقه بيده، وغالبًا لا يأخذه فيصبح بين مطحنة قوانين الدولة المهاجر إليها ومطحنة العودة لمعاناته في مصر، فيضطر لتحمل معاناة الغربة، وهذا التحمل يؤدي إلى إضعاف كرامته ويصور لدى الناس أنه من السهل الضغط عليه وإرضاؤه بأي شيء.
ويضيف د. غانم أن الشيء الأخطر في هذا الشأن انعكاس ذلك على الانتماء لدى المصريين في الخارج فكثير منهم لا يرغب في العودة إلى مصر وإن عاد "هيبقى مش حابب البلد"، وهو ما ظهر جليًا في الأجيال الصغيرة.

