أعادت الأزمة المالية التي انفجرت يوم الإثنين الأسود الخامس عشر من سبتمبر إلى أذهان الأمريكيين ذكريات أزمة الائتمان قبل ثمانية عقود، التي أخرجت جيلاً كاملاً من العاملين من مزارعهم ووظائفهم، واقتربت بالكثيرين من الموت جوعًا، فيما عرف بالكساد العظيم.
هذه الأزمة المالية التي تسبَّبت في خسائر بلغت 2.4 تريليون دولار تسبَّبت في تعليق قرابة 70 شركة رهن عقارية أمريكية علَّقت عملياتها أو عُرضت للبيع منذ بداية العام 2006م وحتى الآن، واختفى أكثر من 11 بنكًا كبيرًا من السوق.
وتوقَّع "كريستوفر والين" العضو المنتدب لشركة أبحاث تحليلات المؤسسية أن يتم إغلاق ما يقرب من 110 بنوك؛ تصل قيمة أصولها إلى حوالي 850 مليار دولار؛ وذلك بحلول منتصف العام القادم.
ويصل العدد الإجمالي لمؤسسات المال الواقعة تحت مظلة التأمين الفيدرالي إلى 1800 مؤسسة؛ تستحوذ كلها على ما يقرب من 13 تريليون دولار من الأصول والممتلكات.
ووَفق إحصائيات مالية يمكن معرفة حجم الخسائر في السوق المالية، خصوصًا أن الحجم العام للأسهم الدولية كان قد تجاوز مستوى 60.9 تريليون دولار في نهاية العام 2007م، بينما زاد حجم سوق المشتقات المالية على 480 تريليون دولار، أي ما يزيد عن حجم الاقتصادات الدولية، ويصل حجم السندات السيادية في العالم إلى 45 تريليون دولار؛ منها 25 تريليون دولار فقط للسندات الأمريكية، ويصل حجم حركة الأموال الدولية يوميًّا إلى 4 تريليونات دولار وفق إحصاءات بنك التسويات الدولية نهاية العام الماضي.
وهذه الأزمة المالية العالمية يمكن حصرها في كلمتين؛ هما: "العولمة والخصخصة" اللتين يقف وراءهما صندوق النقد الدولي الذي تمتلك الولايات المتحدة 40% من أسهمه ولها الكلمة الأولى في سياساته؛ فالاستجابة الكبيرة للعولمة والخصخصة جعلت الضحايا هذه المرة باتساع العالم، وتحديدًا مَن استجابوا بلا ضوابط في السنوات العشر الأخيرة للعولمة والخصخصة.
والعولمة تعني: تراجع الدولة عن أية ضوابط مقررة لدخول رأس المال الأجنبي.
أما الخصخصة فتعني: بيع القطاع العام في كل دولة بسرعة وبأقل سعر لمن يرغب في الشراء، خصوصًا إذا كان المشتري أجنبيًّا تختاره أو توصي به المؤسسات الأمريكية نفسها التي تَتابع انكشافها أخيرًا بفضائح مدوية.
هنا تحديدًا يسجِّل "جوزيف ستيجليتز"- كان رئيسًا للخبراء الاقتصاديين في البنك الدولي خلال إعصار الانهيار المالي في دول جنوب شرق آسيا سنة 1997م، أو ما يعرف بأزمة النمور الآسيوية- أن مؤسسات المال الأمريكي الساقطة ألحقت دمارًا شاملاً بمناطق في العالم من خلال أيديولوجية العولمة والخصخصة، كما عارض بشدة وبلا جدوى إصرار وزارة الخزانة الأمريكية وصندوق النقد الدولي على قيام تلك الدول ببيع شركاتهم وبنوكهم الناجحة لأطراف أجنبية بسعر التراب، وهو ما مثَّل أكبر عملية نهب لحساب مؤسسات المال الأمريكية.
بعض تلك المؤسسات نفسها تستنجد في سياق الأزمة الحالية بأموال دافعي الضرائب من داخل الولايات المتحدة وخارجها، وهو ما ضبط الرأسمالية الأمريكية في حالة تلبس أمام العالم؛ مما يعني سقوط النموذج الأمريكي للرأسمالية.
وبطريقةٍ أو بأخرى وبتكلفةٍ مرتفعةٍ هذه المرة ربما تخرج أمريكا من أزمتها الراهنة، لكن الذين سيظلون ضحايا هم بالضبط من سيستمرون في التبعية العمياء لقوى العولمة والخصخصة، حتى وهي تتراجع عالميًّا باعتراف صندوق النقد الدولي الذي قال في آخر تقريرٍ له: "إن الاقتصادات العالمية تواجه أكبر الأزمات منذ سبعين عامًا، وإن هذه الاقتصادات لن تنموَ كما هو متوقَّع قبل نهاية 2009م".
خطة الإنقاذ الحكومية
يشكِّك الكثير من الخبراء في الخطة المُعدَّلة التي عرضها الرئيس "جورج بوش" وحظيت أخيرًا بموافقة الكونجرس بمجلسيه النواب والشيوخ لشراء ما قيمته 700 مليار دولار من المساكن والرهون العقارية والتجارية لتحقيق الاستقرار في البنوك بسحب الأصول الخطرة من كشوف حساباتها.
ويقول هؤلاء: إن الخطة جاءت لمساعدة الفاسدين الجشعين ضيقي الأفق الاقتصادي في سوق "وول ستريت" على إسقاط أصول عقارية متعثِّرة من دفاترهم ليُعيد البسمة إلى وجه حي المال الذي فيه من الموت أكبر مما فيه من حياة.
هذا المبلغ (700 مليار دولار) على ضخامته لا يعادل سوى 5% من قيمة الرهون العقارية في الولايات المتحدة، وضخُّه في المصارف والمؤسسات المالية المفلسة أو التي قاب قوسين أو أدنى من الإفلاس، لن يعالج الأزمة؛ لأن جوهر الأزمة يكمن في أن المال ما إن يخرج من المصرف على شكل قرض يُمنح لفردٍ أو شركةٍ حتى تصبح عودته إلى المصرف في علم الغيب.
ولقد أحسن الوصفَ من قال: إن ضخ مبلغ 700 مليار دولار في شرايين "وول ستريت" يشبه- بحسب نتائجه وعواقبه- أن تنقل دمًا لمريضٍ ينزف دمًا.
إن وول ستريت تشبه الآن كومة من الأوراق تحترق، فهل يُطفأ الحريق إذا ما ألقيت فيه 700 مليار ورقة جديدة؟! وإنها في تشبيه آخر كنارٍ يريدون إطفاءها بصب مزيد من الزيت عليها.
إن نتائج خطة الإنفاق الموجَّهة أصلاً إلى حماية العمالقة في "وول ستريت" تُقيم الدليل على أن قطار الانهيار قد انطلق بلا كوابح؛ لأن المواطن الأمريكي- بسبب الغلاء- ما عاد يُسمح له بالعيش وتسديد القروض؛ فـ"وول ستريت" تستعبد الأفراد والشركات.
امتداد الأزمة إلى بقية دول العالم

يقف وراء امتداد الأزمة إلى بقية دول العالم أن السوق الأمريكية مرتبطة ارتباطًا عضويًّا بالسوق الأوروبية والسوق الآسيوية، وأن 70% من الشركات في هذه الدول تعتمد على ترويج منتجاتها داخل السوق الأمريكي؛ لذلك فإن الدول الأوروبية- وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا- دعت في بيان لها إلى عقد قمة دولية في أسرع وقت لإعادة النظر في قواعد الرأسمالية المالية ومواجهة الإعصار المالي الذي ضرب الأسواق الأمريكية وامتدَّ إلى بقية أسواق العالم، فتراجعت أسواق المال العالمية.
وعلى الرغم من كل الإجراءات وضخِّ المليارات في هذه الأسواق، إلا أن هذا لم يؤدِّ إلى منع انتشار الظاهرة عالميًّا؛ لأنها عبَّرت عن نفسها بتراجع أسواق المال في كلٍّ من تايلاند وماليزيا وهونج كونج وإندونيسيا وكوريا وسنغافورا وتايوان، وفي أوروبا وصف المحللون الماليون الأزمة هناك بأنها أزمة خطيرة؛ تهدِّد النظام المالي الأوروبي، ولكنها ليست كارثية، وقد تراجعت أسواق السويد وهولندا والنرويج وبلجيكا والنمسا والدنمارك وفنلندا.
وقد أكدت هذه الأزمة عاملين اثنين؛ هما:
- أن الولايات المتحدة الأمريكية رغم أنها الدولة الأولى في العالم لا تقف على أرضية صلبة من الاستقرار المالي الاقتصادي.
- أن الاعتقاد السائد أن أوروبا أو غيرها تطوَّرت وحقَّقت كيانات اقتصادية متميزة يمكن أن تنافس الاقتصاد الأمريكي في المستقبل، غير حقيقي؛ فإذا بهذه الأسواق مكشوفة على تداعيات الأزمة المالية الأمريكية.
أسواق المال (البورصات)
شكَّلت أسواق المال أو البورصات مكانًا مهمًّا لصُنَّاع الثروة من خلال عمليات المضاربة أو المقامرة المنفصلة في كثيرٍ من الحالات عن الواقع الاقتصادي الحقيقي؛ ذلك أن كثيرين اتخذوا من اختلاف أسعار الأسهم بين يوم وآخر وسيلةً لجني الأرباح السريعة التي لا يسندها واقع اقتصادي حقيقي؛ لأن ارتفاع الأسهم أو انخفاضها في البورصات يعتمد على المضاربة لا على النشاط الاقتصادي لتلك المؤسسة، ومع ذلك يبقى ارتفاع قيمة السهم أو انخفاضه مقبولاً في الحالات العادية، وإن كانت الأموال الموضوعة في هذه السوق عرضة للأخطار.
ولكن في الحالات الاستثنائية فإن قيمة الأسهم تنخفض بشكل كبير متأثرةً بالشائعات، وتؤدي كذلك إلى إفلاس لكثير من الشركات والأفراد، وكمثالٍ على ذلك بلغت خسائر الأسهم الدولية منذ مطلع السنة الحالية وحتى الآن 25 تريليون دولار.
وفي أحيانٍ كثيرةٍ استُخدمت البورصات من قِبل المستثمرين الأجانب أو الدول الأجنبية للتدمير والإفلاس كما حدث مع الكثير من الدول، وما السماح بحركة رءوس الأموال عبر الدول إلا أداة من أدوات نظام العولمة المنفلت من كل قيد، وإن البورصات أو أسواق الأسهم هي إحدى الأدوات لربط اقتصادات هذه الدول بالاقتصاد الرأسمالي وإحدى وسائله المهمة؛ لذلك انتشرت أسواق الأسهم في كل دول العالم تقريبًا، واعتُبر الخروج عليها ومعارضتها خروجًا على الرأسمالية وحرية السوق؛ لذلك عندما ضربت الأزمة الاقتصادية عام 1997م دول النمور الآسيوية كانت ماليزيا أقل الدول خسارةً بسبب تحديد قيمة "الرجنت" الماليزي وعدم السماح بحرية تنقل رءوس الأموال؛ مما جنَّبها حالات الإفلاس التي تعرَّضت لها الدول الأخرى، وهو ما اعتبره كبار الرأسماليين في العالم خروجًا على النظام المالي (الرأسمالية).
مستقبل النظام الرأسمالي
وجَّهت الأزمة المالية التي ضربت الاقتصاد الأمريكي وامتدت آثارها إلى بقية أنحاء العالم ضربةً قويةً إلى النظام الرأسمالي برمته، وأصابت في مقتل الأسس التي تقوم عليها الرأسمالية الغربية، وهي: حرية السوق والعولمة ومبدأ آدم سميث "دعه يعمل.. دعه يمر"، وهذا ما جعل ساركوزي يُلقي خطابًا غاضبًا؛ قال فيه: "إن حالة الاضطراب الاقتصادي التي أثارتها أزمة أسواق المال الأمريكية وضعت نهايةً لاقتصاد السوق الحرة؛ حيث إن "نظام العولمة يقترب من نهايته مع أفول رأسمالية فرضت منطقها على الاقتصاد بأسره وساهمت في انحراف مساره".
إن فكرة القوة المطلقة للأسواق ومنع تقييدها بأي قواعد أو بأي تدخل سياسي كانت فكرة مجنونة، وفكرة أن السوق دائمًا على حق كانت أيضًا فكرة مجنونة.
أما صحيفة (الفاينانشيال تايمز) جريدة الرأسمالية القُحَّة فهي التي طالبت الفكر الرأسمالي بأن يغير من آلياته لكي يحسِّن من صورة الرأسمالية التي أصبحت سمعتها في الحضيض؛ ذلك أن سقوط "وول ستريت" لا يعني سقوط بضعة مصارف، وإنما سقوط النظام الرأسمالي برمته، وربما يكتمل هذا الانهيار معنًى إذا ما فهمناه على أنه بداية انهيار أيضًا للنظام الربوي؛ فإن "وول ستريت" هي مملكة الرأسمال الربوي الذي ببدئه الانهيار شرع يؤسِّس لانهيار المملكة الأنجلو سكسونية في الرأسمالية وفي العولمة.
انعكاسات الأزمة على الاقتصاديات العربية
ما حدث في المنشآت المالية الكبرى في العالم سيؤثِّر سلبًا في المصارف والبورصات العربية؛ لأنها جزءٌ من منظومة العالم المالية، ولن تستطيع الإفلات من التأثير السلبي للأزمة، وقد لا يكون، وفقًا لمدى ما بحوزة هذه المصارف من مشتقات أصلها رهون عقارية أو "بوالص" تأمين.
والأرجح أن التأثير المباشر لهذه الأزمة يتمثل في تراجع قيمة الأسهم في البورصات العربية، وهناك علاقة بين أسواق المال ومستوى معيشة عامة الناس بطرق غير مباشرة؛ فارتفاع الأسعار سوف يترك- بلا شك- آثاره السلبية على المواطن العربي الذي يخسر استثماراته في البورصات العربية والتضخم الكبير في أسعار المواد الغذائية والطاقة وغيرها من الحاجات الضرورية.
وأخيرًا..
إن الأزمة الراهنة هي امتداد طبيعي لسياساتٍ سارت أو أُجبرت عليها الدول تحت دعاوى مختلفة.. إنها أزمة أخلاقية واجتماعية وسياسية في آنٍ واحد؛ لأن من يسيطر على العالم اقتصاديًّا لا يرى فائدةً للاستثمار في الاقتصاد الحقيقي الذي يخلق ثروةً حقيقيةً ويمنح العامل أساسًا ماديًّا للحياة، وإن الاستثمار الحقيقي يستوجب احترام حقوق العامل وتوفير أجرٍ محترمٍ له، وهذا لا يضمن للأثرياء أرباحًا 100 في المائة كما يريدون.
تأثير الأزمة على المصارف الإسلامية

مع ضخامة هذه الأزمة واتساعها، إلا أنها لم تؤثر في المصارف الإسلامية؛ لكون الشريعة الإسلامية هي التي تحكم عمل هذه المؤسسات المالية وتجرِّم التعامل في الأدوات المالية التي نتجت منها أزمة الرهن العقاري، لكن المصارف الإسلامية لن تكون مستقبلاً بمعزلٍ عن الأزمات الدولية، خاصةً أن تقريرًا لوكالة الائتمان( ستاندرد آند بورز) ذكر مؤخرًا أن المؤسسات المالية الإسلامية لا تسد سوى حوالي 15% من حاجة السوق المتاحة من الخدمات المالية للمسلمين حول العالم، وأن حجم الأصول المالية المتوافقة مع الشريعة الإسلامية يبلغ حاليًّا حوالي400 مليار دولار فقط، وهو أقل بكثير من حجم السوق الذي تقول عنه وكالة الائتمان إنه يبلغ حوالي 4 تريليونات دولار، وأن الدراسات الاقتصادية المتخصصة تتوقَّع أن يصل حجم الودائع والأصول المالية في نهاية العام 2010م إلى حوالي 500 مليار دولار (نصف تريليون دولار)، وسيستثمر منه 25% في منطقة الشرق الأوسط، و75% في جميع أنحاء العالم، فنكون بالتالي عرضةً للأخطار الترددية المتأتية من الخارج.
من هنا واستنادًا إلى وقعة انهيار الاتحاد السوفيتي وفشله في السياسة والاقتصاد ثم فشل النظام الرأسمالي، يبرز الاتجاه الثالث الذي يُعرف بالاقتصاد الإسلامي غير الربوي في الساحة الدولية بعد تصحيح ما يعتريه من خلل بسبب التطبيق الحالي؛ فالفرصة مواتيةٌ لكي نرميَ بسهمنا في بحر الاقتصاد العالمي المترنح؛ لنؤكد أن النظام الإسلامي الاقتصادي هو البديل والحل المنتظر إذا أحسن المسلمون عرضه.
------
** بالتنسيق مع مجلة (المجتمع) الكويتية.