- غابت "الكاكولا"، والجينز يقود علمنة الأزهر

- التطوير مطلوب في الارتقاء بالمواد لا في حذفها

- الطلاب: بداية الحل هو إقالة رئيس الجامعة وشيخ الأزهر

- الأساتذة: المؤامرة خارجية ومنفذوها من الداخل

- بداية العلمنة بإلغاء "الكاكولا" وارتداء البناطيل

 

تحقيق- خديجة يوسف:

لم يستغرق سوى دقائق أو ثوانٍ قليلةٍ ذلك الحلم بأن أرى شكلاً مختلفًا للبنات وراء بوابة جامعة الأزهر، فما أن وطئت قدماي أرضها وتجوَّلتُ ببصري وقدمي في طرقاتها حتى رأيت الوجوه نفسها ذات المساحيق الفاقعة وتلك الملابس شديدة الضيق التي تمنَّيت أن تغيب تحت علامة الأزهر التي تُزيِّن واجهة الجامعة وتحمل تاريخها.

 

المشهد وإن ضم الكثير من الفتيات الملتزمات بالحجاب الشرعي والمظهر الإسلامي، إلا أن حقيقة الصورة توارت خلف الألوان الصاخبة التي مسَّت جوانبه، ومع الضحكات العالية والكلمات غير المسئولة التي قد تسمعها هنا وهناك من طالبات سافرات لم يلتزمن بحجاب أو أخريات في حجابٍ ما أنزل الله به من سلطان.

 

هذا التحقيق مع الطالبات والطلبة وأساتذتهم لنرى مدى قربهم من الأحداث، وتساءلنا: هل أبناء الأزهر راضون عن الوضع الحالي؟ وكيف ينظر طلبة الأزهر إلى قلعتهم الحصينة؟

 

حسناء عثمان (طالبة بكلية العلوم) استنكرت بتعجب قرار فصل العلوم الشرعية عن الكليات العملية، واصفةً إياه بأنه قرار باطل؛ لأن اسم الأزهر مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالعلوم الفقهية والشرعية.

 

وقالت: إذا ظلت السياسة الحالية مستمرةً تجاه الأزهر فسوف يصبح في يوم من الأيام ذكرى، متوجِّهةً إلى الله بالدعاء بحماية الأزهر من أيدي العابثين به.

 

وأضافت حسناء: "عندما كنت طالبةً بالإعدادية والثانوية كنا ندرس الفقه بتوسع، ومع ذلك كان الأساتذة يخبروننا أننا ندرس القشور، وعندما ندخل الجامعة سوف يتم التوسع، وخاصةً في العلوم الفقهية والشرعية، ولكني بعد التحاقي بكلية العلوم وجدت أنني أدرس منهج المرحلة الإعدادية، وتساءلت: أين التوسع في بحر العلوم الشرعية والفقهية الذي تهفو إليه نفوسنا ونحن كنا ما زلنا طالبات بالمعاهد الأزهرية؟!".

 

نسمة خالد (طالبة بالفرقة الرابعة بكلية رياض الأطفال) فخورة هي كل الفخر لالتحاقها بالأزهر الشريف منذ نعومة أظفارها، قابلنها فقالت: "العيوب ليست كثيرةً في نظري؛ لأنني عاشقة لتراب الأزهر الشريف، ولكن من العيوب التي لا تُغتفر هو أننا طالبات كليات العلوم الإنسانية والشرعية لا ندرس القرآن كاملاً على مدار فترة الدراسة بالكلية، بل ندرس 5 أجزاء كل عام، وتكون المحصِّلة النهائية عشرين جزءًا".

 

وتساءلت: "كيف نكون من خرِّيجي جامعة الأزهر ولا نتمتع بحفظ القرآن الكريم كاملاً إبَّان فترات الدراسة؟!".

 

وتضيف: "لا أستطيع أن أصف لكم مدى الاستهانة من قِبل الإدارة بمادة القرآن!؛ فهي مادة ممتدة على مدار أربعة الأعوام، ولكني إلى الآن لم أَرَ دكتورًا لمادة القرآن يدخل علينا".

 

وتؤكد نسمة أنها إلى الآن لم تحصل على الكتب المقررة؛ "حيث إنه يجب حجز الكتاب الدراسي من قِبل الطالبات بنسبة تصل إلى 90%، ووقتها إذن يمكن الحصول على الكتاب الدراسي، وهذا يؤخر علينا عملية استذكار الدروس المقررة علينا".

 

وتتفق معها في الرأي خديجة حسن (طالبة بالفرقة الأولى بكلية التربية) أن الأزهر نعمة يمن الله بها على من يختار من عباده؛ "فمن مميزاته أننا حفظنا في أروقته القرآن الكريم بالتجويد، وعندما التحقنا بالجامعة حمانا الله عز وجل من نار الاختلاط التي تُشيع في الأرض الفساد بكل جامعات مصر".

 

وتضيف: "إننا درسنا بداخله الكثير من العلوم الشرعية، وكان من نتيجة ذلك أن طلبة الأزهر يعرفون الكثير من أحكام دينهم، إضافةً إلى السيرة النبوية وغزوات الرسول صلى الله عليه وسلم؛ فالأزهر قلعة حصينة للدفاع عن الدين الإسلامي".

 

وتؤكد خديجة أن هناك بعض السلبيات التي طرأت على الأزهر؛ منها ظاهرة الملابس الضيفة للفتيات، وعدم ارتداء بعض أستاذات الجامعة للحجاب، كما يتعرَّض لهجمة شعواء في الآونة الأخيرة؛ فبدلاً من التمسك بالحجاب الشرعي من قِبل بنات الأزهر تخلَّين عنه.

 

وتساءلت: "لماذا لا تفرض إدارة الجامعة قرارًا بضرورة الالتزام بالزي الإسلامي الشرعي على الأساتذة الذين هم قدوة للطلبة والطالبات على حدٍّ سواء".

 

ويرى ولي الدين عادل (طالب الفرقة الخامسة بكلية لغات وترجمة) أن مواد الأزهر لا يتم شرحها على أساس فَهْم جذور الدين الإسلامي بشكل صحيح وعميق، بل يتم ذلك بشكل عشوائي؛ فلا يتم شرح حياة الرسول صلى الله عليه وسلم كاملةً وبطريقةٍ مشوِّقة توضِّح مدى الفخر بسيرته العطرة صلى الله عليه وسلم.

 

وأكد ولي الدين أن هناك الكثير من المؤامرات تُحاك للأزهر الشريف؛ لكي يقتلعوا راية الإسلام، موضحًا أن شيخ الأزهر ورئيس جامعة الأزهر رافضان مبدأ تبعية الأزهر لوزارة التعليم العالي؛ لأن هذا سوف يجعل من الأزهر مجرد كتّاب فقط؛ ليس له أية علاقة بالحياة العملية.

 

ويرى جهاد أحمد (طالب بكلية العلوم) أن الأزهر يحتاج إلى تجديد في كتب الفقه؛ حتى يساير العصر، موضحًا أنه في كلية العلوم "لا نجد وسائل علمية متوفرة لعمل التجارب، وكأنهم يريدون تعذيب طلبة كلية العلوم، وكأن لسان حالهم يقول لنا: أنتم من اخترتم هذه الكلية، ولسنا نحن، فذوقوا مرارة الإهمال والفقر في الإمكانيات".

 

 الصورة غير متاحة

شيخ الأزهر

ويؤكد جهاد أنه لم ولن ينصلح حال الأزهر إلا في حالة تغيير الإدارة الحالية، وعلى رأسها شيخ الأزهر الحالي.

 

أساتذة الأزهر كانوا بالطبع أكثر إحساسًا بالخطر المحيط بالأزهر من جوانبه، وقد بدا ذلك في لقائنا بهم؛ فقال الدكتور مرزوق أحمد سعيد (أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة جامعة الأزهر الشريف): "إن الأزهر قلعة مصر الحصينة ضد الحاقدين على الإسلام، ولعلّ خير ما خلَّفه الفاطميون لمصر وللعالم الإسلامي ذلك المسجد العتيق؛ فقد كان بيتًا من بيوت الله؛ يعمر النفوس بالإيمان ويهديها سواء السبيل، ثم نهض إلى جانب هذا برسالة أخرى حمل بها عب‏ء المعارف الإسلامية بعد سقوط بغداد، وصار القبلة الأخيرة التي يؤمها طلاب العلم من جميع الأقطار".

 

ويضيف: "لولا الأزهر الذي هو بمثابة كنانة الله على أرض مصر لتاهت هذه البلاد في غيابات الاستعمار من فرنسي إلى إنجليزي، ولكن سخَّر الله الأزهر الشريف وعلماءه لحماية أرض الكنانة من ضياع اللغة العربية والدين الإسلامي"، موضحًا أن المتابع للتاريخ يعي دور الأزهر ورجاله في إشعال الحماسة واليقظة في نفوس المسلمين وقت المحن والأزمات".

 

ويؤكد د. مرزوق سعيد أن الأزهر تُحاك له خطط كثيرة من الخارج، وينفِّذها بإتقان أهالي الداخل من قليلي الخبرة وذوي العقول المظلمة؛ فهناك محاولة لفصل المواد الشرعية عن الكليات العملية، وهذا قرار خطير له عواقب وخيمة؛ أهمها أن طالب طب الأزهر يجب أن يدرس الفقه الخاص بالطب ليقف على مدى الحلال والحرام في أفعاله وأقواله للمرضى، ولكي يراعيَ حق الله فيهم.

 

ويوضح أن الأزهر يعاني من التركيز على الكم وليس الكيف، رغم أن المسئولين في الأزهر الشريف يجب عليهم أن يركِّزوا على الكيف وليس الكم؛ حتى لا يخرج الطالب ضعيفًا في مستواه العلمي والديني ويسيء إلى الأزهر بدلاً من أن يشرِّفه.

 

ويؤكد الدكتور أحمد نجم (الأستاذ بكلية التربية جامعة الأزهر) أن الأزهر مكان عظيم تهفو إليه نفس كل ذي صاحب فطرة سليمة، موضحًا أن المرء إذا كان يقدِّم النقد إليه فما هي إلا محاولةٌ لتطويره، ولكي يمضيَ دائمًا إلى الأمام.

 

ويقول: "لا يستطيع أحد أن يمحوَ من ذاكرته أن الأزهر الشريف أخذ على عاتقه- منذ فجر تاريخه- القيام بأدوار سياسية وثقافية وروحية خالدة؛ ليس في تاريخ مصر فحسب، بل في تاريخ الأمم الإسلامية والعربية على مرِّ العصور.

 

ويضيف د. نجم: "يجب على القائمين على الأزهر الشريف أن يدركوا مدى المسئولية الموضوعة على عاتقهم"، موضحًا أن فصل الأدبي عن العلمي هذا أمر خاطئ؛ جعل من الطلبة المتميزين رواد الكليات العملية والطلبة غير المتميزين رواد الكليات الأدبية التي تشمل كليات أصول الدين والشريعة واللغة العربية وغيرها.

 

ويؤكد أن الأزهر توجَّه إلى إنشاء معاهد مدة الدراسة بها عامان؛ ليلتحق بها الطلبة أصحاب المجموع الضئيل، موضحًا أن هذا أمر جيد؛ حتى لا يختلط الطالب المتفوق بالفاشل داخل كليات جامعة الأزهر.

 

فيما يخشى د. نجم من أن تكون كل هذه القرارات المقترحة في الآونة الأخيرة- مثل قرار تبعية الأزهر الشريف للوزارة التعليم العالي بدلاً من مشيخة الأزهر- خطوةً جريئةً لإلغاء دور مشيخة الأزهر.

 

ويرى الدكتور أحمد سعد (أستاذ الفقه المقارن بالأزهر) أنه إذا كان هناك عيوب في الأزهر الشريف فهذا شيء وارد في أي مكان على وجه الأرض، موضحًا أن هذه العيوب ناتجةٌ من أخطاء مشتركة بين الإدارة والطلبة والطالبات على حدٍّ سواء، مؤكدًا متابعته عن كثب ضعف ثقة الطالب الجامعي في نفسه، وينجو من ذلك الشعور القاسي- وهو عدم الثقة- الطالب المتفوق الذي يعرف الهدف الحقيقي من وراء دخوله الأزهر الشريف.

 

ويشير إلى أن طلبة الثانوية الأزهرية مستواهم التعليمي ضعيف مقارنةً بالتعليم العام، مؤكدًا أن الدولة تسعى إلى تهميش الأزهر وإهمال دوره عن طريق تشجيع التعليم العام والتقليل من شأن التعليم الأزهري، وقد تم التلاعب بالمناهج الأزهرية بشكل كبير جدًّا جعلها لا تؤدي الغرض المرجوَّ منها.

 

ويؤكد د. سعد أن محاربة الأزهر بدأت منذ تغيير الزي الأزهري- وهو" الكاكولا" لمن لا يعرفه- فقد كان يتميز رجل الأزهر بهذا الزي، ويتبع تغيير الزي تغيير الخلق؛ فلا يشعر الإنسان بتميز ومكانه مثلما كان من قبل.