- د. الشحات الجندي: الشرعي والعلمي لا ينفصلان للأزهر

- د. طه أبو كريشة: إثارة تافهة لا ترقى حتى للنقاش

- الشيخ محمد عبد الرحمن: الأمة هي المرجعية القضية

 

تحقيق- حسن محمود وهند محسن:

مخاوف عديدة؛ أثارها تضارب الموقف الرسمي حول فصل الكليات العملية عن الشرعية بجامعة الأزهر، الدراسة التي دخلت شقَّها القانوني لفصل الكليات وضعت علامات استفهام متعددة حول المغزى من هذا الطرح والاختلاف عليه في هذا التوقيت بالذات؛ وسط حملة شعواء مستمرة ضد الإسلام والمناهج الدينية.

 

كان الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء‏ ووزير شئون الأزهر قد أمر بدراسة فصل الكليات العملية عن الشرعية بجامعة الأزهر ودراسة الوضع القانوني لاستقلال كليات (الطب والهندسة والعلوم والكليات الإنسانية والدراسات الإنسانية والتربية‏)‏ في فرع أو جامعة خاصة تابعة لجامعة الأزهر ومملوكة بالكامل لها‏، فيما يخصَّص فرعٌ آخر للكليات الشرعية والمعنية بالعلوم الإسلامية.

 

 الصورة غير متاحة

د. أحمد نظيف

وطالب د. نظيف بدراسة تعديل القانون 103‏ لسنة 1961م؛ بحيث يكون لجامعة الأزهر قانونٌ مماثلٌ لقانون تنظيم الجامعات رقم 49‏ لسنة 1973م؛ إلا أن الدكتور أحمد الطيب رئيس جامعة الأزهر أكد أن فصل الكليات العملية والإنسانية عن الشرعية بجامعة الأزهر غير مطروح حاليًّا، وأن الجامعة مستمرة بوضعها الحالي بدون تقسيم جغرافي أو نوعي.

 

وشدَّد رئيس الجامعة على أن ما تردَّد مؤخرًا بشأن التقسيم النوعي لكليات الجامعة واتخاذ قرار رسمي بذلك أو موافقة الجامعة عليه غير صحيح على الإطلاق؛ فلم يصدر أي قرار حتى الآن بتقسيم جامعة الأزهر نوعيًّا أو جغرافيًّا.

 

إلا أن الشكوك ما زالت كبيرة مع التقرير الذي أعدته الإدارة الأمريكية منذ يناير عام 2003م؛ وتحدث عن تطوير الخطاب الديني بمنطقة الشرق الأوسط، وأكد أهمية التركيز على تقليل الاهتمام بالجانب الديني في الحياة الاجتماعية العامة، وأن يبرز الدور الديني كمعيار ثانوي في أساليب الحياة الاجتماعية للمواطنين؛ مما يضع مزيدًا من علامات الاستفهام.

 

وكان الأخطر هو تقرير مؤسسة "راند" الأمريكية الذي نشرته جريدة (الأهرام) بعنوان: "حرب باردة لمواجهة المد الإسلامي"، والذي كشف بكل وضوح أن "الأولويات الأمريكية التي يمكن أن تسهم في سرعة بناء الشبكات المعتدلة‏ تتركز حول مقاومة ظاهرة المدارس الدينية والمناهج التي تركِّز على التعليم الديني المحافظ".

 

هذه المخاوف تفتح الملف على مصراعيه للنقاش؛ من أجل الوصول إلى إجابة واضحة عن هذه التساؤلات:

علم بدون أخلاق

يوضح د. محمد الشحات الجندي الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية أن الإبقاء على العلوم الشرعية في الأزهر يعدُّ من أهم سماته منذ نشأته ومرورًا بتطويره، مؤكدًا أن هذا النظام شكَّل إضافةً إلى العلوم الكونية أو الطبية والعلمية ككل؛ فنحن في العصر الحديث في حاجة ملحة إلى العلوم الشرعية لدعم الصلة بين الإنسان والخالق، وكذلك غرس الأخلاق في نفوس القائمين على أمر هذه العلوم ، وهو أمر جد مطلوب.

 

وأشار إلى أن الأطباء والمهندسين في حاجة ملحَّة إلى معرفة التنظيم والرؤية الإنسانية التي ينبغي أن تشكِّل تواصلاً بين العالم في العلوم العلمية ومن يتعامل معهم؛ فالعلم من دون أخلاق هو علم مدمر، والعالم المتخصص في العلوم العلمية هو أقدر الناس على معرفة الله سبحانه وتعالى.

 

وطالب الشحات بالتأمل فيما نُقل عن كثير من العلماء العلميين في الشرق والغرب، وخاصةً من كان لهم صلة بالفضاء، وهو ما يلمسه القارئ لقوله تعالى في سورة فاطر: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (فاطر: من الآية 28)، مشيرًا إلى أن السورة مليئة بالربط بين هذا وذاك، وهو ربط له مغزاه وله دلالته.

 

ويحذر من فصل المعرفة الدينية عن العلوم الكونية والعقلية، ويقول إن هذا أمر في غاية الخطورة، وينبغي مقاومته والتحذير منه؛ لأن من الملاحظ تراجع الوازع الديني والضمير الأخلاقي لدى كثير من الناس.

 

ويشدّد على أنه إذا كان ثمة تنبيه من الغرب على ضرورة هذا الفصل فإنه يأتي في إطار المنظومة الغربية لتنحية الدين في المجتمعات العربية والإسلامية وإقصائه عن الحياة المدنية، وخلع الشعوب الإسلامية من هويتها التي تميَّزت بها على مدار الأجيال والقرون.

 

ويطالب الدكتور محمد الشحات بدعم الدراسة الدينية وربطها بالعلمية والمعملية؛ لكي يسير التعليم ككل في ظل برنامج مرشد، له ضوابطه التي تكفل الاستفادة منه، والتي تبرهن على جدوى المنهج الديني في أسلمة العلوم الكونية والعقلية، موضحًا أن المجتمع البشري إذا انفصلت عنه القيم الروحية والأخلاقية فإنها حتمًا ستسير بخطى سريعة نحو التدمير والانتحار.

 

مخالفة قانونية

 الصورة غير متاحة

د. عبد الحي الفرماوي

ويشدِّد الدكتور عبد الحي الفرماوي وكيل كلية أصول الدين السابق وأستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعة الأزهر على أن ما يدور حول فصل مناهج الأزهر الشرعية عن العملية والإنسانية هو مخالفة لقانون 63 لسنة 1961م من الدستور، وهو قانون تطوير الأزهر ورفع كفاءته، وليس فصل أجزائه أو تفكيك وحدته.

 

ويضيف أن هذا يُفرغ الأزهر من رسالته السامية، وهي أن يخرج منه الطبيب المسلم والمهندس المسلم والمعلم المسلم، فيكون رجال الإسلام في العالم دارسين للشريعة ومتخصصين في دروب الحياة العملية، مؤكدًا أن هذا المخطط حلقة من سلسلة تدمير الأزهر؛ فما يحدث ما هو إلا تبويرٌ وليس تطويرًا.

 

وينفي الفرماوي أن تكون دعوى التطوير مصدرها تخفيف حمول الطالب، وقال: المناهج ليست ثقيلة وإن هذه الدعاوى بلا بينة؛ فلا سهل مع اللعب، ولا صعب مع الجد، مطالبًا بزيادة الجرعة الإسلامية في مناهج الأزهر بجانب العلوم الدنيوية الملحَّة، حتى يخرج لنا المسلم المحترف بحق.

 

ويرى أن الهدف من الفصل- وفي هذا التوقيت- هو تدمير الأزهر كما يتم مع كافة دوائر الإنتاج بمصر، فالمناخ العام بها متقلبٌ وسيئٌ للغاية، وإن هذا التدمير بعضٌ من كل.

 

لا تُطفأ الشمس

ويؤكد د. طه أبو كريشة نائب رئيس جامعة الأزهر السابق أهمية وجود العلوم الشرعية في الكليات العلمية، وقال: هي شمس لا يستطيع أحد إلغاءها أو ينكر أهمية وجودها في الأزهر.

 

ويشير إلى أن هذه الأهمية من المسلّمات والحقائق التي لا يجوز مناقشتها أو الفصال فيها، مشدِّدًا على تجاهل دعاوى هذا الفصل "المزعوم"، وقال: ما يثار حول التحركات لفصل الشرعي عن العملي سفسطة وترف حديث؛ لا ينبغي الرد عليه؛ فهو رأي لا يستحق حتى التصريح به.

 

 الصورة غير متاحة

د. محمد البلتاجي

فيما يرى الدكتور محمد البلتاجي أستاذ بطب بجامعة الأزهر وعضو مجلس الشعب أن قضية فصل العلوم الشرعية عن العملية والإنسانية ما هي إلا قضية شكلية، لكنها مخالفة دستوريًّا؛ فهي تُخالف القانون 63 لسنة 1961م من الدستور، كما تخالف المادة 9 من قانون 103 لسنة 1961م، موضحًا أنه كان يجب مناقشة هذه القضية في مجلس الشعب وتحديدًا في لجنة التعليم المختصة، كما كان لزامًا علينا معرفة المبرِّرات لهذا الفصل!.

 

ويضيف أنه عندما تم تطوير الأزهر وإضافة كليات العلوم العملية والإنسانية كالزراعة والعلوم والفلسفة وغيرها؛ كان المعلن وقتها من سبب التطوير أن المراد وجود طبيب داعية والذي يُؤدي رسالة قويمة، يصلح بعدها ليكون سفيرًا للإسلام في بقاع العالم، ويتساءل: لماذا التراجع عن هذا الهدف من التطوير وأصبح الحديث عن فصل المناهج هو السائد؟!
ويُعرب د. البلتاجي عن تخوفه من هذه القرارات بالفصل والتي لم يتم اتخاذها بشكلٍ معلن، مطالبًا الحكومة بطمأنتهم من هذه الناحية، مشيرًا إلى أن مسألة فصل الجامعات العملية والإنسانية- مناظرةً بالجامعات الأخرى- ربما لمشكلة تمويلية تواجههم، أما إذا كان هدف الفصل أن تصبح جامعات الأزهر والجامعات المناظرة له على حدٍّ سواء؛ فإن هذا الوضع لا يصلح إطلاقًا ويفقد بذلك شرعيته.

 

ويتساءل: هل ستبقى الجامعات الأزهرية بعد الفصل مستقلةً أم ستتبع المجلس الأعلى للجامعات؟! وفيما أوضح عدم اعتراضه على دراسة غير المسلمين بالأزهر؛ أوضح تخوُّفه من فتح الباب لذلك؛ لتأثيره على مكانة الأزهر الدينية، فضلاً عن أن الجامعة ستصبح مختلطةً ولا تختلف في قيمها عن الجامعات الأخرى.

 

ويوضح البلتاجي أن ما يحدث في الأزهر اليوم سيؤدي إلى انعكاسٍ سلبيٍّ من ناحية إقبال المجتمع على الأزهر؛ حيث إن كثيرًا من الأسر المصرية تتجه بأولادها إلى مؤسسة التعليم الأزهري في كل مراحله؛ لأنه يشمل حفظ القرآن الكريم كاملاً ويحتوي على العلوم الدينية التي تربي الأجيال، كما أنه بعيد عن الاختلاط المُضيِّع للأبناء، متسائلاً: ماذا سيحدث إذا فُصلت العلوم والكليات؟ وماذا سيكون الخيار أمام الطلاب؟ هل سيقبلون العلوم الشرعية وحدها دون مكملاتها من العلوم الأخرى؟!

 

مكيدة جديدة

 الصورة غير متاحة

 الشيخ محمد عبد الرحمن

النائب الشيخ محمد عبد الرحمن عضو اللجنة الدينية بمجلس الشعب يشير إلى أن هذه القضية لا تخرج عن التوجه العام للنظام الحاكم ومكائده المستمرة تجاه الأزهر الشريف.

 

ويضيف أنه لما أنشئت جامعة الأزهر كان الجمع بين العلوم الشرعية والمدنية والعلمية أمرًا عظيمًا، وصاحبته فرحة شعبية عارمة بهذا التميز، ونجحت التجربة أيما نجاح، وآتت ثمارها حتى هذه اللحظة.

 

ويصف ما يحدث بأنه هدم لما تم عمله في العقود الماضية؛ من جهد وتأسيس ونشر للفكرة وتحفيز للشعب على الإقدام على مثل هذا التعليم المبارك الذي جمع وأوفى.

 

متسائلاً: ما هو الهدف الحقيقي من إثارة هذه المخاوف الآن؟ وهل هي ضغوط داخلية أم خارجية؟ أم هو إصرار على تفريع الأزهر من محتواه بتعمُّد وسبق وترصد؟

 

وأوضح الشيخ عبد الرحمن أن الفيصل في مثل هذه الأمور هو الأمة وعلماؤها وليس أحدًا آخر، مشددًا على أن تدخلاً آخر في هذا الموضوع يجب ألا يُسمح به أو يفكر أحد فيه على الإطلاق؛ لأن هذه المسألة لن تمر هكذا.