- نزيف مستمر من الخسائر وفقدان ثقة في السوق وحالات انتحار
- محمد الصهرجتي: ضرورة توعية المستثمرين بالاحتفاظ بالأسهم
- مصطفى الأشقر: يجب تشديد الرقابة على الشركات العائلية
- عصام مصطفى: النظام القانوني والعُرف لا يحميان المغفلين
تحقيق- صالح الدمرداش:
تسود أسواق المال المصرية والعربية حاليًّا حالةٌ من التوتر والارتباك بعد الخسائر الفادحة التي تكبَّدتها متأثرةً بالانخفاضات الحادة للأسواق العالمية؛ دفعت العديد من المستثمرين للمطالبة بوقف التداول في هذه الأسواق.
وتشهد البورصة المصرية حاليًّا حالةً من الركود الشديد بعد أن كانت على مدار 5 أعوام واحدةً من أفضل الأسواق أداءً في العالم، وفقَد المؤشر الرئيسي للبورصة "كاس 30" أكثر من نصف قيمته منذ مايو الماضي.
ترتب على تلك الخسائر إصابة العديد من المستثمرين بحالةٍ من الذعر والخوف وصلت إلى درجة انتحار أحمد نصر الدين عبد العال تاجر أدوات كهربائية (في الخمسين من عمره) ومستثمر صغير في البورصة بعد خسارةٍ كبيرةٍ لحقت به.
وأدى النزيف المستمر في مؤشرات الأسواق بسبب تفوق عمليات البيع على الشراء إلى فقدان الثقة وسيطرة حالة من الخوف والتردُّد على قرارات المستثمرين والمُضاربين المحليين، في ظل سيطرة الاستثمار الفردي وضعف الاستثمار المؤسسي في معظم أسواق المنطقة.
وقد حذَّر خبراء الصحة الدوليون من أن الأزمة المالية العالمية التي تجتاح بلدان العالم ومصر حاليًّا ربما تحصد مزيدًا من الضحايا، مثل عبد العال؛ حيث أصدرت منظمة الصحة العالمية تحذيرًا قالت فيه إن الأزمة من المحتمل أن تسبِّب مشكلاتٍ صحيةً عقليةً متزايدةً، وربما حتى الانتحار؛ حيث يعاني الناس من الفقر والبطالة.
والسؤال الذي يطرح نفسه في ظل تلك الأزمة: من يحمي أسواق المال في المنطقة؟! ومن يوقف نزيف الخسائر اليومية للمستثمرين والسيطرة على عدد الضحايا المترتب على ذلك؟!
تحليل نفسي
بدايةً وقبل أن ننتقل إلى المحللين الماليين للإجابة عن السؤال الرئيسي في هذا التحقيق، تفسِّر د. سامية عبد الرحمن رئيس قسم الطب النفسي بجامعة القاهرة مخاوف المنظمة العالمية بأن المتعاملين في بورصة الأوراق المالية يكون لديهم آمال كبيرة وأحلام في المكسب الكبير الذي سيجنونه.
وتختلف هذه الآمال حسب خبرة كل شخص؛ فإذا كان لديه دراية تامة بعالم البورصة تكون لديه توقعات جيدة لما سيحدث، ولا يُصدَم عندما يخسر، أما الأشخاص العاديون الذين يتعجَّلون المكسب السريع فيصابون بانتكاسه كبيرة وقت الخسارة.
وتقول إن هؤلاء عادةً لا يشغلون أنفسهم بالتفكير في النواحي الاقتصادية، ويعتمدون على أن هناك أشخاصًا آخرين يفكِّرون بدلاً منهم، ودائمًا ما تنصبُّ توقعاتهم على أن هناك مكسبًا سريعًا سيحققونه، وعندما يخسرون يشعرون بأن أحلامهم تحطَّمت، ويصابون باكتئاب شديد يصل إلى حدِّ الانتحار نتيجة تعرضهم لخسارة كبيرة لم يتحملوها.
وترى د. سامية أنه لكي نعالج هذا الشعور لدى هؤلاء المتعاملين في البورصة يجب أن يحوِّلوا أموالهم إلى تنمية الاقتصاد الداخلي والتجارة الداخلية أفضل من التعامل في البورصة.
وعلى صعيد المحللين الماليين والخبراء، أكدوا وجود عناصر أساسية لحماية المستثمرين من المخاطر التجارية، خاصةً في ظل الانخفاض التي مُنيَت به معظم الأسواق، ويأتي على رأسها توعية المستثمر بكيفية التصرف بالأسهم، إضافةً إلى دور الجهات الرقابية في حماية المستثمر والإفصاح الدائم من قِبل الشركات.
وأضاف الخبراء أن من أهم عناصر الحماية أن يحميَ المستثمر نفسه من نفسه؛ بمعنى ألا يأخذ قرارًا غير مدروس مبنيًّا على الشائعات والنصائح من غير المتخصصين.
ويرى الخبراء أنه من المهم أن تلجأ الشركات، خاصةً الكبرى، في الوقت الحالي في ظل تراجع أسعار الأسهم إلى شراء أسهم خزينة؛ لطمأنة المستثمرين على أقل تقرير أنَّ قيم الأسهم الحالية أقل من القيمة العادلة.
الاحتفاظ بالأسهم
يرى الدكتور محمد الصهرجتي العضو المنتدب لشركة (سولدير) لتداول الأوراق المالية أن من وسائل حماية المستثمر من المخاطر التجارية في ظل الانخفاض الحالي لسوق المال توعية المستثمرين من جانب الخبراء بالاحتفاظ بالأسهم إذا كان هذا المستثمر يمتلك الأسهم في وقت الارتفاع، خاصةً أن الأسعار الحالية هي أسعار شراء وليست أسعار بيع.
أضاف الصهرجتي أن دور الشركات في حماية المستثمر هو الاتجاه في الوقت الحالي إلى شراء أسهم خزينة، وهو ما قامت به بالفعل بعض الشركات؛ مثل أوراسكوم تيليكوم، ومدينة نصر، وطلعت مصطفى، وهو الأمر الذي يعطي المستثمرَ ثقةً بأن الانخفاض الحالي أقل من القيمة العادلة لأسهم الشركة، وهي خطوة مهمة تقوم بها الشركات في أوقات الانخفاض.
أما دور الجهات الرقابية في حماية المستثمر فيقول الصهرجتي: إن هذا الدور يتمحور في تعريف الجمهور بمن يستمعون إليه ويأخذون برأيه ومن لا يستمعون إليه، خاصةً أن الهيئة العامة لسوق المال هي المنوطة بإعطاء التراخيص للمحللين الماليين والفنيين وخبراء سوق المال.
وشدَّد الصهرجتي على أهمية دور الجمعيات الأهلية في توعية المستثمرين وحمايتهم بالآراء الصحيحة؛ مثل جمعية دعم وتدريب المستثمرين، والجمعية المصرية للأوراق المالية، وجمعية المحللين الفنيين، وغيرها من الجمعيات، هذا بالإضافة إلى دور الإعلام الاقتصادي وتوجيه المستثمر بالآراء الصحيحة.
الشركات العائلية
ويرى مصطفى الأشقر (محلل مالي) أن من أهم أدوار الجهات الرقابية في حماية المستثمر هو فرض رقابة أعلى على الشركات العائلية؛ التي تكون غالبًا بعيدةً عن النزاهة والعدالة وبعيدةً كل البعد عن تطبيق مبادئ "الحوكمة"؛ الأمر الذي يتطلَّب تطوير برامج الرقابة وتنظيم أدوات جديدة للرقابة على هذه الشركات.
وأضاف الأشقر أنه وبشكل عام وفي إطار حماية المستثمر يفضّل تعيين مندوب من هيئة سوق المال؛ يكون ملمًّا بالنواحي المالية والقانونية في هذه الشركات، وحضوره لاجتماعات مجالس إدارتها.
الشائعات
من جانبه يؤكد الدكتور عبد الرحمن جاب الله أستاذ الاقتصاد بجامعة حلوان أن أهم وسائل حماية المستثمر هو أن يحميَ نفسه من نفسه؛ بمعنى ألا يأخذ قرارًا غير مدروس مبنيًّا على الشائعات والنصائح من غير المتخصصين.
ودعا جاب الله المستثمر إلى أن يراعيَ التنوع في المحافظ وفي القطاعات التي يدخل فيها، وإلى الاتجاه إلى الشركات المتخصصة، وشدِّد على أهمية دور الجهات الرقابية في حماية المستثمر، الذي تتمثَّل في دور هيئة سوق المال في الإفصاح عن المعلومات والشركات وأنشطتها، وحظر استغلال المعلومات الداخلية والرقابة على الشركات، وكلها أطرٌ تنظيمية تباشرها هيئة سوق المال والبورصة، والهدف منها هو حماية المستثمرين في البورصة.
ويؤكد جاب الله أهمية أن يتم تعريف المستثمر ببعض المصطلحات المهمة؛ مثل مفهوم القيمة الاسمية للسهم، ومفهوم تجزئة السهم، ومفهوم القيمة الدفترية والقيمة السوقية، وغيرها من المفاهيم التي يجب أن تُدرَج في الجداول اليومية بجانب الأسعار والمؤشرات المالية التي لا بد أن تعرض هذه القيم على المساهمين ضمن النشرات الاقتصادية؛ بحيث يتعرَّف عليها المستثمر بكل شفافية، وتكون جزءًا من الثقافة المالية لجميع المعاملين بالسوق.
المغفلون
ويشير عصام مصطفى العضو المنتدب لشركة نماء لتداول الأوراق المالية إلى أن الأصل في الاستثمار هو تضمنه مخاطر، ولا يُعرَف في الأعراف التجارية ضمانة ضد الخسائر، حتى الوثائق التأمينية التي ابتُدِعَت لم تعرف ضمانة ضد الخسائر.
ويقول مصطفى إن النظام القانوني والعرف لا يحميان المغفلين، وخاصةً أن الخسائر في مجملها تعود إلى سوء تقدير من المستثمرين، وبالتالي فإذا كان هناك نوع من الحماية للمستثمرين فيتمثل في ثلاثة عناصر مهمة؛ هي: التوعية، وتعريف المستثمر عن طريق قراءة الدراسات، والإفصاح والشفافية.
الإفصاح الدائم
ويرى مصطفى بدرة (خبير أسواق المال) أن وسائل حماية المستثمر تتضمن ثلاثة عناصر رئيسية؛ هي: حضور الجمعيات العمومية من جانب المستثمرين، والإفصاح الدائم من الشركات، وتفعيل القوانين التي تحمي المساهمين من ممارسات أعضاء مجلس الإدارة، مشيرًا إلى أهمية الرقابة الدائمة من هيئة سوق المال ووزارة الاستثمار على هذه الممارسات.
وشدَّد بدرة على أهمية تشديد العقوبات على المخالفين لأمور الإفصاح أو من يقومون بالتلاعب وغير ذلك من المخالفات؛ حتى تكون هناك معايير واضحة وشفافية يتم تطبيقها على الجميع.