- النقاد: لا يمكن إنهاء التعصب ولكن توطين الحوار

- د. الشكعة: تجاهل الإبداع تزوير للحياة الثقافية

- د. إبراهيم عوض: النقد الحقيقي لا يتأثر بأشخاص

- د. تليمة: التعصب موجود عند اليساريين والإسلاميين

- د. عبد الحميد إبراهيم: أحادية النقد تأسَّست مع الثورة

- د. يوسف نوفل: التجاهل جناية على الإبداع الحقيقي

 

تحقيق- مجد عبد الفتاح:

النقد الإيجابي عملة نادرة، فقد يستغرق المبدع اليوم عمرًا كي يلتفت إليه ناقد، وأصبح النقد مرتبطًا بالهوى والتعصب والأحكام المسبقة ولم يعد هناك تجرد وإنصاف وتقييم.

 

والواقع أنه لم يعد بوسع أحد إنكار ظاهرة التعصب الأيديولوجي في النقد الأدبي، بل هناك شبه إجماع على أنها موجودة في كل التيارات، ولكن الأغلب هو التعصب اليساري والعلماني ضد التيار الإسلامي بصفةٍ عامة.

 

وتظهر تجليات هذا التعصب واضحةً في مستويات ثقافية مختلفة؛ فقد أصدر الدكتور جابر عصفور كتابَي "ذاكرة للشعر" و"قراءة النقد الأدبي"؛ تحدَّث فيهما عن الواقع النقدي، وتجاهل في الكتابين إسهامات الإسلاميين شعراء ونقادًا، ولعل أبرز النقاد هو العلامة الكبير الراحل سيد قطب، وهو تجاهلٌ وإقصاءٌ مُتعمَّد نتيجة التعصب الأيديولوجي.

 

ومن الشعراء الذين تم تهميشهم الشعراء محمود غنيم، وأحمد محرم، وهاشم الرفاعي، حتى الشاعر الوفدي عبد العزيز مصلوح وغيرهم الكثيرون، ربما كانت أسماؤهم بالتفصيل في كتاب الدكتور جابر قميحة (التاريخ الأدبي للإخوان) وغيره من الكتب التي رصدت بصدق الواقع الأدبي؛ لا من خلال المنظور الإعلامي الضيق، ولكن من خلال واقع وأعمال حقيقية راسخة وإن طمسها الآخرون.

 

وقد شمل هذا الإقصاء كُتَّابًا كبارًا بحجم مصطفى صادق الرافعي، وعلي أحمد باكثير، ونجيب الكيلاني، ومحمد عبد الحليم عبد الله، والأديب والشاعر أحمد الشرباصي، والشاعر الدكتور سعد ظلام، والدكتور صابر عبد الدايم, ومحمد يونس.. إلخ القائمة الطويلة، سواء من الذين رحلوا عن عالمنا أو ما زالوا أحياءً ويعانون التجاهل؛ لا لشيء سوى لكونهم إسلاميين.

 

والأمر لا يختلف كثيرًا في واقع الدول العربية أو الإسلامية؛ ففي فلسطين لا يشتهر إلا اليسار ويغيب عن الساحة شعراء كبار مثل الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود صاحب:

سأحمل روحي على راحتي    وألقى بها في مهاوي الردى

فإما حياةً تَسُرُّ الصديق               وإما مماتًا يغيظ العدا

وعمر بهاء الدين الأميري، بل يتم الاحتفاء بطاغور البوذي على حساب محمد إقبال الشاعر الباكستاني الرائع، من هنا كان لنا ضرورة تحليل ظاهرة التعصب في النقد الأدبي وانعكاسات ذلك على الحياة الثقافية بشكلٍ عام، وهل يمكن أن نخرج من هذه الدائرة بدلاً من استباحة معايير النقد؟ وكيف؟

 

تزوير الحياة الثقافية

 الصورة غير متاحة

د. مصطفى الشكعة

يرى الدكتور مصطفى الشكعة أستاذ الأدب العربي وعميد كلية الآداب جامعة عين شمس الأسبق أن اليساريين يتخذون من النقد وسيلةً لتوصيل رسالتهم إلى الناس، وهو ما لا يتماشى مع أمانةِ الناقد الذي لا بد أن يكون صادقًا في نقده ومحايدًا، أما الهجوم على الإسلاميين فربما أصبح هدفًا في ذاته، إلى أن وصل الأمر إلى مهاجمة الإسلام نفسه.

 

ويضيف أن بعضَ النقاد انتقدوا القرآن الكريم مثلما حدث من الدكتور نصر حامد أبو زيد الذي زعم أن القرآن نص بشري وليس إلهيًّا، وحدثت المعركة التي خرج على أثرها من مصر إلى تونس ثم ألمانيا ثم هولندا.

 

ويتحوَّل التعصب ضد الإسلاميين إلى عصبيةٍ شديدةٍ في الحياة الثقافية؛ فلا تجد مشاركةً للإسلاميين في أنشطة وزارة الثقافة بسبب الانتماء الأيديولوجي للقائمين عليها، كما يصل الأمر إلى التدخل في الترقيات للأساتذة ممن يكونون ذوي نزعةٍ إسلاميةٍ، مثلما حدث مع الدكتور محمد فؤاد شاكر أستاذ الدراسات الإسلامية بكلية التربية بجامعة عين شمس عندما تقدَّم للترقية لدرجة أستاذ مساعد، وكانت لجنة الترقية من العلمانيين فكانوا يأبُون منحه الدرجة لأكثر من 10 سنوات رغم إعداده البحوث المطلوبة.

 

ويوضح الدكتور الشكعة أنه نتيجةً لهذا التعصب صعد أقزام في مجال الأدب وغيره، وتم تجاهل عمالقة، مثل الأديب مصطفى صادق الرافعي الذي كان إنتاجه يهز العالم الإسلامي، وكذا الأديب الكبير علي أحمد باكثير، والأديب نجيب الكيلاني وغيرهم؛ مما نتج منه تزوير للحياة الثقافية وعرض بضاعة مغشوشة بدلاً من الثمينة.

 

دعم المشروع الثقافي الإسلامي

 الصورة غير متاحة

د. إبراهيم عوض

الناقد الكبير الدكتور إبراهيم عوض أستاذ الأدب والنقد بكلية الآداب جامعة عين شمس يؤكد أن التعصبَ في النقد الأدبي قائم؛ لأنه مرتبطٌ بالطبيعة البشرية التي تتعصب لذاتها، ولا يتصور أنه يمكن التخلص من هذه الآفة بشكلٍ كاملٍ، إلا أن الإنسان عليه أن يكافح بما استطاع من خلال تدينه الذي يؤكد له أن الجميع سواسية، وخروج الناقد من دائرة التعصب يجعله يحكم بصدقٍ على الأشياء.

 

ويضيف قائلاً: لقد قرأتُ روايةَ (مرتفعات وازرنج) للكاتبة البريطانية إيمي برونت، وكنتُ معجبًا بها تمامًا، وتذكرتُ أن الكاتبةَ كتبتها وبريطانيا تحتل مصر فتعصبتُ ضدها، ولكن بعد رويةٍ وإمعانٍ أيقنتُ أنَّ العملَ الأدبي رائعٌ، ولا علاقةَ لي بالكاتبة وذكرى الاحتلال الإنجليزي، وهناك بعض المستشرقين الذين يُبدون إعجابهم بالأدب العربي رغم العداوات الموروثة، وأكثرهم متعصبون؛ فالاختلافات لا ينبغي أن تدخل في حكمنا على الأعمال؛ فقصيدة أمية ابن أبي الصلت الذي يبكي فيها قتلى بدر من الكفار عنيفة وقوية وتُعجبني من الناحية الفنية؛ فهناك مَن يُبدعون في تياراتٍ مختلفةٍ أو معادية، ولكنهم يكتبون أدبًا رائعًا.

 

قلتُ للدكتور إبراهيم عوض: "لقد وقعت أنت في دائرة التعصب في نقدك لصنع الله إبراهيم الذي يراه غالبية النقاد روائيًّا موهوبًا"، فرد قائلاً: "عندما أقوم بالنقد لصنع الله أو غيره أقول حكمي داعمًا إياه بالحيثيات التي تجعل القارئ يقتنع، وأنتظر مَن يُناقشني، وعندما انتقدتُ محمد مندور بكتابٍ كامل لم يرد أحد، وعندما تحدثتُ عن طه حسين من خلال الوثائق والتواريخ بأنه جاء بكلامه في كتاب (في الشعر الجاهلي) من المستشرق مرجليوث كانت الردود أنه رمزٌ من رموز التنوير والنهضة في مصر، ومَن يهاجمه كذا وكذا، ولم يرد أحدٌ على كلامي ردًّا علميًّا، وهذا لم يمنعني من الإشادةِ بأسلوبه الجميل الذي جمع بين الثقافتين العربية والفرنسية".

 

كما لم يمنعني حبي للعلامة الكبير سيد قطب كمفكرٍ وناقدٍ من انتقاده في بعض أعماله، مثل رواية (أشواك)، كما انتقدته في الظلال عندما كان يرفض باستمرار الاستعانة بعلوم الطبيعة في التفسير، وهو نفسه لجأ إليها في مواضع متعددة.

 

ويضيف الدكتور إبراهيم عوض أن الناقد الحق هو الذي يستطيع توطين نفسه على الاقتراب من التجرد والنقد الموضوعي والبُعد عن الهجوم المبالغ فيه دون دليلٍ علمي، وعلى الرغم من محاولاتِ الإقصاء المستمرة، إلا أننا موجودون، ولكن بجهودٍ فرديةٍ متناثرة، وأُخِذَ مَأخذٌ على الإسلاميين؛ غياب الدور المؤسسي لديهم وعدم وجود دُور نشر تدعم المشروع الثقافي الإسلامي.

 

الإقصاء المتعمَّد للإسلاميين

 الصورة غير متاحة

د. جابر قميحة

ويرى الشاعر والناقد الكبير الدكتور جابر قميحة أن الأدب الإسلامي لا يُعاني أزمةً في الإبداع والنقد، بل يُعاني ظُلم الإعلام؛ لأن المبدعَ والناقدَ الإسلامي لا يأخذ حقَّه من الإعلام الذي يجعل من أنصافِ الموهوبين عمالقةً وأدباءَ كبارًا ونقادًا عظماءَ، وكل هذا يرجع إلى الترابط الأيديولوجي والمجاملات و"الشِّللية"؛ فعندما أصدر الدكتور جابر عصفور كتابًا عن الحركة النقدية لم يذكر الشهيد سيد قطب بكلمةٍ واحدةٍ رغم شهرةِ نقد سيد قطب في التطبيق، بل له كتاب في أصول النقد الأدبي، وهو يعلم حجم عمله كناقدٍ.

 

كما يتم طمس الإسلاميين المبدعين، مثل الروائي نجيب الكيلاني الذي يُعدُّ موسوعةً متكاملةً في الأدب؛ فهو الروائي والقاصُّ والشاعر أيضًا، وله قصيدة مطولة بعنوان "امرأة العزيز تعترف"؛ مزج فيها بين التراث والمعاصرة مزجًا مسبوكًا لا يتأتَّى لكثيرين، وله عددٌ من الدواوين، ولكن أعماله الروائية غلبت على إنتاجه.

 

ولقد تناولته أعمال أكاديمية بلغت 15 رسالةً جامعيةً حتى الآن ما بين ماجستير ودكتوراه، ويتساءل الدكتور جابر: "هل هذا الرجل أخذ حقَّه من وزارة الثقافة في الاحتفاليات التي تُقيمها بمناسبةٍ وغير مناسبة؟! وهل نشرت له كتابًا؟!".

 

بل لم يُنشر كتاب فكري واحد في مشروعٍ مثل مكتبة الأسرة للشيخ الغزالي أو الدكتور محمد عبد الله دراز صاحب كتاب (دستور الأخلاق في القرآن)، وهو كتاب بالفرنسية ترجمه الدكتور عبد الصبور شاهين، أو الكاتب الإسلامي أنور الجندي أو الدكتور المطعني.. هل تم تكريمه من أحد؟! وكذا عبد الوهاب المسيري, وعندما صدر كتاب عن رواد الإصلاح الديني لم يُذكر الشهيد حسن البنا على الرغم من أنه صاحب أقوى بصمات إسلامية في العصر الحديث!!.

 

ويضيف الدكتور جابر قميحة أن هذا يعني أن الإقصاء متعمَّد للمفكرين الإسلاميين وأدبائهم؛ فقلت له إن مساهمةَ الإسلاميين الإبداعية تكاد لا تُلاحظ.. فأين هم مبدعوهم ونقادهم؟.

 

قال: لقد ذكرت في كتاب "التاريخ الأدبي للإخوان" أهم الأدباء والشعراء:

- الشيخ أحمد حسن الباقوري، عبد الحكيم عابدين، عبد الرحمن الساعاتي، خليل عشماوي، الشيخ طنطاوي جوهري، محمد عبد العاطي، جلال عنبر، حمود غرابة، سيد عثمان المراغي، أحمد محمود عرفة، محمد زكي إبراهيم، الشيخ محمد منصور، حسن خطاب الزيني، الحاج حسن الزيني، السيد إمام عبد الله يوسف، أبو الوفا محمود رمزي غنيم، وعبد المنعم فارس.

 

- إبراهيم مأمون، عمر مصطفى نصير، محمد السندس، أبو الأخضر مبارك غنيم عبده، حسين محمود نور الدين، طه أمين، وصطفى محمد الحديدي الطير.

 

- علي داود إبراهيم، محمود محمد محمود، عبد الرحمن لاشين، وحمود غنيم.

 

- محمود عبد الحليم الكبير، رشيد أبو قرة، إبراهيم عبد الفتاح، ونداوي دوير.

 

- بدر الدين الجارم، وبد اللطيف العيلي، وغيرهم كثيرون جدًّا، بل من خارج مصر عمر بهاء الأميري ووليد الأعظمي وعدنان النحوي.

 

أما في النقد فالدائرة كبيرة أيضًا، مثل الراحل أنور الجندي، ومن المعاصرين الدكتور إبراهيم عوض صاحب إسهامات رائعة، والدكتور حلمي القاعود، والدكتور صابر عبد الدائم، والدكتور حامد أبو أحمد، والدكتور خالد فهمي، وحسن الأمراني من المغرب، وغيرهم.

 

النفاق الإبداعي

ويقول الناقد محمد شرشر: "يجب أن يكون الناقد نازعًا إلى الحياد، وأن يكون العمل الإبداعي هو الذي يعطي شفرة الرؤية النقدية، لكن لا يستطيع الناقد أن ينعزل عما يسكنه من أيديولوجيات، ولكن الناقد الموضوعي كالقاضي؛ فهو الذي يعطي العمل الإبداعي أكبر مساحة لتجليات العمل لا لإسقاط أيديولوجيات، ولكن هناك مَن يلوون أعناق الأعمال الإبداعية لتتماشى مع الأيدولوجيا التي يعتنقوها".

 

ويشير إلى أن النقاد المؤهلين للتصدي لهذا العمل قلة لا يستطيعون مواكبة النشاط الإبداعي، والكارثة أنه يخرج عن حقل النقد الأدبي ليتحوَّل إلى خطاب سياسي ليتحوَّل الأمر إلى النفاق الإبداعي.

 

"وأسرد وقعةً للتدليل على ذلك.. في أثناء انعقاد المنتدى العربي الذي يرعاه السفير اليمني الدكتور عبد الولي الشميري عقدت مناظرة حول قصيدة النثر، كان المؤيدون لها الدكتور صلاح فضل، والروائي إدوارد الخراط، والشاعر عبد المنعم رمضان، أما المعارضون فكانا الدكتور كمال نشأت، والشاعر محمد التهامي، ووجدت الدكتور فضل يدافع عنها بشكلٍ غريبٍ، وبعد أيام فقط عُقد مؤتمر في المجلس الأعلى للثقافة، وكان حاضرًا رموزٌ من السلطة فقال نقيض ما قال من قبل ودافع عن الأصالة كأنه كمال نشأت، فكتبت إليه ورقة قلت له: في أي الأماكن نصدقك؟!.

 

فالتحول إلى جوقة الحاكم موجود في النقاد الذين يُطلَق عليهم (الكبار)، ولم يقف الأمر عند هذا وحده؛ فهناك كثيرون؛ منهم عبد الرحمن الأبنودي؛ فقد كتب قصيدة اعتذار عن سقوط قديم ليأكل من السلطة القائمة، وكذا أحمد عبد المعطي حجازي؛ فموقفه من قبل في قصيدة الطريق إلى السيدة مثلاً الذي يأخذ بتجليات الثورة؛ أين أمثالها الآن؟! وأين وجوده على الساحة الفكرية والإبداعية رغم شهرته الواسعة واشتراكه في كثيرٍ من اللجان والمنابر الثقافية؟!".

 

إن المسألةَ لا تعدو أن تكون مصالح ذاتية؛ ولذا فالإقصاء أو الهجوم من هؤلاء يقينيٌّ؛ فهم يتهمون غيرهم بالجهل والقصور والإمعان في الحداثة الغربية التي تريد تدمير النصوص، والأمر عندنا مختلف؛ لأننا لدينا نصوص مقدسة (القرآن والسنة) لا ينبغي التعامل معها بهذا المنظور، إلا أنهم يريدون التعامل معها كنص بشري، وهذا مكمن الخطورة، ويقولون إن هذا يتماهى مع ما يقوله الصوفية، وكلها أفكار مسكونة بفيروس التدمير.

 

ويطالب الناقد محمد شرشر "بحماية نقدنا؛ فإذا كان السقوط في السياسة فلا يكون في الثقافة؛ لأن السياسة فترات تاريخية متغيرة، أما الثقافة فهي تشكِّل وجدان الأمة على مرِّ العصور، والخوض في المقدس يحمل السم القاتل للعقيدة، وهذا ما لا يمكن التسامح فيه، وأطالب بالتعصب له؛ لأنه حماية لنا جميعًا، أما الإبداع الذي ينتجه الآخرون من أيديولوجيا مختلفة فينبغي التعامل معه وعدم إقصائه طالما لم يمسَّ عقيدتي، وأتعامل معه بعين الناقد الأمين؛ لأن الاختلاف واردٌ بين البشر، ولكن لا يكون الاختلاف في مصلحة أعدائنا".

 

ويطلب الأدباء الإسلاميين أن "يشقوا طريقهم غير عابئين بالهجوم أو التجاهل؛ فسيأتي من يرى إبداعاتهم ونورهم، وهناك مواهب إبداعية مبشِّرة، مثل الشاعر محمد يونس، وياسر أنور صاحب ديوان أربعة مواسم للخريف ينضح عبقريةً إسلاميةً، وإيهاب البشبيشي، وحاتم درويش حسنين السيد، وغيرهم، وإذا كان أمثال شعبان عبد الرحيم يسيطرون على المنابر فإني أتساءل: أين الناشرون الإسلاميون الذين يدعمون الشباب؟! لأن الجسد الإسلامي ما زال حيًّا ولكنه يحتاج إلى الدعم".

 

الكل مدان

ويؤكد الناقد (اليساري) الدكتور عبد المنعم تليمة أستاذ الأدب والنقد بكلية الآداب جامعة القاهرة أن التعصبَ ليس في النقد الأدبي فحسب، بل في سلوكيات الإنسان بشكلٍ عام، ويظهر هذا بوضوح في ظل أزمة الحريات وجوانب التخلف الموروثة من النعرات والشللية والذاتية والعصبية الأيديولوجية، بل في تعامل المواطن العادي حتى بين الزملاء، ولكن هذا الانحياز يجد تجلياته أكثر في الميدان الثقافي بما فيه من ترشيحات لجوائز أو الحصول عليها، وتقييم الأعمال والترقيات والترشيح للبعثات والمنح أو المشاركات الإعلامية، وكلها أمور تحكمها التحيزات.

 

ويقول: "أؤيد القول أن هناك تحيزًا واضحًا ضد الإسلاميين، كما أن الإسلاميين يتحيزون ضد غيرهم، والمصيبة أن كل الاتجاهات مغلقة؛ لا تؤمن بالمصالحة والتفتيش عن المشترك، ولكن للأسف أصبح اختلافنا يصل إلى أبعد من التعصب، بل النفي للآخر؛ فالكل مدان، ولذا أرى ضرورة الاستجابة إلى التعددية والمؤسسية، فنأخذ بتعدد الآراء والأفكار والمذاهب والنظريات والبحوث ونتعايش على هذا الأساس.

 

الأمر الآخر أن يكون العملُ مؤسسيًّا؛ فحينما طُلب مني إعداد تقرير عن قصيدة "شرفة ليلى مراد" قلت إني صاحب رأي واحد، وقد أُخطئ وأُصيب؛ فلا بد من صدور الحكم من مجلس كلية الآداب مثلاً أو من لجنة من اتحاد الكتاب؛ حتى نخرج من دائرة الاتهامات.

 

الأدب بين المطرقة والسندان

الدكتور عبد الحميد إبراهيم عميد كلية الآداب جامعة حلوان الأسبق وأستاذ الأدب والنقد يؤكد أن غياب الحركة النقدية الموضوعية يعدُّ انعكاسًا للحالة السياسية على الأدب؛ فعدم وجود حوار في المجتمع بين المذاهب الفكرية والسياسية انعكس على الأديب والناقد، ونظرًا إلى أن النظام السياسي منذ قيام ثورة يوليو 1952م وحتى الآن يعمل على إقصاء الإسلاميين فأصبح كأن هناك تعليمات أيضًا للحدِّ من وجودهم على الساحة الثقافية، والدليل على ذلك أن مَن يلاحظ الصفحات الأدبية في الصحف القومية يجد القائمين عليها من المتأثرين بالغرب، فهل نجد مثلاً كاتبًا ذا نزعة إسلامية أو تراثية؟! وبعد غياب الدكتورة نعمات أحمد فؤاد كُتَّاب المقالات يعزفون فكرًا واحدًا، ويعمدون إلى إقصاء أي صوت من خارج دائرتهم الفكرية، حتى الدكتور زغلول النجار، رغم اهتمام القارئ بما يكتب إلا أنه تم تقليص مساحته، والأمر يتعدَّى إلى المجاملة في كثير من الأحيان ويزيد بالتعصب.

 

فالحركة الأدبية في العالم العربي تقع بين تطرفين العلمانيين الذين يقصون مَن يخالفهم وتطرف الآخر في رد الفعل في الحكم بالتكفير ورفع القضايا، ولا يناقشون مناقشةً حرة؛ فالأدب واقع بين المطرقة والسندان؛ فمصر ولاَّدة في الإبداع، وهناك مواهب كثيرة حقيقية يلوذون بالصمت، أما أنصاف الموهوبين فيعوضون ذلك بالجعجعة ومسح الجوخ، فيطفون فوق السطح، ولن ينصلح حال النقد الأدبي، بل والحياة الثقافية، إلا بالأخذ بالوسطية التي تقوم على افتراض وجود الآخر والحوار معه؛ مما يؤدي إلى حركة فكرية وأدبية تعبِّر عن الحضارة الإسلامية الصحيحة، ومنها الانطلاق نحو التقدم في شتى المجالات.

 

الاحتكام إلى النص
 
 الصورة غير متاحة

د. يوسف نوفل

ويطالب الدكتور يوسف نوفل أستاذ الأدب والنقد بكلية البنات جامعة عين شمس بأن يكون النقد مجردًا من الهوى والعقيدة والانتماء والتعصب، وأن ينظر الناقد إلى النص في ذاته بصرف النظر عن مبدعه، لا تطبيقًا لنظرية موت المؤلف، ولكن احتكامًا إلى ما يقوله النص وتحليله وتفسيره؛ لأنه لم يُفسد النقدُ الأدبي الحديث إلا بسبب الانتماءات العقدية والشد والجذب بين اليمين واليسار.

 

فقد مات مبدعون أحياءً بسبب التجاهل؛ فقد شكا محمد عبد الحليم عبد الله وصاح قائلاً: "لماذا تقتلونني بالصمت؟!"، ومثل ذلك نجيب الكيلاني، وصالح جودت، وآخرون.

 

وقد طالبت في رسالتي للدكتوراه بنبذ التكتلات من أي نوع؛ لأنها تَصرفنا عن العمل ذاته، وربما يتجاوز الأمر المجال الأدبي إلى المناصب والمنح؛ فكم من ناقدٍ يتبوَّأ مكانةً لا يستحقها! وكم منهم مَن لا يجد موقعه الملائم بسبب تلك التصنيفات العمياء!، ولكن مع ذلك فالأديب والمبدع الحق يستطيع أن يشقَّ طريقه رغم كل الحدود؛ يفرض وجوده على الساحة الثقافية رغم التعصب.