- د. حمدي عبد العظيم: جشع التجار والمستوردين هو الذي يحكم السوق المصري

- عبد الحافظ الصاوي: أسعار البترول في مصر غير مرتبطة بالأسعار العالمية!

- د. محمود عبد الحي: يجب إنشاء "صندوق موازنة الأسعار" لمواجهة الأزمة

- د. إبراهيم المصري: الدولة تفقد الرقابة على الأسواق والمواطن الضحية دائمًا

 

تحقيق- خالد جمال:

العالم يسير في اتجاه ومصر تسير في اتجاهٍ آخر، كمَن يسبح عكس التيار!.. هذا ما أكدته الأزمة المالية العالمية التي ألقت بظلالها على أسعار السلع الأساسية في معظم دول العالم، وأدَّت إلى انخفاضها باستثناء مصر؛ فعندما ترتفع الأسعار عالميًّا ترتفع بالتالي في مصر، وعندما تنخفض عالميًّا ترتفع أيضًا في مصر!.

 

فوزير التجارة والصناعة المهندس رشيد محمد رشيد أعلن عن رفع سعر طن السكر 100 جنيه ليصبح 2750 جنيهًا رغم انخفاض سعره العالمي بمقدار 120 دولارًا، وكذلك الحال بالنسبة لمعظم السلع الأساسية!.

 

وفي وقتٍ سابقٍ أعلنت الحكومة "الموقَّرة" زيادة أسعار المواد البترولية نتيجة الزيادة العالمية في أسعاره، وقد انخفضت هذه الأسعار عالميًّا بمقدار النصف، ولكنها أيضًا لم تنخفض في مصر!.

 

(إخوان أون لاين) يرصد آراء خبراء الاقتصاد في عدم تأثر الأسعار المصرية بالانخفاض العالمي.

 

جشع التجار
 
 الصورة غير متاحة

د. حمدي عبد العظيم

في البداية يقول الدكتور حمدي عبد العظيم الخبير الاقتصادي والرئيس السابق لأكاديمية السادات للعلوم الإدارية: إن الانخفاض العالمي في الأسعار لم يحدث في مصر بسبب وجود خلل في السوق المصرية التي تتصف بأنها سوقٌ يتحكم فيها التجار والمستوردون، وهم فيه الطرف الأقوى، والمستهلك هو الطرف الضعيف في ظل عدم وجود رقابة حقيقية على الأسواق، وعدم تحديد هامش للأرباح وعدم تحديد حدٍّ أقصى للأسعار تركت الحكومة كل تاجر يبيع كما يشاء دون ضابط أو رقيب يراقبه.

 

ويضيف الدكتور عبد العظيم أن الاحتكار الموجود في سلع غذائية معينة يحتكرها مستوردون وتجار جملة كبار، يقومون باصطناع الأزمات للحفاظ على انخفاض العرض لفرض أسعار مرتفعة تحقق أقصى ربح ممكن.

 

وعن دور جهاز حماية المستهلك في حماية المواطن من ارتفاع الأسعار، يشير د. عبد العظيم إلى أنه لا يوجد تشريع قانوني يعطي جهاز حماية المستهلك حقَّ التدخل في الأسعار، إنما يكون دوره منصبًّا على الغش التجاري، مثل عيوب الصناعة وتحديد المواصفات، كما أن جهاز منع الاحتكار لا يتدخل إلا إذا كان هناك تواطؤ بين المحتكرين، وعليه التدخل لإثبات هذا التواطؤ، وهو أمر صعب التحقق.

 

ويشدد د. عبد العظيم على أن مباحث التموين عملها موسمي وتتحرك ببطء شديد ولا تستطيع إجبار التجار على شيء، كما أن الرقابة ضعيفة وغير كافية، والتجار يفعلون ما يشاءون بما يحقق لهم وللمحتكرين مكاسب مهولة.

 

وبالنسبة للدعم يؤكد د. عبد العظيم أن الحكومة تقول أنها توفر الدعم في الموازنة، ولو تم تخفيض سلعة مثل البترول ستضطر الحكومة إلى زيادة الدعم، وهو ما لا تريده الحكومة، إنما تريد أن تقلِّل الدعم بأكبر قدر حتى تستفيد خزائن الدولة، ضاربةً بمصلحة المستهلك والمواطن البسيط عرض الحائط.

 

دعم محاسبي

وفي نفس الإطار يقول الدكتور علي حافظ منصور أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة: إن الدولة ليس عندها حَزْم في عملية ضبط الأسعار في السوق، وخاصةً أسعار السلع الأساسية، كما أن جشع التجار يجعلهم لا يخضعون للحكومة، وهذا تقصيرٌ شديدٌ من جانب الحكومة التي لا تستطيع إجبار التجار على الالتزام بالأسعار التي تحدِّدها.

 

وأضاف الدكتور منصور أن الدولة تدَّعي أنها تدعم الطاقة مثل دعم بنزين 80، ولكن الدعم هنا ليس دعمًا نقديًّا، ولكنه دعم محاسبي يعتمد على بيع المنتجات البترولية في مصر بأسعارٍ أقل من التي كانت ستُباع بها في السوق العالمي.

 

ويؤكد منصور أن الدعم المحاسبي يخفَّف الضغط على الحكومة ولا يلتفت إلى المستهلك؛ فيجعل الحكومة تخفض الدعم الذي تقدمه للمنتجات البترولية ولا تقلل أسعارها.

 

رقابة الأسواق

 الصورة غير متاحة

د. عبد الحافظ الصاوي

من جانبه يقول الدكتور عبد الحافظ الصاوي الخبير الاقتصادي: إن الأزمة المالية العالمية أدَّت إلى انخفاض أسعار السلع ذات الدورة التجارية القصيرة، أما السلع ذات الدورة التجارية الطويلة فلا تتأثر بذلك؛ لأن التاجر يكون عنده مخزون من هذه السلع بالسعر القديم المرتفع، وبالتالي يقوم ببيعه بالسعر القديم وليس بناءً على الأسعار الجديدة.

 

ويؤكد الصاوي أن المطلوب من الحكومة في هذه الأزمة أن تعمل على القيام بدورها الرقابي على الأسواق؛ حتى تمنع تدخل جشع التجار في زيادة أسعار السلع.

 

وعن انخفاض أسعار البترول عالميًّا وعدم انخفاضها في مصر أكد الصاوي أنه من الخطأ أن نقارن أسعار البترول في مصر بأسعاره العالمية؛ لأن الحكومة تقدِّم دعمًا كبيرًا لمثل هذه السلعة الإستراتيجية؛ فلا تستطيع أن تقلِّل من سعره، ولكن تقوم بتقليل نسبة الدعم المخصص له؛ لأن ذلك من شأنه تخفيف الضغط على الحكومة، خاصةً في ظل ما تعانيه من مشكلة في الدَّين العام المحلي والعجز في الموازنة.

 

ويضيف الصاوي أن الحكومة لا تستطيع أن تقلل أسعار المنتجات البترولية؛ لأنها لو فعلت ذلك ستضطر إلى اتخاذ إجراءات مضادة لتعويض نسبة الدعم التي ستقوم بزيادتها، مثل زيادة أسعار سلع أخرى أو تقليل المرتبات.

 

موازنة الأسعار

من ناحيته يقترح الدكتور محمود عبد الحي أستاذ الاقتصاد بمعهد التخطيط القومي إنشاءَ صندوق يسمَّى "صندوق موازنة الأسعار"؛ يتم فيه تحديد سقف معين لما يجب أن تكون عليه أسعار جميع السلع، وفي حالة ارتفاع الأسعار عن هذا السقف تستخدم الحكومة الصندوق في موازنة هذه الأسعار، وإذا ما انخفضت الأسعار تستخدم الحكومة الفارق في تمويل الصندوق تحسبًا لأي ظرف طارئ قد يحدث للأسعار كما هو الحال الآن.

 

وعن موارد الصندوق المقترح يقول الدكتور عبد الحي: إن موازنة الدولة هي المصدر الرئيسي لتمويل الصندوق، بالإضافة إلى فروق حركة الأسعار أو فرض مزيد من الرسوم على الاستيراد، المهم أن تكون هناك سياسة فعَّالة لمكافحة ارتفاع الأسعار من خلال آلية مناسبة يتم الاتفاق عليها في مجلس الشعب، وفرنسا أمامنا مثالاً حيًّا؛ فهي لديها تجربة رائدة في عملية إنشاء صندوق لموازنة أسعار الطاقة تستفيد منه الآن وفى كل الأزمات.

 

ويشدد د. عبد الحي على ضرورة أن تقوم الدولة بدعم المواطن محدود الدخل عندما ترتفع الأسعار، كأن تحدد حدًّا أدنى للأجور يتماشى مع حركة الأسعار مع امتصاص الأرباح غير العادية التي يتحصَّل عليها التجار الكبار والمستوردون.

 

تخفيض الدعم فقط

ويرى الدكتور أحمد غنيم الأستاذ المساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية أن الانخفاض العالمي للأسعار ليس معناه انخفاضًا في الأسعار المحلية؛ لأن المنتجين والتجار الآن في حالة تأهب ينتظرون أن تهدأ حالة السوق، ثم يقومون بعدها باتخاذ القرارات التي يرونها مناسبةً، فلن يخفِّض أحدٌ الأسعار إلا باستقرار السوق العالمي الذي يمر بحالة اختلال نتيجة الأزمة المالية العالمية، إلا أن هذا السيناريو لا يحدث مع السلع المرتبطة بالأسعار العالمية كالحديد والأسمنت.

 

ويُرجع د. غنيم انخفاض أسعار البترول إلى توقعات بحدوث تباطؤ للاقتصاد العالمي وإلى المضاربات التي أدَّت إلى تراجع الطلب عليه.

 

وبالنسبة لمصر يؤكد د. غنيم أنه مع انخفاض السعر العالمي للبترول ما زال السعر المحلي أقل من السعر العالمي نتيجة وجود الدعم، وبالتالي ما حدث أن الدعم تم تخفيضه، ولكن الأسعار لم تقل، فلم يشعر المواطن العادي بذلك، ولكن سيؤثر ذلك في عجز الموازنة العامة للدولة.

 

سيطرة الكبار

وفي إطار متصل يرى الدكتور إبراهيم المصري أستاذ الاقتصاد والعميد السابق لكلية العلوم الإدارية بأكاديمية السادات أن العامل الرئيسي وراء عدم انعكاس الانخفاض العالمي في الأسعار على مصر يرجع إلى سببين؛ أولهما الجشع والطمع اللذان يسيطران على رجال الأعمال والمستوردين والتجار الكبار ورغبتهم في تحقيق مكاسب خرافية.

 

وعن السبب الثاني يقول د. المصري إن الدولة لا تقوم بدورها الرقابي لتجبر رجال الأعمال على تخفيض الأسعار؛ فعندما ترتفع الأسعار في مصر يكون من رابع المستحيلات أن تهبط مرة أخرى، والعبء كله يقع على كاهل المستهلك والمواطن العادي، وهذه أكبر كارثة تهدد السلام الاجتماعي وتزيد من معدل الفقر.