- أمن الوطن مهدد بسبب تصرفات الداخلية
- أجهزة الأمن تخلَّت عن حماية المواطنين لصالح أمن النظام فقط
- الشرطة بها "رجال يحبون الوطن" ولكننا لم نسمع عن محاكمة المجرمين منهم
- أطالبُ كُتَّاب مصر الشرفاء بتبني قضية هذا المواطن وفضح التعذيب
أجرى الحوار- عبد المعز محمد:
شهدت مصر خلال الآونة الأخيرة تزايدَ وتيرةِ التعذيب، وكانت الحالةُ الأبرز هي حمادة عبد اللطيف؛ ذاك المواطن المسالم الذي ذهب بأولاده إلى المدرسة في أول يومٍ للدراسة تملؤه الفرحة والسعادة وهو يرى بناته يخطون أولى خطواتهن نحو المستقبل، وفجأةً وبدون سابقِ إنذار تحوَّلت السعادة إلى حزن، والفرحةُ إلى مصيبة، بعد ضرب حمادة واعتقاله، وحتى هذه اللحظة الأمر عادي في دولةٍ لا تحترم القانون أو الدستور، ولكن غير العادي هو الانتقام الذي تم مع حمادة دون سابق معرفة؛ مما أدى في النهايةِ إلى إصابته بشللٍ رباعي وتهتكٍ في قفصه الصدري على يد نائب مأمور قسم مينا البصل ورجاله الأشاوس، وجريمته طبقًا لما أعلنتها الداخلية نفسها هي عدم احترام ضوابط المرور والتظاهر وسط الشارع.
ومع التحفظ على هذه التهم غير الصحيحة فإن مواطنًا أعزلَ يرقد بين الحياةِ والموت جريمته تعطيل المرور؟!!
ما حدث مع حمادة تكرر بعد أقل من أسبوعين مع الإعلامي بلال عبد الرحمن المذيع بقناة (الناس) الفضائية الذي يرقد أيضًا بين الحياة والموت في مستشفى قصر العيني؛ لأنه تجرَّأ وسأل مجرد سؤال للضابط الذي جاء ليعتقله وهو يؤدي عمله مع الدكتور عبد الرحمن البر عن إذن النيابة، فتمَّ ضربه مما أدَّى إلى تهتكِ قفصه الصدري وإصابته بالقلب.
هاتان الحالتان تصدرتا مشهد حقوق الإنسان في مصر خلال الأسبوعين الماضيين، سبقتهما تقارير بالجملة عن الانتهاكات التي تحدث للمواطنين في أقسام ومراكز الشرطة، والتي أدَّت في كثيرٍ من الحالات إلى الوفاة مثلما حدث مع الشهداء: مسعد قطب وأكرم الزهيري وطارق الغنام، وطفل شها وشهيد تلبنانة، وغيرهم العشرات في الانتخابات البرلمانية الماضية، والتي سبقتها، فما الذي يحدث؟ وهل جن جنون ضباط الشرطة؟ وهل هذه الحالات فردية كما تردد الداخلية؟.. وإذا كان الأمر كذلك فلماذا لم نسمع عن محاكمةٍ لأحد هؤلاء الذين ثبت قيامهم بالتعذيب؟ وما هو مستقبل علاقة الأمن بالشعب في ظل هذا الكره الذي يصل إلى حد القتل؟ ولماذا تتعامل الداخلية بهذه الحدة والقسوة التي تصل إلى حد الغل مع خصومها أيًّا كان نوعهم ومواقفهم وقضيتهم في مقابل فقدها لأي سيطرةٍ على الشارع؟!!
كل هذه التساؤلات وضعناها أمام الدكتور محمد مرسي عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين في هذا الحوار:
* بدايةً.. كيف تقرأ ما حدث مع المواطن حمادة عبد اللطيف؟
** ما حدث تطور خطير في نهج الأجهزة الأمنية؛ ففي الماضي كانت شكاوى الناس من الضرب والإهانات والصعق بالكهرباء والتحرش، ولكننا الآن أمام جرائم قتل منظمة، فحمادة عبد اللطيف ليس الحالة الوحيدة التي تتعرض لهذا الانتقام غير المبرر، ولكن سبقه مسعد قطب الذي مات قبل أن يُسعفه الأطباء في مستشفى أم المصريين نتيجةَ تعذيبه في مقر أمن الدولة بالجيزة، ورغم تأكيد الداخلية وقتها أنها ستجري تحقيقًا في القضية إلا أنه حتى هذه اللحظة ومنذ أكثر من ست سنوات لم يتم شيء؛ بل إن تقرير الطب الشرعي لم يرَ النور من وقتها، وتبعه الشهيد أكرم الزهيري الذي مات نتيجة الإهمال في سيارة الترحيلات، وتبعهما الشهيد طارق الغنام الذي مات مخنوقًا ومضروبًا بالعصا على رأسه بعد حصاره في المسجد.
![]() |
|
الضحية حمادة عبد اللطيف |
وتبعهم ناصر أحمد عبد الله الصعيدي المعروف بقتيل تلبانة في المنصورة، والذي قُتل نتيجة الضرب والسحل حتى الموت أثناء تدخله لإنقاذ ابنةِ شقيقه من بين أيدي رجال الشرطة الذين انقضوا عليها كالذئاب، وعندما أراد عمها أن يُنقذها قتلوه أمام أهله وجيرانه، وتبعه في المنصورة أيضًا طفل شها محمد ممدوح الذي مات نتيجة التعذيب لا لشيء إلا لأنه متهم بسرقة "باكو شاي"، وكذلك ناصر صديق جاد الله سباك العمرانية الشهير بـقتيل الشرطة؛ لأنه تجرَّأ وقدَّم شكوى ضد أمين شرطة يفرض إتاواتٍ على الناس في منطقته، وهناك أيضًا المواطن الذي تم حرقه في مرسى مطروح، والسيدة التي دهستها سيارة الشرطة هي ورضيعها، وغيرهم الكثير من الحالات المجهولة الذين خافت أسرهم فضح أمرهم لعدم التنكيل بهم.
قائمة طويلة
* هل معنى ذلك أن حمادة عبد اللطيف رقم في قائمة طويلة؟
** ما حدث مع حمادة عبد اللطيف أمرٌ مختلف، فالرجل ليس معتقلاً ولا متهمًا في جريمة ولم يتصدَّ للشرطة للدفاع عن أحد، وكل تهمته أنه قام بتوصيل ابنته إلى المدرسة ووقف مع غيره من الأهالي أمام الكردون الذي فرضته قوات الأمن أمام مدرسة ابنته لتمنعهم من دخولها، فوقف مع غيره يسأل نفسه ماذا أفعل؟ وأين أذهب بابنتي؟ وهل هناك مدرسة ممكن أن تقبلها بعد أن بدأت الدراسة؟.. مثله مثل غيره وقف مذهولاً وهو يرى مستقبل ابنته غير واضحَ المعالم، وفجأةً تبدأ معركة من طرفٍ واحدٍ كان أبطالها رجال شرطة قسم مينا البصل الذين تعاملوا مع الأهالي وكأنهم أعداء محتلون للمدرسة، وأخذ رجال الشرطة في ضرب أولياء الأمور بكل الوسائل المتاحة واعتقال كل مَن تطاله أيديهم، ومنهم حمادة عبد اللطيف الذي تولَّى أمره نائب مأمور قسم شرطة مينا البصل، طبقًا لما أكده حمادة نفسه، والذي قام بالانتقام منه دون أن يعرفه أو أن يكون بينهما أي حوار من أي نوع، وقام الضابط بضربه بحذائه على عموده الفقري حتى تهشَّم، ولم يسكت، بل استمرَّ في ضربه هو ورجاله حتى تهتك قفصه الصدري ليرقد بين الحياة والموت مصابًا بشلل رباعي لا يستطيع أن يفعل أي شيء، فلا يستطيع حتى التحكم في قضاء حاجته، ثم يتحول الجاني إلى ضحية والضحية إلى جانٍ، ويواصل رجال الشرطة فُجرهم باتهام حمادة ومَن معه بتعطيل المرور والتظاهر في الشارع، وحتى لو حدث ذلك فهل يكون رد الفعل بهذا الشكل أم أن هناك رسالةً ما يريد الأمن أن يبلغها إلى الشعب بأنهم حصلوا على الضوء الأخضر لكي يفعلوا ما يفعلوه، وليس هناك حرمة لأحد، ولن يحاسبهم أحد، إنها فعلاً مصيبة لقد تحوَّلنا إلى غابةٍ ليس فيها حماية للضعفاء.
* أشرت إلى وجود نهجٍ جديدٍ في تعامل الداخلية مع الشعب.. فهل ما حدث مع حمادة عبد اللطيف لأن له اتجاه سياسي مثلاً؟
** لا أعتقد أن له اتجاهًا سياسيًّا أو أنه معارض، فما تناوله الإعلام عنه أنه يعمل بقطاع البترول ومهتم بأسرته وجاد في عمله، بالإضافة إلى أن الميول السياسي أو معارضة النظام ليس مبررًا لارتكاب مثل هذه المجازر.
فما حدث مع حمادة عبد اللطيف وبعده بلال عبد الرحمن يؤكد أن "عيار بعض رجال الشرطة فلت"، ويحتاج إلى وقفةٍ صارمة، فنحن مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، ويجب أن يكون هناك احترام لآدمية الإنسان مهما كان فكره أو أيًّا كانت مواقفه، وأعتقدُ أن هذه الحالات غير الطبيعية التي بدأت في التصاعد خلال الفترات الماضية سوف تزداد طالما ليس هناك رادع؛ لأن التعذيبَ أصبح مثل العدوى بدأ ينتشر بسرعةٍ بين رجال الشرطة، ووقتها سوف يحدث ما لا يُحمد عقباه؛ لأن هناك مَن يسكت عن التعذيب، وهناك مَن لا يسكت ووقتها سوف تتحول أقسام الشرطة بل وشوارع مصر إلى ساحاتِ قتال بين المواطنين ورجال الشرطة، خاصةً أن الشعب يشعر أن القانون في إجازةٍ طويلةٍ مع رجال الشرطة، وهو ما يمثل خطرًا حقيقيًّا وتطورًا حرجًا في الأمن الاجتماعي داخل مصر.
أين الفردية؟
* أكثر من مرة ذكرت كلمة بعض رجال الشرطة.. فهل تتفق مع تصريحات وزير الداخلية أن هذه حالات فردية؟
** بالتأكيد الشرطة بها رجال يحبون الوطن ويعملون على حمايته، ولكن ما يحدث ليس مجرد حالات فردية؛ لأنها ليست حالة أو اثنتين ولكنها حالات مستمرة، وكل يوم نكتشف مصيبةً جديدةً في هذا الإطار، فأين الفردية فيها إذن؟، إضافةً إلى أننا لم نسمع حتى الآن أن وزير الداخلية أحال أحدًا من هذه الحالات إلى القضاء أو أنه أوقف مرتكبها عن العمل، وأصدر بذلك بيانًا رسميًّا حتى يكون رادعًا لغيره، وهو ما يعني وقتها أن الداخلية تُحارب التعذيب بالفعل، ولكن ما يحدث هو العكس فلم نسمع عن ضابط شرطة تم وقفه عن العمل وإحالته إلى المحاكمة، والحالة الأبرز هي حالة حمادة عبد اللطيف، فالضابط الذي قام بهذه الجريمة معروف، ومع ذلك ما زال حرًّا طليقًا تحميه الوزارة ولم يُقدَّم إلى المحاكمة أو يتم إيقافه عن العمل.
بل إن الحالات التي يتم إحالتها إلى التحقيق هي التي فشل التعتيم على جريمتها، وكأنَّ الإحالة إلى المحاكمة أصبح عقابًا للضابط؛ لأنه انفضح وليس لأنه ارتكب مثل هذه الجريمة؛ ولذلك فإنني أرى ضرورة محاسبة هذا الضابط من قبل الداخلية تأديبيًّا وإحالته للمحاكمة جنائيًّا على جريمته البشعة التي ارتكبها في حق الرجل المواطن "حمادة عبد اللطيف"، وأطالب المجلس القومي لحقوق الإنسان وكل الجهات المعنية بأن يكونوا صادقين في حرصهم على أمن الوطن وأن يتصدوا لهذه التجاوزات، وأن يضربوا بيدٍ من حديد على كلِّ مَن ينتهك حقوق الإنسان، وأن يكشفوا عن مصيرِ هؤلاء المتورطين في هذه الجرائم حتى يكونوا عبرةً لغيرهم، وإلا فالكل مشارك في التعذيب ويتحمل النتيجة.
موقف الإخوان
* أنت كنت عضوًا بمجلس الشعب، والآن الإخوان لديهم 86 نائبًا في مجلس الشعب.. فلماذا لم تتصدوا لعملية التعذيب بتشريعاتٍ تحد منها؟
** كتلة الإخوان سواء في برلمان 2000/2005م أو في البرلمان الحالي استخدمت كافة الآليات البرلمانية ضد موضوع التعذيب، سواء في الاستجوابات التي قدمتها ولم ترَ النور حتى الآن، أو من خلال البيانات العاجلة وطلبات الإحاطة أو مشروعات القوانين، ولأول مرة تقوم لجان مجلس الشعب المختصة بزيارة السجون بشكلٍ منتظمٍ للوقوف على ما يحدث فيها.
* ولكن هناك مَن يرى أن نواب الإخوان لا يتحركون إلا في الحالات التي تحدث مع أحد أفراد الجماعة؟
** هذا كلام غير صحيح؛ لأنني وزملائي في المجلس السابق وأعضاء الكتلة في المجلس الحالي لم نترك أية قضية تعذيب أو انتهاك لحقوق الإنسان إلا وفجَّرناها تحت القبة، وأعتقد أن طفل شها وقتيل تلبانة ومواطن العمرانية ليسوا من الإخوان، بل إن مواطن العمرانية ليبس مسلمًا من الأساس، هذا فضلاً عن أن أي شخصٍ يتعرض للتعذيب هو في النهاية مواطن مصري بصرف النظر عن انتمائه.
![]() |
|
حسين محمد إبراهيم |
وحتى أؤكد كلامي فهناك مشروع قانون قدَّمه النائب حسين محمد إبراهيم لأكثر من أربع دورات برلمانية عن تغليظ العقوبات في قضايا التعذيب ولقي ترحيبًا من داخل المجلس ومن اللجان المختصة، إلا أنه يتم عرقلته كل مرة يتم مناقشته فيها، وهو مشروع قانون يحمي كل المصريين سواء كانوا إخوانًا مسلمين أو غيرهم من الأمة من المسلمين وغير المسلمين.
* تحدثت عن أن مثل هذه التجاوزات تُهدد الأمن الاجتماعي في مصر.. فما الذي تقصده من ذلك؟
** للأسف الشديد لم يعد لدى الأجهزة الأمنية في مصر هَمٌّ إلا تأمين النظام الحاكم ورجاله فقط لا غير، مما غاب بسببه الأمن الاجتماعي في الشوارع والميادين، ولم تعد هناك حرمة خاصة أو آداب عامة، ولعل حوادث التحرش المستمرة التي تحدث في ميادين وشوارع مصر الكبرى مع كل المناسبات يؤكد أن هناك غيابًا واضحًا للشرطة في حماية المواطنين، رغم أنه دورهم الأساسي، ويكفينا عيبًا أن نسمع في ظل الحكومة الالكترونية عن عودة حرامي الغسيل والنشالين والهجامين وقطاع الطريق مرةً أخرى.. فأين رجال الشرطة إذن؟ وأين أمن المواطن الذي أقسم على حفظه هؤلاء؟، وليس هذا فقط، أليس حماية الأسواق من الاحتكار وعدم التلاعب في رغيف الخبز وغيره من واجب الشرطة؟، وأين كانت الشرطة في عملية اختطاف السياح والمصريين من داخل الحدود المصرية؟.
وكما قلت لك إن الشرطة تخلَّت عن دورها في حماية المصريين إلى حماية نظامٍ فَقَدَ صوابه ويتعامل مع شعبه بالكرباج حتى لا يفتح فمه، فهو يقتل الشعب مرةً بسكين الأسعار ومرةً بسوط الجلاد.
كيفية التصدي
* من وجهة نظرك كيف نحل هذه الأزمة ونتصدى لهذه التجاوزات؟
** المسئولية الأولى تقع على كاهل المسئول عن هذه التجاوزات، فلا بد من وجود محاكمة عادلة وعلنية لهؤلاء المجرمين الذين استباحوا دماء الشعب المصري دون وازعٍ من دين أو ضمير، كما أن هناك مسئوليةً تقع على منظمات حقوق الإنسان ومؤسسات المجتمع المدني للتصدي لهذه الانتهاكات، وللإعلام المصري أيضًا دور كبير في فضح هذه التجاوزات وكشفها للمسئولين والرأي العام على حدٍّ سواء، وكنتُ أتمنى أن يتبنى كل كُتَّاب مصر المحترمين قضيةَ حمادة عبد اللطيف ويُقدمها للرأي العام كما يُقدمون قضايا أخرى بعضها قد يكون أقل أهميةً مما حدث مع هذا المواطن، وأؤكد لك أن ما حدث مع حمادة عبد اللطيف تحديدًا رسالة للجميع يجب أن نتعامل معها بحسم.

