- العميد القطري: الدراسات الشرطية سطحية لا تعبِّر إلا عن وجهة نظر مُحاضرها

- اللواء البطران: التعذيب أسلوب منهجي فرضته ممارسات العمل الشرطي

- د. البلتاجي: هذه الجرائم ليست سلوكًا فرديًّا وإنما منهج تحرص عليه الدولة

 

تحقيق- نورا النجار:

شجاعة.. بسالة.. شهامة.. وتفانٍ في أداء الواجب الذي قد يكلفه التضحية بأغلى ما يملك.. كانت هذه هي السمات العامة والأساسية والملامح المميزة لرجل الشرطة في عيون المواطنين؛ الذين كانوا يشعرون بأسمى معاني الأمان إذا ما وجدوا أنفسهم في أزمةٍ ما، وتلفَّتوا ليجدوا حولهم ضابط الشرطة الذي يتفانى بدوره في نجدتهم..

 

إلا أن دوام الحال وللأسف الشديد من المحال؛ فهذه المعاني السامية والصفات النبيلة التي كانت ترسم ملامح رجل الشرطة قديمًا؛ محتْها قسوة الأحداث العنيفة، والتي تعرَّض لها المواطنون على يد بعض رجال الشرطة؛ حتى بات المواطن يخشى مجرد الاقتراب من قسم الشرطة، والذي من المفترض أنه حصن الأمان للمواطنين، بل وأصبح البعض يفضِّل أخْذَ حقه بيديه أو باستئجار (البلطجية)، أو أن يتناسى حقَّه تمامًا؛ خوفًا من اقترابه من رجال الشرطة.

 

فبعد وقائع التعذيب الأخيرة والبشعة، والتي كشفت عن نفسية غير سوية للضباط المرتكبين لها، والذين باتت عندهم مثل هذه الوسائل الإجرامية أسهلَ الطرق لحصد المناصب الرفيعة والترقي في رتبهم العسكرية، وكان آخرها حادثة المواطن حمادة عبد اللطيف الذي أصيب بشلل رباعي بعد تعرُّضه لاعتداءِ نقيبٍ من قوات الشرطة؛ على خلفية أحداث مدرسة الجزيرة بالإسكندرية، وقبلها حادثة عماد الكبير، والذي تم تعذيبه على يد (إسلام نبيه) أحد ضباط الشرطة، والذي حُكِم عليه بالسجن ثلاث سنوات مع الشغل والنفاذ، وبعد كثرة وقائع التعذيب المتكررة، والتي رصدتها آخر الإحصائيات، كاشفةً عن 40 حالة تعذيب عام 2007؛ يُتوفَّى على إثرها 10 أشخاص دون ذنب جنَوه إلا رغبةً واستسهالاً من ضباط الشرطة، وخاصةً ضباط المباحث الجنائية في انتزاع المعلومات من أفراد يغلب الظنُّ ببراءتهم..

 

تحوَّلت أقسام الشرطة والمعتقلات والسجون إلى مجازر بشرية تسيل فيها الدماء بالصعق الكهربي وبانتزاع الأظافر أو بالحرمان من الطعام والشراب، وما خفي كان أعظم، دون رقيب ولا ضابط في تطبيق أحكام القانون الخاصة بهذا الشأن، والتي تصل العقوبة فيها إلى إعدام مرتكبي هذه الجرائم طبقًا للمادة 126.

 

ما سبق أثار حفيظتنا حول معرفة ما يتم تعليمه لرجال الشرطة في الكليات والمعاهد العسكرية، وطبيعة المناهج التي يتم تدريسها للضباط، وهل التعذيب منهج أكاديميٌّ أم ممارسةٌ شاذةٌ لا علاقة لها بطبيعة العمل الأمني؟ وهل تحوَّلت كليات الشرطة إلى أوكارٍ تخرِّج أفرادَ عصابات بدلاً من تخريجها جنودًا يحمون المواطنين بدلاً من إرهابهم؟!

 

تساؤلات عديدة حاول (إخوان أون لاين) الإجابة عنها من خلال آراء المتخصصين في التحقيق التالي:

 

طلاب خام

 الصورة غير متاحة

محمود القطري

بدايةً.. يتحدث محمود القطري (عميد شرطة سابق) عن طبيعة الدراسة في كليات ومعاهد الشرطة قائلاً: "الدراسات الشرطية التي يتم تدريسها للطلاب داخل الكليات دراسات سطحية وتافهة، ولا تتواكب مع تطورات العصر الذي نعيش فيه؛ فالطالب يلتحق بكلية الشرطة بعد الثانوية العامة ليتلقَّى مناهج تافهة لا تفيده في عمله بعد تخرجه بشيء، ولا تعبِّر هذه المناهج إلا عن وجهة نظر مُحاضرها".

 

ويضيف: "المفترض أن يتم الالتحاق بالكلية بعد أن يحصل الفرد على ليسانس الحقوق ليصبح فردًا واعيًا بالأوضاع القانونية الحالية، ويكون أكثر قدرةً على التعامل الأمني الصحيح، ومن ثم يلتحق بالكلية لثقل مهاراته، إلا أن الوزارة ترفض مثل هذا الأمر وتشترط الالتحاق بالثانوية لتضمن أن أفراده (خام) ولم يكوِّنوا أفكارًا معينةً كمعرفتهم بالحرية والديمقراطية والأوضاع الفاسدة المحيطة بهم؛ خشية أن يحاولوا بعد تخرجهم في أكاديميات الشرطة أن يُصلحوا هذه الأوضاع".

 

ويشير إلى أن السلطة الحالية أفسدت الحياة في مصر بكل جوانبها السياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ بما تمارسه من قهر وتزييف إرادات المواطنين وتعمية الحقائق، وسياستها في مناهج كليات الشرطة جزءٌ من هذه السياسة العامة التي تتبعها الدولة لتحقيق مصالحها، أما عن كون منهاج الشرطة تحوي حثًّا على التعذيب أو تدريسًا لوسائله كمنهج؛ فهذا أمر غير صحيح؛ فهي مناهج أكثر تفاهةً من أن نعطيَها هذه القيمة.

 

أوامر عليا

وعن أسباب الممارسات التعذيبية من قِبل ضباط الشرطة يقول القطري: "التعذيب أسلوب منهجي فرضته ممارسات العمل الشرطي على الضباط؛ فالضابط لم يتلقَّ أثناء دراسته ما يفيده في حل الجرائم؛ فالوسيلة الوحيدة المتاحة هي الإتيان بالمشتبه بهم وتعليقهم للحصول على الاعترافات دون استخدام لأي مناهج علمية في التحري والبحث، والتي تجعل البريء في أوقات كثيرة يعترف على نفسه زورًا اتقاءَ للتعذيب؛ فالضابط لا يحمل ضغينةً شخصيةً للمتهم، ولكن الداخلية علَّمته هذا المنهج "يا أنا يا المواطن"، خاصةً ضباط المباحث، وهي الإدارة التي يحلم بها كل شرطي في بداية حياته المهنية، والتي إن لم يستطع حل القضايا الموكلة إليه فيها يعاقَب بالنقل، وبالتالي يختار نفسه؛ لأنه إن لم يفعل "حيروح في داهية" بتعرضه لعقوبات مشددة، والتي أراها من وجهة نظري ظالمة لأفراد لم يتعلموا غير هذه الوسائل من وزارتهم، وهي نفسها التي تحكم عليهم بالعقوبات!.

 

وعن أفضل الحلول المقترحة لهذه الممارسات النازية يقول: "نحتاج إلى (تفجير الشرطة)؛ بمعنى أن يتم إعادة النظر من الجذور إلى كل ما يخص كليات الشرطة ومناهجها، أما المعالجة من فوق السطح فلا جدوى منها؛ فلا بد من إعادة هيكلة جهاز الشرطة بأكمله وتزويد الأفراد في دراستهم بالمناهج العلمية الحديثة التي تساعدهم في أعمالهم بعد التخرج".

 

المناهج بريئة

 الصورة غير متاحة

علاء عبد المنعم

ويعلِّق علاء عبد المنعم عضو مجلس الشعب قائلاً: "أنا خرِّيج كلية الشرطة وحتى نكون منصفين فإن مناهج الكلية لا تعلم الضابط السادية ولا تدرس وسائل التعذيب كنوع من الأسس المنهجية المستخدمة في حل القضايا؛ فالطالب العسكري بعد تخرجه يحمل في عقله علومًا جنائيةً وقانونيةً وغيرها؛ لكن ما يحدث هو اصطدامه بالواقع بعد تخرجه، والذي أصبح فيه العمل الشرطي ملازمًا ورفيقًا دائمًا لمنهج التعذيب الشاذ، والذي يكتسبه من الضباط القدامى والسابقين له في مجال الخدمة.

 

ويكمل قائلاً: طبيعة العمل الأمنية طبيعة قاسية؛ فالضباط يتعاملون مع المجرمين الجنائيين بهذه الوسائل، وهي الأنسب مع بعض الحالات منهم، إلا أن هذا لا يجب حدوثه إلا في أضيق الأحوال ومع الخطرين من الجنائيين، لكن ما يحدث أن الضباط أصبحوا يعمِّمون هذه الوسائل مع المتهمين غير الجنائيين كالمعتقلين السياسيين وحتى من هم خارج أسوار الاعتقال، وهذا خطأ جسيم وجريمة كبيرة؛ فحقوق الإنسان لا بد من احترامها؛ فهي منطقة مقدسة لا يجب الاقتراب منها، وعلى هذه الطريقة تتكرر حوادث التعذيب والتي لا يفضح منها إلا5% من الحالات والباقي لا يعلمه أحد، ولذا لا بد من إعطاء هؤلاء الضباط دوراتٍ تدريبيةً تعمل على تصحيح المفاهيم لديهم اتقاءً لجرائم من الممكن حدوثها فيما بعد.

 

حالات فردية

يتفق معه في الرأي حمدي بطران لواء متقاعد؛ حيث ينفي التهمة عن كليات الشرطة، مؤكدًا أن كليات الشرطة المصرية من أرقى الكليات على مستوى العالم؛ فلا توجد كلية تخرِّج مجرمين ولا رجال عصابات، فما يحدث من جرائم تعذيب هي حالات فردية، وينال من تثبت في حقه من الضباط جزاءً جنائيًّا وتأديبيًّا بالفصل أو النقل؛ فمنهج كليات الشرطة هو منهج ليسانس الحقوق، إضافةً إلى مناهج شرطية وأمنية لتعليم الانضباط وما شابهه.

 

وبسؤاله عن عدم تطبيق العقوبات المقررة في مواد الدستور والخاصة بهذه الجرائم والتي تصل العقوبة فيها إلى الإعدام كما في المادة 126 من قانون العقوبات؛ أجاب: الدستور ليس له علاقة بالأمر! فكل مذنب يعاقَب من قبل الداخلية (ومفيش حد على راسه ريشة)، فلا ينجو أحد من العقاب وكل هذه الجرائم مسئولية فردية لا علاقة لكليات الشرطة بها.

 

وعن صورة الشرطي الحالية في عيون المواطنين أجاب: هناك نوع من النفور بين المواطن وضباط الشرطة لاعتقاد المواطن أنه إذا ما ذهب لقسم الشرطة لأي أزمة تواجهه (مش حيخرج سليم)، وهذه الصورة سببها بوليسية الدولة التي نحيا فيها في مصر؛ حيث تحولت البلاد إلى ثكنات عسكرية وهي صورة أتوقع أن تظل مستمرةً لعشرين عامًا قادمةً حتى تتغير.

 

ممارسة لا منهج
 
 الصورة غير متاحة

د. محمد البلتاجي

إلا أن الدكتور محمد البلتاجي الأمين العام للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب يخالف اللواء بطران في الرأي قائلاً: القضية في جرائم التعذيب قضية انحراف في الممارسة العملية أكثر منها منهجيةً تدرس في كليات الشرطة؛ فالواقع ينطق بحقيقة أن التعذيب البشع الممارس من قِبَل ضباط الشرطة ليس سلوكًا فرديًّا بل هو منهج ممارسة دأبت عليه الدولة في مواجهة الفئات الحرة التي تحاول كشف ما يحدث من جرائم وتعريتها أمام الشعب، وبالتالي توسعت في إعطاء هؤلاء الضباط صلاحيات بلا حدود وبلا رقابة مهنية ولا قضائية كافية لردعهم عن استخدامها في ممارسات شاذة كجرائم التعذيب التي كثرت في الآونة الأخيرة؛ فلا محاسبة قضائية فاعلة لمثل هؤلاء فقد منحتهم الدولة (كروت على بياض) دون استشعار للمسئولية ولما يمكن أن تسببه مثل هذه الصلاحيات اللا متناهية من فساد.

 

وعن رأيه في العقوبات الموقَّعة على من تمت محاكمتهم في مثل هذه الجرائم قال البلتاجي إن العقوبات غير كافية على الإطلاق لا كمًّا ولا كيفًا، خاصةً مع ما يمارسه هؤلاء المجرمون من وسائل ملتوية للإفلات من هذه العقوبات، وبالتالي لا بد من العمل على إصدار قوانين أكثر قوةً من الموجودة حاليًّا لتغليظ العقوبة، وهذا ما نحاول مع زملاء الكتلة البرلمانية تنفيذه، إلا أنه وللأسف الشديد لا تُدرَج هذه المشروعات في جدول أعمال المجلس ولا يلتفت إليها.

 

ويختم د. البلتاجي حديثه بوصية إلى الأحرار في مصر قائلاً: لا بد من الاستعداد لتقديم المزيد من التضحيات من أجل كشف هذه الجرائم وفضح مرتكبيها بالأسماء والصور وتفعيل دور مؤسسات حقوق الإنسان في مطاردة هذه الجرائم حتى يتم استئصالها عن بكرة أبيها.