- الجريمة سياسة عامة للداخلية وليست حالات فردية

- "الضباط" يشعرون أنهم فوق القانون والمجتمع!

- مطلوب قوانين رادعة لمنع التعذيب ومعاقبة الجناة

 

تحقيق- خالد جمال:

رغم آلاف قضايا التعذيب المرفوعة أمام القضاء المصري ضد وزارة الداخلية وأضعافها المسجَّلة بملفات حقوق الإنسان ضد أفراد الأمن بها، إلا أن المتحدث باسم لاظوغلي ما زال يردد عبارته الأثيرة أن مواد التعذيب التي تملأ مختلف وسائل الإعلام لا تتعدى كونها "حالات فردية"، مفنِّدًا قرائن الحقوقيين التي تؤكد أنها باتت منهجًا أصيلاً؛ تقرِّره الداخلية على أبنائها وتُطلق أيديَهم في تطبيقه على تعساء الحظ ممن أجبرته الظروف على التعامل معهم.

 

مجالس حقوق الإنسان تؤكد من واقع أقوال الضحايا أن مادة التعذيب ربما تكون هي الأحب إلى قلوب ضباط وأفراد الأمن بالداخلية، وأن الإقبال على تعلمها هو الأكبر منذ رسمها كبار قيادات لاظوغلي لصغارها؛ ما يتضح من اللذة العجيبة التي يمارس بها أفراد الأمن عمليات التعذيب على الضحايا من الشعب المصري.

 

ربما لم يكن سحل "حمادة عبد اللطيف" وقتل ابنة مدينة سمالوط وغيرهما من الحالات التي لم تَرَ الشمس بعدُ، أول الضحايا ولا آخرها بالطبع، إلا أن المتغير ربما يكون في انطباعات أبناء الشعب الذين ضجُّوا من كوارث الحكومة وخطايا الداخلية.

 

(ع. د)

(ع. د) شاب مصري.. أغلب الظن أن وجهه لن يلفت نظرك لو مررت به في أحد شوارع القاهرة، إلا لو سبرت أغوار هذا الحزن الذي يطل من عينيه لترى سر تجربته الشخصية التي ذاق فيها الأمرَّين من بطش رجال الأمن به، والتي يقول عنها: "سبق أن حُكم عليَّ بالسجن 3 سنوات، ومنذ خروجي من السجن وأنا أعاني من اضطهاد الشرطة لإجباري على العمل معهم كمرشد، ولمَّا رفضت ذلك قادوني إلى السجن وقاموا بتعذيبي، فعلقوني من قدمي مع إجباري على حمل أنبوبة بوتاجاز وأنا على هذا الوضع، كما قاموا بتوثيقي من يدي مدة طويلة عكس اتجاه المفصل حتى حدث لي خلع في المفصل.

 

ويواصل بصوت تملؤه المرارة: "ضربوني في أماكن حساسة، وأحضروا أبى أمامي وأهانوه وضربوه في بطنه بالرغم من أنه رجل كبير السن".

 

ويضيف (ع. د): "لقد رفعت قضية رد اعتبار وكسبتها وحصلت على شهادة حسن سير وسلوك، ورغم أني أصبحت مواطنًا شريفًا إلا أن كل ذلك لم يشفع لي، واستمر إحضاري وتعذيبي دون سبب، فأرسلت شكاوى كثيرة إلى وزير الداخلية والنائب العام ورئيس الجمهورية ولكن دون فائدة، ولمَّا يئست من ذلك تركت بيت أهلي الذي أسكن به أنا وأولادي وانتقلت للعيش في مكان آخر؛ هربًا من بطش الأمن بنا".

 

الأمن والأمان!!

يقول محمود محمد صاحب مكتبة: "سمعت كثيرًا عن حالات تعذيب في أقسام الشرطة، كما رأيت العديد من لقطات الفيديو التي تحتوي على هذه المشاهد المؤلمة، وعندما أتعرض لهذه المشاهد أشعر بألم شديد وأتأكد أن مصر فعلاً بلد الأمن والأمان!!".

 

ويضيف: "الشباب الآن يخافون من الوجود في الشارع ليلاً؛ فأمناء الشرطة ينزلون إلى الشوارع لـ(تقليب عيشهم) من جيوب الشباب دون أي سبب، ولا أحد يستطيع الاعتراض على هذه التصرفات؛ لأن من يعترض يعرف ماذا سيحدث له، فيقوم الشاب بإخراج ما لديه من أموال للأمين حتى يرحل عنه".

 

ويتعجب قائلاً: "المفروض أن الشرطة وُجدت لحمايتنا والحفاظ على أمن البلد، ولكن في مصر هم موجودون لإرعاب الناس وإرهابهم وليس لحمايتهم"!!.

 

"الحشيش" رشوة!!

ولتوضيح الفساد والظلم الذي تمارسه الشرطة يقول محمود: "حضرت بنفسي كتابة محضر؛ فقد قام أهل المجني عليه بإعطاء أمين الشرطة الذي يكتب المحضر بعض الأموال و(الحشيش) حتى يكتب المحضر بطريقة معينة مخالفة لما حدث ليحصلوا على تعويض كبير، وقد تم لهم ما أرادوه".

 

وفي نفس الإطار يقول أسامة سعد طالب: "رأيت حالات تعذيب كثيرة على الإنترنت وما تحتويه من ضرب وإهانة وشتائم فحزنت بشدة وسألت نفسي: هل هذا يحدث في مصر البلد الإسلامي؟! وفى رأيي أن الضابط الذي يقوم بالتعذيب لا بد أن يكون لديه مشكلة نفسية أو عقدة من شيء ما تدفعه إلى القيام بهذه الأفعال الشاذة".

 

وبمثال صريح يبيِّن أسامة مدى التعالي والتبجح الذي يتعامل بهما ضابط الشرطة في الشارع فيقول: "صديقي طالبٌ في كلية الشرطة يفعل ما يحلو له بسيارته ويخالف جميع القوانين والأعراف؛ ليس لأنه ضابط شرطة، ولكن لمجرد أنه يحمل "كارنيه" كلية الشرطة؛ ففي إحدى المرات اصطحب معه بعض أصدقائه في سيارته يتناولون المخدرات علانيةً في الطريق، وعندما أوقفه أمين الشرطة انهال عليه صديقي بأفظع الشتائم والألفاظ وقال له: "إنت أعمى؟!" مُبرزًا له كارنيه كلية الشرطة فتركه الأمين ينصرف بسلام"!!.

 

السلبية

ويؤكد حمدي سيد (مهندس ميكانيكا) أن السبب الرئيسي في انتشار ظاهرة التعذيب في أقسام الشرطة هو السلبية واللا مبالاة اللتان أصابتا الشعب المصري الذي أصبح ساكتًا عما يحدث له من أفراد الداخلية التي لا تراعي حرمة ولا إنسانية".

 

ويوضح حمدي أسباب هذه السلبية فيقول: "البعد عن الإسلام وأحكام الدين التي تنهى عن ذلك هو السبب؛ فيجب علينا أولاً تلمس أحكام ديننا والالتزام بها؛ كلُّ فرد على حدة، فيصبح المجتمع ملتزمًا، وبالتالي تختفي هذه الظاهرة وكل الظواهر السلبية الأخرى الدخيلة على الشعب المصري المتدين".

 

"حريم" الداخلية

 الصورة غير متاحة

 أحد ضحايا زبانية التعذيب في أقسام الشرطة

ويبدو أن التعذيب لم يقف عند حدود ممارسته ضد الرجال، بل تعدَّى ذلك إلى تعرُّض العديد من النساء إلى حالات مشابهة لما سبق، ومن هذه الحالات تقول أم سندس: "في أحد الانتخابات كان معي توكيل لأحد المرشحين، وحضرت سيدةٌ تريد أن تصوِّت دون إثبات شخصية فرفضتُ ذلك منعًا للتزوير، وحدث بيننا مشاجرة ضربتني فيها وسبتني بألفاظ جارحة للحياء".

 

وتكمل: "فما كان من الضابط إلا أن اصطحبنا إلى قسم الشرطة، وهناك وَضَحت لي الرؤيا تمامًا من أسلوب حديثها معهم، فاتهمتني بسرقة سلسلة ذهب و300 جنيه، ثم وضعونا في غرفة منفردة أنا وهي فقط؛ حيث تكررت المأساة التي حدثت في اللجنة من ضرب وإهانة وأشياء أخرى"!!.

 

وواصلت الحديث قائلةً: "صرخت بصوت عالٍ لعل أحدًا يغيثني حتى سمعت اسمي يتردد خارج الغرفة فناديت عليه، وكان المحامي بصحبة المرشح الذي كنت وكيلته، والحمد لله خرجت من قسم الشرطة بعد يوم كامل من الذل والإهانة بذكريات سيئة ومريرة".

 

ظننت هنا أن الحديث مع أم سندس قد انتهى، ولكنها أدهشتني بمفاجأة من العيار الثقيل، وقالت: "بعد فترة غير بعيدة مما حدث شاء الله أن أقابل هذه السيدة مرة أخرى فسألتها: لِمَ فعلت ذلك بي؟ فقالت إن زوجها مسجَّل خطرًا والحكومة هي التي قالت لها أن تفعل ذلك معي أنا بالذات، واعتذرت لي وقالت إنها يوم الانتخابات تركت ابنتها حديثة الولادة استجابةً لأوامر الشرطة، وإلا سيحدث لها ولزوجها ما لا يُحمد عقباه".

 

حالة نفسية

وتقول أم أنس (ربة منزل) إنها تسمع أن ضباط الشرطة والأمناء يضربون ويعذبون الناس في أقسام الشرطة قبل محاكمتهم أو إثبات التهم عليهم، وتؤكد أن الضباط يفعلون ذلك لأن الداخلية تعطي لهم الأمان وتقول لهم إن الشعب لا يساوي شيئًا وتوجه إليهم رسالة مفادها "افعلوا ما شئتم ولا تخافوا".

 

وترى أن الضباط الذين يقومون بتعذيب المواطنين متكبرون ويعانون من حالة نفسية سيئة وكبت يقومون بإخراجه في الناس دون مراعاة لأي شيء؛ فهو إنسان عنده مركب نقص؛ يرى الناس أقل منه ويريد الانتقام منهم نتيجة تربيته على العنف في الكلية.

 

وتضيف أم أنس: "لا بد أن تكون هناك وقفة من المؤسسات المعنية وجمعيات حقوق الإنسان للرقابة على هؤلاء الضباط لمنعهم من ذلك".

 

الحاجة أم أحمد (ربة منزل) تقول: "الضابط يتعامل مع الناس وكأنهم عبيد؛ فقد حدث أمامي أن قام أحد الضباط بضرب بائع متجول بـ(الشومة) وسبه بألفاظ بذيئة والرجل يستغيث بمن حوله؛ فهم يأكلون الحرام دون خوف من الله، وهذا هو الظلم بعينه".

 

وتؤكد أن ضابط الشرطة في نظرها ما هو إلا "حرامي"؛ يقوم بسرقة الناس والاعتداء عليهم، ويجب أن يتحقق العدل ومحاربة الظلم الذي انتشر في المجتمع.

 

أما أحمد عبده (طالب) فيقول إن التعذيب في أقسام الشرطة يعتبر وحشيةً وهمجيةً من الدرجة الأولى وسلبًا للإنسانية ولأبسط حقوق البشر، ويجري بواسطة أفراد الأمن ممن يحملون مركبات نقص لذواتهم الداخلية.

 

ويضيف أحمد أن ضابط أو أمين الشرطة في نظره ما هو إلا "سجان" للمواطنين وليس في خدمتهم كما يقولون، ويفعل ذلك لأنه يعلم أن أحدًا لن يحاسبه.

 

ويحكي محمد عبد اللاه (مندوب تسويق) عن المشاهد التي رآها عبر الإنترنت وفي قناة (الجزيرة) عن التعذيب الذي يحدث في أقسام الشرطة، ويعبِر عن مدى القسوة والجبروت الذي يتمتع به هؤلاء في تعاملهم مع البشر.

 

معايير أخلاقية

 الصورة غير متاحة

نداء عاجل.. أنقذوا المواطنين من التعذيب في أقسام الشرطة

ويقترح محمد أن توضع معايير أخلاقية معينة عند اختيار طالب الشرطة والتركيز على الوازع الديني وتعليم حقوق الإنسان في كليات الشرطة وإقامة دورات خاصة بذلك للضباط والأمناء.

 

ويَروي محمد زكي (طالب) حوارًا دار بينه وبين أحد أمناء الشرطة؛ حيث قال له الأخير: "ماذا أستفيد من سَجن "الحرامي" أو المجرم؟! نحن نأخذ منه "حتة الحشيش" و20 جنيهًا ونتركه يذهب ونستفيد بالمال والحشيش"!!.

 

ويضيف محمد: "لقد أصبحت أكره كل من ينتمي إلى الشرطة وأشعر أن بيني وبينهم "ثأرًا" وعداوة؛ فهو يستغل سلطته في إذلالي وسرقة حقوقي.

 

في حين يرى إبراهيم عبد العال أن حل هذه المشكلة يكمن في وضع قوانين رادعة لمن يثبت عليه القيام بمثل هذه الأفعال المشينة التي تسيء إلى الإنسانية وإلى الدين.

 

ويتعجب إبراهيم متسائلاً: "ما الذي استفاده ضابط مثل إسلام نبيه عندما أهان عماد الكبير وفعل ما فعله؟!"، ولكن انتقم الله منه وفضحه حتى يكون عبرة لمن يعتبر.

 

أما عمرو حسين (محامٍ) فيرى أن التعذيب في مصر أصبح سياسة عامة للداخلية، ولم يقتصر على الحالات الفردية كما في السابق؛ فهي أوامر سلطات عليا.

 

ويضيف: "أرى ضابط الشرطة "بلطجيًّا" أو "فتوة"؛ لا يستطيع أحد الاقتراب منه أو حتى التحدث معه"، ولفت النظر إلى الألم النفسي الذي يصاحب من يتعرض للتعذيب طوال عمره ويؤثر في حياته ومستقبله.

 

إنسان

فيما أكد "س. س" (طبيب) أن المحقق في القضايا السياسية أو الجنائية يتعامل مع من يحقق معهم بأساليب غير إنسانية؛ مما يسبب له إيذاءً نفسيًّا شديدًا، بالإضافة إلى الألم البدني الرهيب، ومن أمثلة ذلك عَصْب العينين لفترة طويلة تصل إلى ساعات طوال أثناء التحقيق، والضرب في أماكن حساسة، فلا يدري المضروب من أين تأتيه الضربة.

 

ويشدد على ضرورة إبلاغ منظمات حقوق الإنسان والجمعيات المعنية بذلك بمجرد رؤية أو معرفة مثل هذه الحالات، كما يجب التقدم بشكاوى إلى جهات ومؤسسات، مثل التفتيش القضائي بوزارة الداخلية، والنائب العام، ورئاسة الجمهورية؛ للضرب بيد من حديد على المخالفين؛ ليُعطَى كلُّ ذي حق حقَّه.

 

وتقول أم سعيد (ربة منزل) بصوتٍ تملؤه الحسرة: "حسبي الله ونعم الوكيل فيهم من أعمالهم الوحشية التي لا يقوم بها بشر سوى من ليس عندهم قلب ولا رحمة ولا ينفع أن نسميَهم بشرًا، بل أعدهم شياطين؛ فهم ليس عليهم رقيب لا ضمير يجعلهم على يقين أنهم سيحاسبون على ذلك، ولا رؤساء يحاسبونهم؛ فالحل في ذلك هو أن ترحل عنا تلك الحكومة التي جلبت علينا المصائب والكوارث".

 

وتتفق معها مروة محمود (نظم معلومات) فتؤكد أن الحكومة الظالمة هي السبب الرئيسي فيما يعاني منه الشعب المصري، ولن تتغير الأوضاع السيئة إلا برحيلها.

 

وتضيف نورا عبد الرحمن (طالبة) أنها تعرف شخصًا كان على قدر كبير من الالتزام والتدين، فقام الأمن باعتقاله مدة طويلة؛ مارسوا عليه فيها أشد ألوان التعذيب والتنكيل، وكان شرط الإفراج عنه أن يعمل معهم "مرشدًا" فاستجاب مضطرًّا لكي يخرج من دوامة العذاب التي وضعوه فيها.