رغم الهزيمة إلا أن لقطةً في المشهد كانت أروع ما يكون..
نقاش غاية في الأهمية والقوة والخطورة بين الرسول صلى لله عليه وسلم وبين الصحابة رضوان الله عليهم؛ حول كيفية لقاء المشركين القادمين من مكة للانتقام مما حدث لهم ولأهلهم في بدر، هل سيحاربون من موقعهم في المدينة للتحصن بها أم يخرجون لملاقاتهم خارج المدينة؟!
يرى الرسول أن البقاء بالمدينة أفضل؛ بينما ترى الأغلبية أن الخروج أكثر جرأةً وهيبةً وعاملٌ كبيرٌ من عوامل من عوامل النصر.
وينزل الرسول، وهو النبي المرسل، على رأي الأغلبية؛ إقرارًا لمبدأ الشورى كدعامة من دعامات الدولة الإسلامية، وكوسيلة سليمة لاتخاذ قرار يتحمَّس له الجميع ويتحملون تبعاته أيًّا كانت.
وعند جبل "أحد" يُهزَم المسلمون بعد استشهاد سبعين من الصحابة؛ بينهم حمزة بن عبد المطلب، ويصاب الرسول، وتغطي الكآبة المشهد كله، ويضرب الحزن القلوب في العمق، ويتمكن الألم والإحباط من الجميع، ويرسل الندم رسالته إلى أصحاب الرأي بالخروج من المدينة لملاقاة المشركين.
إلا أن نسائم هبَّت من السماء، لتخفف الحزن وتداوي الألم وتربت على أكتاف المسلمين، وتدعو الرسول إلى استكمال ما بدأ.. (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) (آل عمران: 159).
يا للروعة!! في أحلك لحظات الهزيمة، وفي الوقت الذي يهمس الشيطان في أذن المسلمين في لحظة ضعف شديدة؛ بأن الهزيمة ربما كان أحد أسبابها الشورى نفسها؛ تنزل الآيات لتؤكد مبدأ الشورى من جديد، لتقطع أي تهاون أو أية شبهة ندم في اتباع المنهج السليم لتأسيس الدولة الإسلامية الناشئة، مهما كانت العواقب.
ربانية الشورى
وروعة الشورى أنها تستمد قوتها من ربانيتها؛ فهي تمزج بين تعاليم السماء التي لا يأتيها الباطل، فترسم حدود التفكير واتخاذ القرارات بأطر الشرع الحكيم، وبين حرية اختيار البشر وإعمال عقلهم في اختيار القرار الأصلح والأصوب من وجهة نظر الأغلبية.
من هنا كانت الشورى بالنسبة للعمل الدعوي مصباحًا ينير ظلمة طريق طويل، تاهَ فيه من تاه، وتعثَّر فيه من تعثَّر، فتسير الدعوة وهو يرى بنور الله، فلا تسلك مسلكًا جانبيًّا خاطئًا يهدر وقتها وجهدها، ويسير أصحاب الدعوة فيه بحماس وهمة، بعد أن أعطاهم الإسلام قيمة احترام أنفسهم وعقولهم، بإقرار حقهم في الاختيار واتخاذ القرار وتحمُّل المسئولية.
إنها بالفعل معادلة غاية في الجمال، لو نجح الدعاة في تطبيقها بصدق وإخلاص لحقَّقت الدعوة قفزات وقفزات نحو آمال عريضة ما زلنا ننظر إليها من بعيد في شوق وشغف.
تطبيق الشورى
تمثِّل الشورى عاملاً مهمًّا وأساسيًّا في تقدم أي عمل أيًّا كان، ومنه العمل الدعوي بالتأكيد، ويؤدي عدم إرساء قواعدها وتفعيل هذه القواعد في أي عمل إلى اتجاه هذا العمل إلى نهايته؛ لأنه قد حكم عليه بالفشل من البداية.
فتطبيق الشورى يفجِّر الطاقات في نفوس أفراد العمل؛ لأن الشورى نظام يدعو إلى إبداء حرية الرأي واحترامه أيًّا كان، ونقاشه باهتمام، والسعي إلى تطبيقه إذا رأت الأغلبية أنه مفيد للعمل، وهو أسلوب يدفع أفراد العمل إلى الابتكار والإبداع، ويفجِّر فيهم الحماس، ويُشعرهم بقيمة الجهد وسعادة الإنجاز، إنه نظام يرفع قدر الإنسان ويُشعره بذاته وقدرته على الفعل والحركة والتغيير، وكل هذا بالطبع يعود على العمل الدعوي بالنفع ويدفعه قدمًا إلى الأمام.
وعلى العكس تمامًا، فإن إهمال نظام الشورى في العمل الدعوي واستبدال نظام الأوامر وحتمية التنفيذ دون نقاش، وترديد جمل مستفزة من نوعية "أنتم ما زلتم صغارًا، أو أنني أفهم أكثر منكم، أو أنكم لا تعرفون مصلحة العمل"؛ هو نظام يحول أفراد العمل الدعوي إلى آلات لا تفكر ولا تبدع، ويصنع منهم أجهزة استقبال حساسة، ويعطِّل فيهم أجهزة الإرسال؛ فلا تستطيع أن ترسل إشارة واحدة، وهو أمر يخنق العمل الدعوي، ويجعله يسير بفكر فرد واحد.. يسير إذا سار، ويتوقف إذا توقف، ويحوِّل العمل الدعوي إلى عمل روتيني مملّ بلا إبداع أو قدرة على مواجهة المحن ومعالجة المتغيرات.
الداعية وتطبيق الشورى
لن يستطيع الداعية في إدارته لأي عمل دعوي أن يطبق منهج الشورى الذي فرضه الإسلام، إلا إذا كان يتمتع بصفات ومهارات أساسية، وبدونها سيفشل في تطبيق الشورى، وسيتجه معه العمل إلى الفشل لا محالة، هذه الصفات والمهارات هي:
1- احترام الرأي الآخر ونقاشه بجدية وتفعيله، وعدم الاستهانة بأي رأي أو اقتراح؛ مهما كان غريبًا.
2- قبول النقد.
3- القدرة على الحوار بأسلوب هادئ ومتزن ومقنع.
4- الثقة والتمكن من فنيات العمل للرد بصورة مقنعة عن أي تساؤلات أو استفسارات أو انتقادات.
5- شجاعة الاعتراف بالخطأ.
6- شجاعة الالتزام بنتيجة الشورى؛ حتى وإن كانت ضد رأيه ومهما كانت العواقب.
إن نظام الشورى نعمة من نعم الإسلام التي لا تُحصى، والتي وهبها الله للمسلمين كسر من أسرر النجاح في حياتهم، وليس علينا إلا أن نشكر نعمة الله، بتفعيلها في حياتنا.. ودعوتنا.
--------