"الأسهم في الإيد.. إنت مالك ومستفيد.. والربح مضمون وأكيد".. إعلانٌ تردَّدت صيغته بصورة متكررة في الأشهر القليلة الماضية على العديد من القنوات الحكومية والفضائية الجالبة للربح؛ دفعًا للبسطاء والمستثمرين إلى استثمار أموالهم وممتلكاتهم في أسهم البورصة المصرية، والتي شهدت انهيارات متتالية؛ آخرها يوم الخميس الماضي؛ حيث خسر المؤشر العام للبورصة المصرية 1162 نقطة بنسبة 16.4%، وهي أكبر نسبة هبوط في تاريخ البورصة، وهو ما وصفه الخبراء بـ"السقوط الأكبر" الذي تشهد فيه الأسهم تدني قيمتها عن تقييماتها الفعلية.

 

الغريب في الأمر أنه في ظل حالة الانحدار والتخبُّط التي تعيشها البورصة المصرية والخسارة المتتالية نتيجة الانخفاض في مؤشرها العام؛ تتوالى إعلانات البورصة الموحية بضمان ربحية التعامل بها وتصوير الاستثمار فيها بأنه فرصة ذهبية؛ على المستثمر ألا يفوِّتها، وهو ما يضع هيئة سوق المال في قفص الاتهام والنصب على البسطاء وغير العارفين بخبايا البورصة من أجل استغلال أموالهم لتعويض خسارة كبار المستثمرين.

 

(إخوان أون لاين) حاول رصد آراء الخبراء والمتخصصين في ظاهرة هذه الإعلانات؛ في محاولةٍ للإجابة عن تساؤلات دارت في خلَد الكثيرين والمتابعين لأخبار البورصة، وأولئك الذين ساروا وراء الوهم الذي باعته لهم هذه الإعلانات.

 

ما يثير الريبة والشك في هذه الإعلانات أن أصحابها مجهولو الهوية، خاصةً بعد أن نفت هيئة سوق المال نفيًا قاطعًا صلتَها بهذه الإعلانات، وهو ما يطرح تساؤلات عديدة؛ منها: ما هو الهدف من هذه الإعلانات؟ وهل هي وسيلة طبيعية للترويج لسوق البورصة؟ أم أداة مبتدَعة من قِبَل الدولة لاستغلال أموال البسطاء؟ وهل هناك كبار يحرِّكون هذه الإعلانات من أجل مصالحهم الشخصية؟ أم أن هذه تخيلات لا أساس لها من الصحة؟!

 

خداع ونصب

 الصورة غير متاحة

 د. حمدي حسن

بدايةً يؤكد الدكتور حمدي حسن عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وصاحب السؤال البرلماني المقدَّم مؤخرًا عن هذه الإعلانات أن الحكومة هي المسئولة عن هذه الظاهرة، قائلاً: "إن التلفزيون المصري يُعلن عن إعلانات حول أهمية الاستثمار في البورصة وضمان ربحية التعامل بها، وأن الاستثمار في أسهمها آمنٌ لا خطورةَ فيه، ثم يُفاجَأ المستثمرون بعد ذلك والذين دخلوا البورصة بسبب هذه الإعلانات بخسائر وانهيارات في هذه البورصة الآمنة مضمونة الربح بعد ذلك، وبالتالي فإن هذا نوع من الغش والخداع تمارسه الدولة من أجل استغلال أموال غير العارفين بأحوال البورصة وتقلباتها، فلا يوجد في عالم البورصة ما يسمَّى بالأسهم المضمونة أو الآمنة"، مؤكدًا أن هذا كله كذب وتدليس.

 

ويضيف: "لا توجد بورصة في العالم تعتمد على مثل هذا النوع من الإعلانات الترويجية لدفع المستثمرين في بورصتها، بل تعتمد على قوى العرض والطلب؛ فالبورصة انهارت بشكل كبير في الآونة الأخيرة؛ حيث بلغت خسائر العالم العربي في يوم واحد 150 مليارًا من الدولارات، وما زالت الدولة تنهب الشعب وتستغله بمثل هذه الإعلانات المضلِّلة ومجهولة الهوية، والتي لا يدري أحد إلى الآن مَن وراءها، على الرغم من أنها تُعرَض على قنوات حكومية، إذن فالمفترض بالدولة معرفة مموِّليها، خاصةً بعد نفي إدارة البورصة المصرية صلتها بهذه الإعلانات، وهو ما يثير الشبهات حول طبيعتها والهدف من ورائها.

 

غياب التوعية

 الصورة غير متاحة

د. حمدي عبد العظيم

يخالفه في الرأي الدكتور حمدي عبد العظيم رئيس أكاديمية السادات للعلوم الإدارية سابقًا، قائلاً: "الإعلانات بصفة عامة وسيلة مشروعة للترويج لسوق البورصة المصرية، وهي طريقة قاصرة على مصر دون غيرها من الدول؛ فهي تدفع المستثمرين إلى شراء الأسهم وتحريك أسواق البورصة".

 

ويضيف أن الاعتراض على قضية هذه الإعلانات يتمثل في أمرين:

الأول أن توقيت عرض هذه الإعلانات توقيت خاطئ؛ فالبورصة في تدهور مستمر وانخفاض متكرر، وبالتالي تُخلِّف أزمات اقتصادية لا يستوجب معها نشر أو ترويج هذه الإعلانات في مثل هذه الفترة الحرجة، والتي تحمل في طياتها خسارة ومغامرة بأموال المستثمرين.

 

الثاني: أن طريقة عرض هذه الإعلانات بها نوعٌ من التضليل والغرر؛ حيث تؤكد ضمان ربحية أسهم البورصة دون توضيح لأنسب أوقات الشراء والبيع للأسهم من قِبل المشتري أو البائع، وبالتالي يوجد بها تعمية وغرر لغير المتخصصين في البورصة؛ مما يعرِّض أموالهم لخسارة كبيرة.

 

ويكمل حديثه قائلاً: "إذا ما كنا نقر بشرعية هذه الإعلانات إلا أنه وفي نفس الوقت يجب على الدولة أن تقوم بتوعية المستثمرين، عن طريق تعريفهم بأن أنسب وقت للشراء هو وقت الانخفاض؛ لأن سعر الأسهم يكون قليلاً في قيمته المادية، أما البيع في هذا الوقت فلا، وهي أبسط أنواع المعلومات التي يجب أن تحملها هذه الإعلانات بدلاً من الترويج المبهم، والذي يعرِّض أموال المستثمرين للضياع".

 

وبسؤاله عن الجهة المتبنية لهذه الإعلانات أجاب: "بالطبع أولى الفئات الممولة لهذه الإعلانات هي فئة رجال الأعمال والمالكين للنصيب الأكبر من الأسهم في البورصة المصرية؛ فهم يمتلكون شركات "سنفرة" وأوراق مالية، وهم أصحاب المصلحة الأولى في الترويج لأسهمهم داخل البورصة".

 

فيلم كارتون

يوافقه الرأي حنفي عوض خبير أسواق المال قائلاً: "حقيقةً وللمرة الأولى التي أستمع فيها إلى أن الإعلانات الترويحية لسوق البورصة لها شأن في انخفاض الأسهم أو ارتفاعها.. فإن هذه الإعلانات الهدف الرئيسي منها هو التشجيع على الاستثمار داخل البورصة، وهذا لا شيء فيه، ولكن التعليق الوحيد على هذه الظاهرة هو أن توقيت هذه الإعلانات غير مناسب الآن؛ لأن (البيت بيولع) والبورصة في انهيار متتالٍ، وبالطبع توقيت مثل هذه الإعلانات غير مناسب على الإطلاق".

 

ويضيف: "البورصة المصرية تتعرَّض لتخبطات خارجية قوية جدًّا، إضافةً إلى المشكلات الداخلية في البلاد وتعامل الحكومة معها بمنتهى اللا مبالاة والإهمال، وكأن الحكومة لا علاقة لها بنا؛ فمع الانهيارات الأخيرة في سوق البورصة المصرية لم يخرج مسئول واحد للرد أو التفسير.. كل ما حدث هو طمأنة من وزير التجارة والصناعة رشيد محمد رشيد، والذي- ومع احترامي لشخصه- لا علاقة له بالبورصة من قريب ولا بعيد؛ فالبورصة مسئولية محمود محيي الدين وليست مسئولية الوزير، وهذا خلاف ما يحدث في الدول المحترمة".

 

ويستطرد قائلاً: "الدولة تتعامل معنا وكأننا "شعب تاني" ليس لها علاقة به، وهذا شيء محزن جدًّا؛ فالمنوط بالدولة كراعية لاقتصاد البلاد ومصالحها أن تقوم بدراسات مكثَّفة لعوامل الانهيارات الأخيرة في البورصة وطمأنة الشعب لا المستثمرين فقط؛ لأن عائد البورصة يتأثر به كل المواطنين دون استثناء، كما عليها البحث عن حلول للأزمة، سواءٌ عن كطريق ضخ سيولة في الأسواق أو غير ذلك من الحلول التي يخرجها المتخصصون بهذا المجال، إلا أن الحكومة تنظر إلى الكارثة (وكأنهم بيتفرجوا على فيلم كارتون)!".

 

طعم الحيتان

 الصورة غير متاحة

ممدوح الولي

يتناول الظاهرة بصورة أكثر تفصيلاً ممدوح الولي الخبير الاقتصادي والصحفي بـ(الأهرام) قائلاً: "بدايةً.. أقول إن البورصة وسيلة للتمويل المتوسط والطويل الأجل، وهو أمر مطلوب إلى جانب البنوك، والتي توفِّر التمويل قصير الأجل، إلا أن البورصة نوعان أو سوقان:

 

الأول: سوق الإصدار، وهو المعني بإنشاء شركات جديدة أو زيادة رءوس الأموال القائمة للتوسع أو إقراض بعض الشركات الخاصة أو الحكومية من خلال طرح سندات، وهذا هو النوع الأهم؛ فهو الذي يوفر التمويل وفرص عمل وإنتاج السلع والخدمات، وبالتالي يضيف كثيرًا إلى الناتج الإجمالي للبلاد.

 

الثاني: هو سوق التداول أو ما يُعرف لدى العامة بـ"البورصة"، وهو لا يضيف إلى الناتج الإجمالي للبلاد أية قيمة؛ بل يمثل وسيلةً للخروج من التعاملات في سوق الإصدار للراغبين في ذلك، ودليلي على ذلك هو أن قيمة التداولات زادت إلى 363 مليارًا من الجنيهات، ولم يَسْتَفِدْ منها الناتج الإجمالي شيئًا، وبالتالي وفي ظل معاناة مصر من عجز تجاري وبطالة وفقر يجب عليها الاهتمام بسوق الإصدار لزيادة الخدمات والسلع.

 

وعن ظاهرة الإعلانات يقول: أما ما ظهر مؤخرًا من عبارات إعلانية على القنوات الحكومية والفضائية للحثِّ على الاستثمار في البورصة فهو نوعٌ من التحايل والخداع يستخدمه "الحيتان" المسيطرون على البورصة لتحقيق ثروات ضخمة؛ فهم يعتبرون أموال المستثمرين الصغار كنزًا ثمينًا ومهمًّا لتحقيق مآربهم، وهذا أمر في غاية الخطورة؛ فالكبار يدفعون الصغار إلى استثمار أموالهم في البورصة؛ مما يؤدي إلى هجرة هؤلاء المستثمرين لأعمالهم الحقيقية، والتي تفيد البلاد.

 

وأذكر أنه وأثناء عرض أسهم الشركة المصرية للاتصالات للبيع تم تشجيع المزارعين وتجار الماشية عن طريق الإعلانات على بيع أراضيهم وممتلكاتهم لشراء هذه الأسهم؛ سعيًا وراء أرباح غير معلومة المصير، وكانت هذه الفعلة طامةً كبرى أضرَّت بالإنتاج الزراعي بشده في هذه الفترة.

 

يكمل حديثه قائلاً: "العالم كله يتفق على قاعدة واحدة في مجال البورصة؛ وهي أن صغار المستثمرين لا يزجُّون بأنفسهم أبدًا بصورة مباشرة في البورصة وتعاملاتها، بل يتم تعاملهم من خلال صناديق الاستثمار التي يعمل بها متخصِّصون على درجة عالية من الكفاءة للتعامل نيابةً عن المستثمرين الصغار؛ وذلك لأن التعامل في البورصة يستلزم خبرةً ودرايةً لا تتوفران إلا للمتخصصين، وهذه الطريقة تحمي أموال هؤلاء المستثمرين من الضياع، أما ما يحدث في مصر فهو (جريمةٌ كبرى وتهريج)".

 

ويختتم حديثه قائلاً: "على الدولة الاهتمام بالسوق العيني لزيادة إنتاج السلع والخدمات بدلاً من الزجِّ بصغار المستثمرين كطُعمٍ للحيتان الكبار لتحقيق مآربهم؛ الأمر الذي يضرُّ في النهاية باقتصاديات البلاد ضررًا كبيرًا".