هو أقرب ما يكون إليك أبًا وجدًّا حنونًا؛ يكتسي وجهه بلحيةٍ بيضاء نقية، والتبسُّم لا يفارق مُحيَّاه، وكما يكسوه التواضع يعلوه الوقار، يُذكِّرك بأيام الرعيل الأول التي لم نعِشْها والتي نفتقدها كثيرًا هذه الأيام.

هو رجلٌ رغم سنواته الـ71 إلا أنه لا يزال شابًّا ينبض حيويةً وهمةً.. إنه الشيخ "محمد عبد الحميد محمد" الشهير بمحمد صِيد، مواليد سنة 11/2/1937م محافظة القاهرة بحي المطرية- عرب الحصن وأصوله من سوهاج- نيدة مركز أخميم، تخرَّج في جامعة الأزهر كلية لغة عربية قسم أدبي سنة 1964م، وعمل ببورسعيد مدرسًا للغة العربية، ثم انتقل إلى القاهرة ليعمل مدرسًا في مدرسة الزيتون الإعدادية للبنين، ثم مدرسًا بمدرسة ابن خلدون الثانوية بنات، ثم عمل باليمن مدرسًا، وسافر إلى السعودية ليعمل مدرسًا في مدارس المنارات، ثم عاد إلى القاهرة ليعمل في مدرسة الحلمية الثانوية بنات، وأخيرًا موجهًا للغة العربية في مدرسة مودرن سكول الزهراء بعين شمس؛ حيث يسكن هناك إلى الآن، فهو مربٍّ في نصف اليوم الأول والنصف الثاني إمام مسجد "عبد الله بن مسعود".

كان والده المُؤثِّر الأول في حياته؛ حيث كان يعدُّه ليكون مثله واعظًا بالمساجد؛ فكان والده يعمل محفظًا للقرآن الكريم ويملك مكتبًا يحفِّظ فيه 300 طالب، يخرج منه سنويًّا 10 طلاب يحفظون القرآن كاملاً ليدخلوا بعدها الأزهر، وقد أخذ الشيخ محمد صيد عن والده أسلوبه الذي اتبعه في التحفيظ ليحفِّظ هو الآخر أبناءه وطلابه كتابَ الله عز وجل، كما أن الله قد منَّ عليه بـ19 حجةً قضاها لتكون بركةً يمشي بها على الأرض وفي سبيل الله.

حاوره (إخوان أون لاين) عن ذكرياته التي لا ينساها وأحلامه التي لم يحققها، وكيف هو مع الإخوان المسلمين فيما مضى وإلى اليوم، وما طعم شهر رمضان معهم والمواقف الطريفة التي جمعتهم، وحدثنا عن مهنته المحببة إليه التدريس وتحفيظ القرآن الكريم، فإلى نصِّ الحديث:

* بدايةً.. كيف كان تعارفكم بالإخوان المسلمين أول مرة؟ ومتى؟

** كان التعارف سنة 1958م، وكان عمري وقتها 21 عامًا، وكنتُ بمسجد عرب الحصن بالمطرية أُصلي فيه، فتعرفتُ على مجموعةٍ من البلدة وجدتُ ميولهم إسلامية بحتة تتناغم مع نشأتي ونزعتي الدينية، فصادف ذلك هوًى في نفسي فأحببتهم في الله كثيرًا، والتقيتُ بهم بعد ذلك باستمرار، وكنتُ وقتها في شعبة بعرب الحصن يزورنا فيها الشيخ محمد المطراوي.

* كيف اقتنعتم بفكر الإخوان المسلمين؟ وما الذي جذبكم إليهم؟

** وجدتُ فكرهم صافيًا لا تشوبه شائبة؛ تجمعهم الأخوة الصادقة، يُميزهم العمل الجماعي، فيقومون بإصلاحِ ذات البين، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؛ حتى إن كثيرًا من الشباب كان عنده نزعات غير شرعية تخلَّوا عنها بسبب انضمامهم لجماعة الإخوان المسلمين.

أبي يُحذرني

* هل صادفكم اعتراضات من الأسرة على انضمامكم للإخوان؟

** كان والدي يُحذرني باستمرار من أن أكون معهم؛ خوفًا على ألاَّ أُكمل دراستي، ولكن سبحان مُقلب القلوب، ما هي إلا أيام قليلة ووجدتُ والدي معي في الصف.

* ماذا كان رد فعلك من تحذيرات والدك لك؟

** كنتُ دائمًا أحاول إقناعه بأنهم فتيةٌ آمنوا بربهم وسيزيدهم الله هدًى.

* لكن ما الذي جعل والدك يقتنع بهم وينضم إليهم؟

** والدي كان مُحفِّظًا للقرآن ومُقرئًا في المآتم، وكان الإخوان يأتون للمآتم ويُلقون كلمات الوعظ، فأحبهم وصادف ذلك أيضًا هوًى في نفسه، وكان ذلك سر الإخوان الذي يعيشون به في المجتمع ويجتمع حولهم الناس بسببه.

* كيف تعاملتم مع المحن التي صادفت جماعة الإخوان المسلمين في سنة 1954م و1955م رغم أنكم لم تكونوا انضممتم إليهم بعد؟

** قمتُ بتحليلٍ بسيطٍ للأحداث؛ حيثُ وجدتُ أنه في عام 1954م حدث اعتقالات لبعض أفراد الجماعة، ثم في عام 1955م نُفِّذ حُكم الإعدام في بعض قيادات الإخوان، ثم يأتي بعدها مباشرةً عام 1956م العدوان الثلاثي على مصر، فوصلتُ إلى نتيجة: (اعتقال ثم إعدام ثم انتقام الله عز وجل لتلك الجماعة المؤمنة)، كأنها رسالة من الله أعطاها السلطة الحاكمة المستبدة أنكِ أخطأتِ في حقِّ الإسلام، ونقيس عليها تحليل آخر- لو سرنا مع التاريخ- ففي عام 1965م حدثت أيضًا اعتقالات في صفوف الجماعة، ومنها اعتقال والدي دون أي ذنبٍ جنَوه، ثم أعقبها في عام 1966م نُفِّذ حكم الإعدام أيضًا في بعض الإخوان، ثم يأتي عام 1967م بنكسةٍ محققةٍ لتكون انتقام الله الثاني من السلطة الحاكمة المستبدة الظالمة، وهكذا أحداث التاريخ بالمقارنة.

اعتقال والدي

* ذكرتم اعتقال والدكم.. فما سبب الاعتقال؟

** اعتُقل والدي عام 1965م وخرج على ذمة البراءة، ولكنه ظلَّ رهن الاعتقال إلى سبتمبر 1968م، وكان التحقيق معه في سجن القلعة ثم سجن أبو زعبل، ووجَّهوا إليه تهمةً غريبةً وقتها أنه يُحفِّظ القرآن الكريم، وأذكر أنه حكى لي موقفًا مرَّ به في التحقيق أنهم أخذوا يسألوه: كم تُحفِّظ من الطلاب؟ فأجابهم 300 طالب فشتموه وانهالوا عليه ضربًا، ثم حاولوا أن يحصلوا منه على إقرارٍ بألا يُحفِّظ القرآن مرةً أخرى لكنه أجاب بقوةِ المؤمن الحق: "جسدي ملكك قطّعه إربًا إربًا، ولو بقي منه عرق سينبض هذا العرق وسيخلق منه الله عبد الحميد صِيد كما كان ليُحفظ القرآن بالمجان".

* ماذا كان تأثير اعتقال والدكم عليكم؟

** كان تأثير اعتقال والدي عليَّ متعبًا لي نفسيًّا وماليًّا وجسمانيًّا؛ حيث كان والدي قد ترك لي أمي و3 من الإخوة، وكنتُ موظفًا ببورسعيد، وكان مرتبي وقتها لا يصل إلى الـ20 جنيهًا، فضلاً عن أنني كنتُ أُقيم هناك ببورسعيد وآتي أسبوعيًّا لأطمئنَّ عليهم في المطرية لأجدهم في حالةٍ شديدة الصعوبة؛ لا عائلَ لهم إلا الله، وكادوا يفترشون الأرض ويلتحفون السماء، فلا دخل لهم إلا دخلي البسيط.

* برغم كل ما حدث لكم من ضيقِ الحال وغياب العائل والبعد والغربة.. ألم يُؤثر ذلك عليكم أو على والدكم في ترك الطريق الذي اخترتماه؟.

** على العكس تمامًا، زِدتُ إصرارًا وتصميمًا على موقفي وطريقي؛ لأنني على يقينٍ أننا على الحق مهما حاولوا زعزعتنا وإخافتنا، وأعلم أن والدي مظلوم؛ اعتقل دون ذنبٍ جناه، أما والدي فقد تمسَّك بطريق الدعوة وخرج أكثر قوةً مما سبق.

* أنتم لم يتم اعتقالكم.. فهل تعرضتم إلى مضايقاتٍ أمنية؟ ومن وجهة نظركم لماذا لم يعتقلكم الأمن؟

** كان الأمن بالفعل يلاحقني باستمرار في كل مكانٍ أذهب إليه، أما عن سبب تركهم إياي حرًّا فلا أدري، ويُضيف ساخرًا: "ربما كان عندهم شفقة ورأفة بي لأنهم أخذوا والدي، والتي ليست فيهم بالتأكيد.

* قلتم إن تأثير اعتقال والدكم كان له وقعٌ سيئٌ للغايةِ عليكم، ولكن ماذا عن والدتكم؟ كيف كان وقع ذلك عليها؟

** والدتي كانت منهارةً جدًّا، وأذكر أنني ووالدتي كنا عائدَين ذات مرة من زيارةِ والدي في طرة، وكانت أمي تبكي بشدةٍ، فقابلتها امرأة وسألتها عن سبب بكائها فردت أمي أنها عائدة من زيارةِ زوجها في طرة، فسألتها المرأة عن سبب جريمته فقالت أمي: "بسبب انتمائه للإخوان المسلمين"، فرفعت المرأة يدها وقالت: "الحمد لله أن زوجي قاتل"؛ مما زاد من حنق أمي على الحكام والبلد؛ حيث القتل أقل جرمًا من تهمة الانتماء للإخوان، وهل هذه عدالة؟!!، ولكنَّ الله لم يتركنا؛ فعند ذهابي إلى بورسعيد رزقني الله مجموعات دراسية في المنازل وكان التعويض أكبر مما حلمتُ به.

روح رمضان

* لشهر رمضان معانٍ روحانية وسمو بالنفس.. ألا تتذكر موقفًا من هذه المعاني؟

** ذكر لي والدي أثناء اعتقاله أن المعتقلين ذهبوا إلى مأمور السجن وطلبوا منه أن يقرأ والدي عليهم القرآنَ لحلاوة صوته وجماله، فناداه المأمور وسأله: أصوتك جميل؟ فرد والدي ساخرًا: وهل ستخطبني؟ فضحك المأمور وأخبره أن زملاءه يريدونه أن يقرأ عليهم القرآن وكذلك هو، ثم جمع المعتقلين بعد العشاء وصلاة التراويح ونبَّههم على أن يُنصتوا فقرأ والدي آخر سورة القمر: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (51) وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (52)﴾ (القمر)، وأخذ يرددها أكثر من مرة فاستزاده المأمور من قرائته واعتاد منه ذلك يوميًّا، وقد كافأه مرةً بإعطائه كوبًا من الشاي الساخن فأخذ الكوب وسقى منه جميعَ إخوانه، هذه هي رُوح الأخوة والترابط، والتي بدأت تنقصنا اليوم، ويحسدوننا عليها.

* أتذكرون أول رمضان صمتموه.. كم كان عمركم وقتها؟

** كنتُ في الخامسة من عمري، وكنتُ أصوم اليوم كاملاً، فهذه كانت تربية والدي لنا.

* وما برنامج يومكم في رمضان؟

** يبدأ يومي بصلاة الفجر، ثم أذهب إلى المدرسة، وأعود في الثانية ظهرًا لأنام حتى صلاة العصر، ثم أُصلي العصر وبعدها قراءة القرآن لأبدأ بتحفيظ الطلاب لكتابِ الله حتى صلاة المغرب، ثم أُصلي المغرب وأعود لأفطر مع الأسرة، ثم أذهب لصلاة العشاء فالتراويح، ثم أنام قليلاً لأقوم لصلاةِ التهجد في الثانية صباحًا حتى الثالثة لأعود وأتناول السحور ثم صلاة الفجر، وهكذا.

* ولكن ماذا عن وِرْدكم في كتاب الله عز وجل؟

** وِرْدي القرآني في رمضان كبقية شهور السنة؛ حيث إنني أختم القرآن بفضل الله وقدرته كل 3 أيام، فأقرأه وأنا أمشي وفي المواصلات، وفي كل الأوقات حتى عند نومي؛ لأنَّ الله منَّ عليَّ إتمام حفظه في عمر التاسعة.

* للدعاء في رمضان طعم خاص.. فما دعاؤكم المفضل؟

** أطلب من الله عز وجل أن يُغيِّر حال الأمة إلى أحسن حال بعدما صرنا إلى ما نحن عليه الآن، وأن أرى رايةَ الإسلام عاليةً خفاقة.

نصف رغيف طعمية

* أخبرنا: ما الفرق بين رمضان قبل فترة انضمامكم للإخوان المسلمين وبعدها؟ وما أفضل رمضان مرَّ عليكم؟

** رمضان قبل الإخوان شيء عادي، ومعهم له طعمٌ آخر، طعم روحاني رباني، لا أستطيع حتى أن أصفه، أما أفضل رمضان هو كل رمضان قضيته معهم، وما هنالك رمضان أقضيه معهم ونقص عن الآخر، بل يزداد حلاوةً وروحًا؛ ففيه كل معاني البر والأخوة والتعاون والكفالة والجماعة.

* بالتأكيد أول إفطار مع الإخوان له ذكرياتٌ محببةٌ للنفس لا تُنسى.. فكيف كان؟

** كنا في عرب الحصن في كتيبة للإخوان، وكنا في رمضان، في منزل الأخ عبده عفيفي رحمه الله سائق الأستاذ حامد أبو النصر، وحضر معنا عبد المتعال الجبري رحمه الله، وظنتُ أن الإفطار سيكون عظيمًا به ما لذَّ وطاب من لحومٍ وغيرها، وإذ بي أتناول وجبة إفطاري نصف رغيف طعمية، ولكنه كان أطعم من لحم الضأن، كنا حوالي 150 فردًا نفترش الأرض ونأكل في لذة الطعمية، كانت روحٌ رائعة ثرية مخلصة، وأذكر في يومٍ آخر في غير شهر رمضان أن أتى إلى بيتنا عبد المتعال الجبري، وكان صائمًا يريد أن يفطر ولم يكن معه مالاً ولم يجدني أو يجد والدي، وعند عودته وجد قرشًا أحمر فصلَّى المغرب واشترى بنصف قرش نصف رغيف طعمية والنصف الآخر كوب شاي من الطريق واستخدم أسلوبه الرائع في وعظ الناس فتكالبوا حوله حتى وقت العشاء، فدخل المسجد ومعه عشرات من الناس فمَن كان لا يُصلي أصبح يُصلي، وقدَّمه الناس للإمامة وقرأ بصوته العذب فاكتظَّ المسجد بالمصلين، وكان سببًا في انضمام كثيرٍ منهم إلى الإخوان.

حادث موتوسيكل

* موقفٌ مرَّ بكم مع الإخوان أثَّر فيكم كثيرًا ولا تستطيعون نسيانه.. ما هو؟

** كنتُ يومًا ذاهبٌ إلى لقاءٍ فضربتني دراجة بخارية (موتوسيكل) وأُغشي عليَّ وأفقتُ لأجد نفسي على السرير وحولي جميع الإخوة يعتريهم الخوف والقلق ولم يتركوني حتى اطمأنوا على حالي، أثَّر بي هذا الموقف كثيرًا، وعرفت بعدها أن هذه هي الروح التي تجمعنا، وهي سرنا لانتشار الإخوان في المجتمعات.

* ما أكثر الشخصيات المُؤثِّرة في حياةِ الشيخ محمد صيد؟

** فضيلة المرشد الأستاذ مهدي عاكف؛ حيث عهدتُ فيه الأخوة والروح المرحة وتحمُّلاً هائلاً للمسئولية رغم كونه شيخًا إلا أنه شاب نشيط، وأذكر مرةً أنه كان يأخذني إلى ألمانيا واشترط اصطحابي لزوجتي، ولكن كان ابني في الثانوية العامة وقتها فاستشرتُ الشيخ المطراوي فنصحني أن ابني أولى بعدم السفر، وتأثرتُ كثيرًا بالأستاذ عمر التلمساني رحمه الله؛ حيث كان في شدةِ مرضه تأتيه الغيبوبة وعندما يُفيق منها يُملي على كاتبه ليكتب ما يخصُّ الجماعة.

* أما زلتم على علاقةٍ تجمعكم بإخوانكم من نفس الجيل؟

** الحمد لله، ما زلنا نتقابل أسبوعيًّا، كيف لا وهم إخوتي ودمي، ولا يمكنني التخلي عنهم أو عدم رؤيتهم؟!

* بعد سنوات عديدة مع الإخوان المسلمين.. ماذا تعلمتم منهم؟

** الأخوة والتضحية والصبر والتحمل.

* وما النصيحة التي تنصحها لشباب الإخوان؟

** أن يظلوا على وحدتهم وأخوتهم، وتمسكهم بكتاب الله وسنة رسوله، والمنهج الذي يسيرون عليه.

* وأخيرًا.. ما حلمكم الذي لم يتحقق حتى الآن؟

** أن يُحكَم بكتاب الله تحت أي مسمى لا يهمني مَن يحكم.. الإخوان أو غيرهم، ولكن يهمني الحكم الذي يسود.