يطلق عليهم سكان منطقة السيدة زينب "حبايب الست"، ويطلق عليهم البعض اسم "مجاذيب السيدة"، أما الشرطة فتفضل أن تطلق عليهم تعبير "متسولين" أو "متشردين".

 

"حبايب الست" هم مجموعة من البشر محل إقامتها المعروف هو ميدان السيدة زينب بوسط قاهرة المعز لدين الله الفاطمي، فهم لا يعرفون لأنفسهم بيوتًا إلا المنطقة المحيطة بالمسجد، ولا يعرفون لهم فرشًا إلا الرصيف المجاور للمسجد، وإن سألتهم عن سبب وجودهم بهذه المنطقة بالذات سيقولون لك: "نجاور الست"!.

 

ظاهرة "حبايب الست" أو "مجاذيب السيدة" لا يعرف لها بداية زمنية ولا تاريخ محدد، فمنذ أن عرف المصريون مسجد السيدة زينب في موضعه الحالي عرفوا معه "مجاذيب الست" كأحد أهم ملامح المسجد العتيق مثلهم مثل المقام أو منبر المسجد، وعلى مدار العصور التي مرت على المسجد والتجديدات التي تم إدخالها عليه كان هناك دائمًا تلك المجموعة الغريبة والمريبة من البشر التي كانت تلجأ دائمًا إلى جوار المسجد لأسباب مختلفة، وتكون ذروة هذه الظاهرة في شهر رمضان والأعياد ووقت مولد السيدة زينب؛ حيث تكثر الصدقات في المكان وينتشر أهل الخير الذين يطعمون الجميع بلا مقابل.

 

(إخوان أون لاين) حاول سبر أغوار ذلك العالم الغريب، عالم حبايب الست، وحاول أن يستخرج بعض أسراره وكذلك الإجابة عن بعض الأسئلة التي تتبادر إلى أذهان أغلب من يشاهدون هؤلاء الأشخاص وهم يجاورون المسجد؛ من أين يأكلون؟ وكيف يكسبون قوتهم؟ وما هو سر بقائهم في هذا المكان بالذات؟ وكيف يقضون شهر رمضان المعظم؟ وما هي حجم المخاطر التي يتعرضون لها؟.

 

سحر.. الجريمة في رحاب الست

سحر. ع (14 عامًا) قابلناها بجوار دورة مياه السيدات بمسجد السيدة زينب وكانت تحمل طفلة لم تتجاوز عامها الثاني ويظهر عليها وعلى الطفلة- التي علمنا بعد ذلك أنها ابنتها- الهزال الشديد، أما سحر نفسها فقد امتلأ وجهها بعلامات جروح سببتها أدوات حادة؛ قالت لنا: "أنا أسكن هنا منذ أن وُلدت، أَبيتُ ليلتي غالبًا بجوار دورة المياه أنا وابنتي، أما أبو ابنتي فهو مسجون منذ عامين أي منذ ولدت ابنتي تقريبًا"!.

 

سحر بالرغم من صغر سنها إلا أننا فوجئنا أنها تمتهن الدعارة والتسول وتقول: "إنها لا تعرف والد ابنتها الحقيقي إلا أن أباها الموجود بالسجن هو الوحيد الذي قبل الاعتراف بابنتها، ولكنها في كل الأحوال لا تحمل شهادة ميلاد لابنتها، ولا تحمل هي أية أوراق إثبات هوية ولا حتى عقد زواج!!".

 

 الصورة غير متاحة
 

وعن سبب اختيار سحر لميدان السيدة بالذات للسكن قالت: "منذ ولدتُ وجدتُ نفسي هنا، كما أنني لا أستطيع ترك المكان، ففي جوار السيدة لا نحمل هَمَّ طعام أو شراب؛ فأهل الخير يتكفلون بكل شيء، كما أن المولد يعتبر موسم خير كبير على الجميع، إلا أنه وفي الفترة الأخيرة نتعرض لمضايقاتٍ كبيرةٍ من قِبل الأمن".

 

وحول كيفية قضاء سحر لشهر رمضان تقول: "رمضان بالنسبة لي لا يختلف كثيرًا عن أي شهر سوى في بعض التفاصيل الصغيرة، فأنا تقريبًا لا أعمل نهائيًا في رمضان وأكتفي بتبرعات أهل الخير التي تنهال علينا في رمضان، ولكنها في السنوات الأخيرة قد قَلَّت هذه الصدقات، فمنذ زمن كانت الصدقات عبارة عن قطع لحم كبيرة مع الأرز والخبز، أما الآن فغالبًا الصدقات عبارة عن الخبز والأرز فقط وقطعة لحم صغيرة في أحسن الأحوال"، وتضيف سحر: "خير رمضان قَلَّ، ولا نعرف لماذا، ولكن الله لا ينسى أحد من عبيده".

 

عفاف.. هربًا من المنزل

الحاجة عفاف سيدة تبلغ من العمر السابعة والسبعين عامًا جلست في ظل شجرة إلى جوار المسجد واضعةً تحت رأسها حقيبة بلاستكية بها بعض الملابس القليلة ووُضع إلى جانبها رغيف من الخبز به بعض الأرز وقطعة لحم قالت لنا: "أنا من محافظة الإسكندرية من بحري، ولكني أحب المكان هنا؛ ولهذا هربت من أسرتي وأبنائي وأتيت إلى هنا، وهذه ليست المرة الأولى لهروبي، فقد هربتُ كثيرًا وكل مرة كنت أمكث هنا بضعة أشهر ثم يتصل الناس بأهلي ليأتوا ويأخذونني إلى الإسكندرية".

 

الحاجة عفاف من الشخصيات المعروفة جدًّا في المنطقة فكل تجار سوق السيدة يعرفونها ويتداولون قصتها، فأحد الباعة بسوق السيدة قال لنا: "الجميع هنا يعرف الحاجة عفاف جيدًا، فهي تظهر في الميدان بعد غيبة قصيرة تستمر غالبًا لشهر أو بضعة أسابيع وتمكث في مكانها المعروف تحت ظل هذه الشجرة لعدة أشهر حتى تسوء حالتها الصحية فيتصل أحدنا بأهلها في الإسكندرية والذين يحضرون ليأخذونها معهم إلى هناك".

 

كيف تقضي الحاجة عفاف وقتها في رمضان قالت لنا: "لا يمكن أن أقضي رمضان بعيدًا عن الست، فشهر المولد وشهر رمضان هما أهم وقتَيْن أقضيهما هنا في رحاب السيدة لأنال البركة"، وعندما أذن العشاء ونحن برفقة الحاجة عفاف سألناها: ألن تدخلي لتصلي العشاء؟ قالت لنا: "لا؛ أنا لا أدخل للمسجد للصلاة، أنا فقط أدخل لزيارة مقام الست!!".

 

سيد.. بطالة مقنعة

أما الحاج سيد فهو في العقد الثامن من العمر، ومن أول وهلة تظنه هاربًا من صفحات رواية "حبايب الست" للأديب الكبير يحيى حقي، فجلبابه المهلهل ومبخرته القديمة التي يحملها والتي تنبعث منها رائحة بخور نافذ تطابق بطل الرواية.

 

عم سيد في تعريف الحكومة هو متسول يدور طوال اليوم على محلات الميدان حاملاً مبخرته ويقوم بتبخير المحال، وغالبًا ما يقدم صاحب المحل لعم سيد نظير خدماته إما بعض الأموال القليلة أو القليل من الطعام خاصةً إن كان المحل يبيع الطعام.

 

يقول عم سيد: "أحب عملي لأنه يجعلني دائمًا قريبًا من مقام السيدة، وكلما تعبتُ من اللف على المحال أذهب إلى المسجد لأستريح؛ فأنا لا أستريح في مكان آخر سوى مسجد السيدة، بعض المحال لا تستغني عني أبدًا، وزيارتي لها كل يوم تبعث في نفوس أصحابها والعاملين فيها الفأل الحسن- على حد قوله- وهم غالبًا التجار القدامى في الميدان، والذين هم هنا من عشرات وعشرات السنين، أما التجار الصغار في السن والذين قدموا إلى المنطقة مؤخرًا فغالبًا ما يرفضون أن أبخر لهم محالهم".

 

وعن رمضان يقول عم سيد: "رمضان لي موسم عمل، والخير يزداد فيه ويغدق عليّ أصحاب المحال بالأموال والطعام، ولكن مع مرور السنوات قَلَّت هذه العطايا؛ لأن الخير قَلّ في هذا الزمان، ودائمًا ما أفطر بجوار المسجد مع أهل الله وحبايب الست؛ فهناك العديد من موائد الرحمن التي تقام بالمسجد وجواره".

 

عم سيد كأغلب "حبايب الست" يجد متعته في جوار المسجد ومقام السيدة وكأغلب الحالات التي قابلناها لم يجد له مفرًّا من دوامة الحياة الطاحنة وغلاء الأسعار إلا المكوث في تلك المنطقة على أمل أن تساعده "الست" في التغلب على مشاكله التي هرب منها!!.

 

مهنة وحرفة

د. سمير عبد الفتاح أستاذ علم النفس بجامعة المنيا يرى أن ظاهرة انتشار مثل هؤلاء الأشخاص في بعض الأماكن العامة وخاصة الأماكن الدينية يرجع السبب الرئيسي ورائها إلى تعاطف الناس مع هؤلاء الأشخاص وكذلك إلى الطبيعة الخاصة لتلك الأماكن الدينية التي يقبل الناس فيها على التعاطف مع هؤلاء المتشردين والمتسولين تحت مسمى الصدقات أو الزكاة.

 

وأكد د. عبد الفتاح أن هذه الظاهرة لها جذور قديمة جدًّا، موضحًا أنه على مرِّ تاريخ مصر كان هناك مثل هؤلاء الأشخاص في هذه الأماكن تحت مسميات مختلفة سواء دراويش أو مجاذيب.. إلخ، مرجعًا انتعاش هذه الظاهرة في الآونة الأخيرة إلى ازدهار مهنة التسول؛ حيث أصبحت حرفة كبيرة تُدر مبالغ كبيرة جدًّا على محترفيها.

 

وحول دور الشرطة في مواجهة الظاهرة رأى د. عبد الفتاح أن الشرطة تتخوف من التعامل مع هذا الملف؛ نظرًا لطبيعة هذه الأماكن الدينية التي يوجد بها المتسولون، والمتشردون، بالإضافة إلى أن أمثال هؤلاء الأشخاص لا يتعاطون مع السياسة؛ حيث إن السياسةَ هي الخط الأحمر الوحيد للداخلية المصرية، مضيفًا أن الشرطة تخاف في بعض الأحيان من بطش هؤلاء المتشردين الذين يتخذون شكل العصابات!!.