- أنور عكاشة: مسارحنا كالأيتام على مائدة اللئام

- طارق الشناوي: الحريق مشهد في دراما الفساد

- د. إبراهيم شعلان: وثائقنا في خطر ولا بد من إقالة الوزير

- صفاء عامر: إهمال الثقافة شيمة النظم المستبدة

 

تحقيق- أحمد رمضان:

في 3 سبتمبر 2005م، شبَّ حريق ضخم في قصر ثقافة بني سويف أثناء عرض مسرحية بعنوان "حديقة الحيوان"، أدَّى إلى مقتل 32 شخصًا من بينهم شخصيات بارزة من بينهم محسن مصيلحي أستاذ الدراما في المعهد العالمي للمسرح التابع لأكاديمية الفنون وصاحب التأثير الكبير في الأوساط الطلابية، وكذلك المخرج بهاء الميرغني الناشط في الحركة الطلابية في السبعينيات.

 

تسببت النيران أيضًا في قتل أسماء لامعة في عالم النقد والكتابة المسرحية منهم: أستاذ النقد في أكاديمية الفنون حازم شحاتة، وزميله الناقد والأستاذ في نفس المعهد مدحت أبو بكر، إضافةً إلى نزار سمك الذي كان من أبرز مطلقي مهرجان نوادي المسرح قبل 15 عامًا الذي كانت تعرض ضمنه مسرحية "حديقة الحيوان"، وأستاذ المسرح المتميز صالح سعد.

 

واليوم يطل علينا حريقٌ من جديد ولكنه هذه المرة في المسرح القومي لنعيش حلقةً جديدةً من حلقات أحداث سبتمبر التي تزحف باتجاه مسارحنا القومية؛ ولم يتعظ المسئولون من حجم حادث حريق قصر ثقافة بني سويف المروع واستمروا في إهمالهم لصروح التراث الفني في مقابل الاهتمام بالمسارح التي تقدم الفن التافه والمبتذل.

 

ومن المعروف أن المسرح الحديث دخل مصر مع الحملة الفرنسية على مصر عام 1798م بقيادة نابليون بونابرت فتكونت فرقة "الكوميدي فرانسيز"، وفي عام 1869م شيَّد الخديوي إسماعيل المسرح الكوميدي الفرنسي ودار الأوبرا، وأعدهما لاستقبال الوفود المشتركة في الاحتفالات الأسطورية التي أقامها لضيوفه بمناسبة افتتاح قناة السويس.

 

شيَّد الخديوي في تلك الفترة مسرحًا آخر في الطرف الجنوبي من حديقة الأزبكية المطل على ميدان العتبة عام 1870م، وعلى هذا المسرح وُلد أول مسرح وطني، وشهد هذا المسرح عام 1885م أول موسم مسرحي لفرقة أبو خليل القباني بالقاهرة، كما قدمت فرقة إسكندر فرح وبطلها سلامة حجازي أشهر أعمالها على نفس المسرح من العام 1891م إلى 1905م، وكان عام 1905م هو أول موسم لفرقة الشيخ سلامة حجازي على تياترو الأزبكية.

 

وفي فجر الثامن والعشرين من أكتوبر 1971م، احترقت دار الأوبرا المصرية القديمة بأبهتها وعظمتها، وكانت الأخشاب المستخدمة في بنائها بالكامل من عوامل سرعة انتشار النيران، وعدم إمكانية السيطرة عليها، فلم يتبق من الأوبرا القديمة سوى تمثال الرخاء ونهضة الفنون، وهما من عمل الفنان محمد حسن.

 

وأنشئ مكانها المبنى الحالي للمسرح القومي، والذي التهمته نيران الإهمال واللامبالاة ليبقى ملف الحرائق مفتوحًا ما بين حوادث صغيرة في محلات قد تمتد لأحياء بكاملها.

 

(إخوان أون لاين) تجول في أوساط المثقفين لمعرفة تقييمهم لما حدث؛ والذين أجمعوا على مطلب واحد وهو إقالة وزير الثقافة ومن قبله النظام والحكومة؛ مؤكدين أن ما يحدث من حرائق هو المشهد المأساوي في مسرحية الفساد الدرامي التي تعرض وبنجاح ساحقٍ في مصر.

 

مهزلة

في البداية أوضح المؤلف أسامة أنور عكاشة أن هذه الكارثة تعد مآساةً ضمن العديد من المآسي التي تتعرض لها البلاد مؤخرًا مثل غرق العبَّارة وكارثة الدويقة، كما أنه نتيجة إهمال عام في كل مرافق الدولة وإصرار على عدم إصلاح الخطأ وعدم الاستعداد للطوارئ وحالة لا مبالاة بأي شيء؛ الأمر الذي جعل المصريين يتعودون على سماع أو قراءة خبر سيئ صبيحة كل يوم؛ واصفًا أن أرخص شيئين في مصر حاليًا هما "الوقت والبني آدمين".

 

ووصف أنور عكاشة الحريق بأنه مهزلة كبيرة، موضحًا أن أية مؤسسة أو مصلحة حكومية لا بد أن يوجد بها جهاز إنذار، ساخرًا "هو حريق الشورى حصل إزاي وليه.. علشان الإهمال موجود دايمًا"، مشيرًا إلى غياب النظام عن المؤسسات والمصالح الحكومية.

 

وحول تجاهل أجهزة الدولة لمسارحها علق عكاشة قائلاً: منذ زمن والمسرح مثل الأيتام على مائدة اللئام؛ فيتعاملون معه بمنطق لا بحبك ولا بقدر على بعدك.

 

وشدد على أن الحل لا بد أن يشمل كل مجالات الحياة في مصر بشكلٍ عام، فلا بد من إصلاح الأمور كلها مع بعضها لأنها كالأواني المستطرقة على حدِّ قوله.

 

حكومة نحس

أما المؤلف محمد صفاء عامر فأكد أن الحريق كارثة ضمن الكوارث التي تفجَّرت في مصر، وأن الحادث يأتي ضمن إهمالات الحكومة المتعددة في كل شيء وسلسلة في حلقات عجزها ونحسها قائلاً: "حكومة نحس وجلدها تخين مش بتحس".

 

وشدد على أنه لا فائدة وأن الله تعالى يعاقب هذا الشعب بكوارث متلاحقة نتيجة خنوعه واستسلامه لهذه الحكومة، رافضًا توجيه أي رسالة للمسئولين في مصر؛ لأنه لا فائدةَ ولا يرتجي شيء منهم؛ خاصةً في ظل تقاعس أجهزة الدولة في حل أزمة رغيف الخبز وكوب الماء فكيف تهتم بالثقافة؟ متحديًا أن يأتي أي شخص ببيان من بيانات الحكومة تتحدث فيه عن الثقافة؛ واصفًا ذلك بأنه من شيم النظم الاستبدادية؛ كما ضرب المثل بجوبلز وزير الدعاية النازي الذي قال: "حين أسمع كلمة مثقف أتحسس مسدسي".

 

إهمال مصر

من جانبه وصف د. إبراهيم شعلان أستاذ التراث الشعبي بالجامعات العربية ما حدث بالإهمال العام والتقصير في متابعة هذه الأماكن، خاصةً أنها مرتبطة بالأمن وأرواح الناس وبها وثائق عامة، وألقى شعلان بالمسئولية على غياب الانضباط وفشل الإدارة، مؤكدًا أن إدارة المسارح القومية سيئة في مقابل الاهتمام غير العادي بأماكن الفن التافه والمبتذل.

 

وألمح إلى أن الفرق بيننا وبين الدول المتقدمة هي أنهم يحسنون استخدام البشر على الأرض، أما نحن فلا؛ حيث تغيب معايير الكفاءة والعدالة والمساواة، كما أن المجتمع المتقدم ينمي الحسنات ويقلل من السيئات.

 

وحول أثر الكوارث على تراثنا الفني أكد شعلان أن له تأثيرًا خطيرًا؛ لأن تراثنا يمتد لآلاف السنين؛ خاصةً أننا مجتمع تراثي، والأشياء التراثية هذه من أخطر ما يمكن لذلك الحذر مطلوب، وطالب بتسجيل كافة الوثائق المصرية المهمة في أكثر من مكان؛ لأن وجود الوثيقة في مكانٍ واحدٍ من أخطر ما يمكن على المجتمع.

 

وطالب شعلان بإقالة وزير الثقافة قائلاً: لا بد من التجديد والتطوير لأنه ينمي المجتمع، منتقدًا جلوس فاروق حسني على كرسي الوزارة منذ نحو 20 عامًا، لافتًا الانتباه إلى دراسةٍ غربيةٍ لعلماء أجانب وجدوا أن الإنسان يُعطي أحسن ما لديه في أول 8 سنوات.

 

دراما الفساد

ويرجع الناقد الفني طارق الشناوي بشريط الذكريات؛ حيث يتذكر محرقة قصر ثقافة بني سويف الذي مات فيها زملاء له كثيرون، وأعرب عن دهشته مما يحدث لمصر، مؤكدًا أن هناك شيئًا خطأً في نظام البلد كلها فهناك تسيب، مشيرًا إلى أن هذا التسيب والفساد يُعبِّر عن نفسه بطريقةٍ غير مباشرة؛ فحريق المسرح نهاية درامية لأوجه التسيب والفساد في البلد.

 

وتجاوز الشناوي فكرة إقالة الوزير الذي سيرحل في 2009م لشغله مقعدًا في اليونسكو، مطالبًا بتغيير النظام نفسه؛ لأنه هو الذي يُعيِّن الحكومة، وألمح إلى أن هذه الحرائق تمثل إرهاصاتٍ تقول تغيروا فالحرائق لها مدلول وكثرتها في الفترة الأخير تقول إن مصر تغيرت.