الزمان.. قبيل انطلاق مدفع الإفطار، المكان.. ميدان العتبة بوسط القاهرة، الحدث.. حريق مروع، البطل.. المسرح القومي، هذا هو المشهد الذي كانت مصر على موعدٍ معه مساء أمس، وكأنه مشهد مقتبس من مشاهد حريق مجلس الشورى.. الشوارع مغلقة والمياه تُغطي الأرض بارتفاع نحو خمسة سنتيمترات والدخان يملأ السماء، والمئات من المواطنين احتشدوا من أجل متابعة ألسنة اللهب والتقاط اللقطات التذكارية بكاميرات هواتفهم المحمولة، ولا يوجد فرقٌ بين المشهدين سوى في شخصية البطل ومكان العرض، فبينما كان المشهد الأول يجري وسط ميدان التحرير وبطله مبنى مجلس الشورى، وقع المشهد الثاني بالقرب من ميدان العتبة وبطله المسرح القومي.

 

ورغم تشابه الحدثين إلا أن تعليق المشاهدين الذين احتشدوا لمتابعة المشهد الثاني لم يكن بنفس نبرة الشماتة التي تحدثوا بها بعد انتهاء المشهد الأول وإن كانوا قد صبوا جام غضبهم على الحكومة المصرية التي دخلت بمصر إلى النفق المظلم.

 

"عشرة عمر"

محمد غريب (بائع ساعات بالعتبة) يقول: "قضيت عمري كله بجانب المسرح هنا بميدان العتبة وأشعر أن بيني وبينه عشرة طويلة بالرغم من أنني لم أدخله قط ولم أفكر يومًا في دخوله وأكتفي فقط بمتابعة آخر بوسترات المسرحيات التي يتم تعليقها كما اعتدت على رؤية العديد من الفنانين العظام وهم يدخلون ويخرجون من المسرح.

 

ويضيف محمد: "حزنت بشدة عندما سمعت الخبر إلا أن ما حدث كان نتيجةً طبيعيةً لما يعاني منه المسرح من إهمال؛ فالمنطقة حوله تحوَّلت إلى سوقٍ للباعة الجائلين، بالإضافة إلى موقف الأتوبيسات جعل من المنطقة منطقةً مفضلةً للخطرين وسيئي السمعة، كل هذا بالإضافة إلى تكاسل الأجهزة المعنية حتى في إخماد الحريق؛ ما أدَّى إلى أن تكون هذه النتيجة الطبيعية جدًّا، فسيارات الإطفاء استغرقت أكثر من نصف ساعة للوصول إلى الحريق بالرغم من أن المبنى لا يبعد أكثر من 50 مترًا عن المقر الرئيسي لإطفاء القاهرة"!.

 

اعتقلوا "الماس"

بين الحشود قابلنا سعيد صادق (موظف) قال لنا: "كل يوم حاجة جديدة بتولع مرة الشورى ومرة المسرح ومش بعيد بكرة الهرم نفسه يولع".

 

وحول أسباب الحريق من وجه نظره يقول سعيد: "الحكومة بالتأكيد جاهزة بالرد وهو الماس الكهربي، وكلنا يعرف هذا، ولكن السبب الحقيقي وراء الحريق هو الحكومة نفسها فإهمالها في كل شيء إلا جمع النقود أدَّى بنا إلى هذه الحالة المزرية، أما بالنسبة لموضوع الماس فأقول للحكومة أمامك خيار من اثنين إما اعتقال هذا الماس ومحاكمته حتى يهدأ الرأي العام أو منع الكهرباء أصلاً".

 

"هتولع"

ريهام عبد الفتاح (طالبة جامعية) قالت: "مصر كلها احترقت وأتوقع أن المرة القادمة سيحترق فيها مجمع التحرير ومبنى التليفزيون والقصر الجمهوري، والسؤال ماذا تنتظر الحكومة بعد كل هذا؟!!.. هل تحتاج إلى أن يحترق الشعب بالكامل حتى تعلم أنها السبب وراء كل هذا وتستقيل؟ أم ماذا تنتظر؟" وتستطرد قائلةً: أنا عن نفسي في انتظار الكارثة القادمة والتي لا أتوقع أن تتأخر أكثر من بضعة أيام.

 

"ريحونا"

عادل أحمد (صاحب محل أدوات منزلية) فضَّل أن يأخذ الموضوع من زاويةٍ أخرى حيث قال: "مجلس الشورى تم إصلاحه على حسابنا من دافعي الضرائب فهل سيتم إصلاح المسرح على حسابنا كالعادة؟ وهل يُعقل أن يقوم الشعب بسداد فواتير الإهمال الحكومي هذه؟!! أنا أرى أن يتم أخذ تكاليف الإصلاح من المهملين وعلى رأسهم رئيس الوزراء ووزير الثقافة أو "يريحونا ويروحوا"؛ لأنه لن تمر بضعة أشهر وستحدث مصيبة جديدة، وغالبًا ستكون أيضًا في المسرح". 

 

ضد مجهول

 الصورة غير متاحة

مئات المواطنين تجمعوا أمام المسرح عقب الحريق

ويرى محمد إسماعيل المحامي أن ما يحدث في مصر من كوارث متتابعة في الأشهر القليلة الماضية أمرٌ بات يهدد المجتمع والهيبة المصرية، متعجبًا من اندلاع حريق آخر كبير بمصر قبل مرور أقل من شهرين على حريق الشورى، ومن ألا يكون في هذا الصرح الفني أدوات وتجهيزات إطفاء تحد من وقوع كارثة كالتي حدثت.

 

وقال: "ما حدث باليوم بالمسرح القومي وما حدث من قبل في الشورى ومسرح بني سويف يجعلنا نشعر بالخوف والرعب والقلق من اندلاع حريق في المتحف المصري أو الأهرامات أو في البرج، فما المانع من حريق هذه الأماكن بعد ضياع أية مسئولية وتقييد الحادث دائمًا ضد مجهول".

 

كل شيء راح

سمية عبد العال تعمل مدرسة بإحدى المدارس الثانوية لم تتعجب عند سماعها خبر احتراق المسرح القومي قائلةً: "وما الجديد.. الشورى احترق ومسرح بني سويف احترق.. ومصر كلها بتحترق!!".

 

وأكملت كلامها الذي بات عليه الغلظة قائلة: "مصر تسقط في الهاوية بعدما احترق كل شيء، عندما احترق المسئول الذي لم يصبح يهمه إلا الكرسي، وعندما احترقت الوزارة التي لا تقال بعد كل المصائب التي تدار عليها وتتسبب فيها، وعندما احترق الشعب قهرًا وظلمًا".

 

هروب

عباس السيد الطالب بكلية العلوم بجامعة القاهرة تأسَّف لحال مصر التي وصلت إليه، قائلاً: إنه أمر يدعو إلى السخط والضيق بعدما أصبح المجهول يُخيِّم على كل الكوارث وأصبح الإهمال هو المجرم الوحيد في الحكومة المصرية دون تقديم هذا المهمل للقضاء أو المحاكمة.

 

وأكمل أن ما يحدث في مصر الآن يجعله يُفكِّر جديًا في الهجرة قبل أن يحترق هو كما احترقت من قبل المباني والطرق والإحياء وتساقطت الجبال ومات الشعب.

 

"تاني!"

الطالب هاني سمير لم يتمالك أعصابه عقب علمه بخبر حريق المسرح القومي قائلاً: "تاني.. حسبي الله ونعم الوكيل في الحكومة.. حسبي الله ونعم الوكيل في النظام"، وقال إن المسئول عن الحريق لن يقدم للمحاكمة ولن يعاتب عليه حتى وإن ثبتت عليه التهم.

 

الشماعة

كمال إبراهيم الموظف بإحدى شركات المحمول قال: "الحكومة ستعلن أن الحريق سببه الإهمال أو ماس كهربي لأنهما الشماعة الوحيدة التي تخرج الحكومة منها كالشعرة من العجين"، وشدد على أن القرار الرسمي سيتهم عاملاً بسيطًا دون التطرق للقيادات أو دون النظر إلى السبب الرئيسي من الحريق.