- الدكتور مجدي شلش: التقييم بداية التغيير
- المسجد ملتقى التزاور العائلي في رمضان
تحقيق- مروة مصطفى:
جذبتني كلمات نهى جمال الدين (طالبة) وهي تحكي عن تجربتها الرمضانية مع التغيير في أسرتها فقالت: "كنت عصبية جدًّا، كثيرة الصدام مع أهلي وإخوتي؛ مما قلل من حبهم لي وانتظارهم لقدومي تجنبًا لشري، وسمعتُ درسًا في المسجد عن حسن الخلق، فأثَّر في نفسي كثيرًا، وتزامن ذلك مع قدوم رمضان فأحسستُ أنها منحة ربانية وآن الأوان للتغيير للأفضل، فعدتُ إلى بيتي بنيتي الجديدة، وتغيرت سلوكياتي، وساعدتُ إخوتي قدر استطاعتي، وأصبحت أكثر هدوءًا وتحكمًا في انفعالاتي، وتصالحتُ مع ربي وأهلي وأصدقائي وعدت إلى نفسي سالمة".
أحمد إسماعيل (طالب) يُعبِّر عن حبه لهذا الشهر الكريم، ويقول إنه لا ينعم به كما يريد، والسبب في ذلك هو كثرة الخلافات المنزلية في أسرته، بالإضافةِ إلى الشجار شبه اليومي بين والده ووالدته على أتفه الأسباب.
وتضيف خلود محمود (محاسبة) أن أكثر مشاكلها الرمضانية تكون مع إخوتها على الأعمال المنزلية، وأضافت أن عدم رغبتهن في التغيير الإيجابي تجهض محاولاتها للتوفيق بينهن من أجل تحقيق السلام المنزلي.
الدكتورة هالة رمضان (مدرسة علم النفس بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية) توضح أن رمضان بطبيعته يزيد من الترابط الأسرى؛ نظرًا لاجتماع الأسرة على الإفطار والسحور في وقتٍ محددٍ يحرص الجميع على الوجود فيه بالمنزل بخلاف باقي شهور السنة، وأضافت أن الصوم بطبيعته يُهذِّب النفس ويجعلها أكثر استقرارًا ويزيد من رغباتها في التغيير الإيجابي إذا كان عند الإنسان الاستعداد لذلك.
وتؤكد أن تخطيط الأسرة الذي يبدأ بكتابة مشاكلها ومناقشتها في جلسة يومية تضم جميع أفرادها من أجل البحث لها عن حلول؛ من أفضل الحلول للقضاء على المشكلات الأسرية.
وتضيف أن الطرف الذي يختلق مشاكل أسرية لا ينعم بالاستقرار النفسي، وهو المتضرر الأول من هذه التصرفات، ومشاكله مع الآخرين تزيد من معاناته وتجعله في صراعٍ نفسي يؤثر سلبيًّا عليه وعلى مَن حوله.
وتشدد على إمكانية استغلال أوقات مشاهدة التليفزيون بشكلٍ إيجابي يزيد من التواصل العائلي الممتع والتعليق المتبادل بحيث لا يكون التليفزيون سببًا في العزلة العائلية عن الآخرين ويسرق عقل وقلب المشاهد.
ويرى الدكتور مجدي شلش أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر أن الإنسان لا بد أن ينظر في حياته قبل رمضان ليُقيِّم هذه الفترة وما فيها من قُرب أو بُعد عن الله، ويحدد الإيجابيات والسلبيات، ومواضع الجدية والتقصير، وأوضح أن التغيير القائم على غير تقييم قد يغيِّر الصواب إلى خطأ فيأتي بنتائج عكس المرجوة منه.
ويوضح أن رمضان من شهور الخيرات التي وضع الله فيها من الإقبال عليه ما ليس في غيره من باقي شهور العام، و"إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلَّقت أبواب النيران، وصفدت الشياطين".
ويقول: "إن رمضان بداية لتغيير النفس البشرية؛ لما فيه من مناخ طيب يساعد على حل الخلافات الأسرية والمصالحة بين المتخاصمين عند وجود الرغبة في التغيير باستحضار معاني التغافر والتصافح بين الأخوة والأصدقاء".
ويضيف أن العبادات الرمضانية الأصيلة- وأهمها الصيام- تهيئ النفس إلى التغافر والتصافح، كما أن زكاة الفطر والصدقات تشعر الإنسان بأصحاب الحاجات وترقق قلبه عليهم وتُثير في نفس المسلم تساؤلات: كيف أحسن إلى الفقير وأُشبع جوعه وأنا أسيء إلى أهلي وأُعكِّر صفو حياتهم؟!
ومن هنا تبدأ رغبته في التغيير الذي لا بد أن يصحبه عمل إيجابي، وبهذه المنظومة يخرج المسلم من رمضان بتقوى الله والبُعد عن المعاصي بإحسانه إلى أهله؛ حيث قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي".
ويؤكد ضرورة تناول وجبة الإفطار للأسرة مجتمعةً؛ لما لها من تأصيل للصلات الاجتماعية في هذه الأيام المباركة، واستكمل أن صلاة الأسرة في جماعة للمغرب والعشاء تهدئ النفس وتقوِّي الصلات الاجتماعية وتفتح أبواب الحب الأسري وتعالج الخلافات والمنازعات.
ويشير إلى أن صلاة التراويح تسمو بالروح الإنسانية وتقربها من ربها وتربِّي فيها الصبر والخشوع والتأمل لكلام الله عزَّ وجل.
وحول كيفية التوفيق بين صلاة التراويح والزيارات العائلية اقترح الدكتور شلش أن تتزاور العائلات في المسجد ليكون ملتقى لهم، وأكد أنه ليس شرطًا لوصل الرحم أن تكون الزيارة في البيت، وقال: "هناك البعض من الأقارب لا تسمح ظروفهم بزيارة المسجد، وهؤلاء نخصهم بالزيارة المنزلية بعد صلاة التراويح".
ويوضح أن الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان يقوِّي صلة الإنسان بربه ويقوِّي صلته بالمسجد، كما أن مواصلة الاعتكاف عشرة أيام قادر على تهذيب النفس وعلى حسن الصلة بالله.
وشدَّد على أن هذه المسألة بالنسبة للشباب تحتاج إلى صحبة صالحة تُعينه وتُقوِّي إيمانه من أجل أن نرفع شعار "رمضان عبادة وذكر واستغفار"، ووداعًا للمسلسلات والأفلام غير الهادفة، وأوضح أن الراغب في التغيير لا بد أن يكون خالصًا ومخلصًا حتى يحظى بتأييد الله وأهله وإخوته ليدعموا إيجابيته، وقال تعالى في هذا الشأن: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ (القصص: من الآية 35).
ويؤكد أن الإنسان لا يمكن أن ينال المثالية ويصمد بعد رمضان وتكون عبادته على هذا المستوى إلا لما في رمضان من خصوصية وهبات ربانية اختص بها الخالق هذا الشهر الكريم.
وبانتهاء هذه المنح تبدأ حياة الإنسان لتنحدر تدريجيًّا إلى الكم الطبيعي من العبادة لتكون بدايةً لمصالحة الإنسان مع ربه وكتاب ربه.
وينصح كل فردٍ في الأسرة أن ينظر في تصرفاته ويقومها ويبدأ بنفسه، وينظر إلى واجباته فيقوم بها على أكمل وجه ليغلق الفرصة على الآخرين للمطالبة بحقوقهم، واستشهد على ذلك قائلاً:
ابدأ بنفسك فانهها عن غِيِّها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم