- د. أبو زيد راجح: 16 مليون نسمة يعيشون تحت رحمة العشوائيات
- د. ميلاد حنا: في مصر مساكن بلا سكان وسكان بلا مساكن
- د. مجدي قرقر: العشوائيات صناعة حكومية أضرَّت بالقاهرة
- الولي: الحكومة رفعت يديها بعد الهدوء الأمني ورفضت تعاون الآخرين
تحقيق- حسن محمود:
"الدويقة" كانت الإبرة الحادة التي نكأت أحد دمامل مصر المزمنة "العشوائيات"، لينفجر الحديث عن هذه الأزمة مجددًا وإيجاد حل لها وسط زحام المسعفين وصرخات الأهالي وصب لعناتهم على الحكومة الفاسدة، والتي أودت بحياة أحبة قلوبهم بقلب بارد.
والأزمة ليست وليدة "الدويقة"؛ حيث كشف التقرير السنوي لصندوق الأمم المتحدة للسكان عن أن أكثر من 15 مليون نسمة يعيشون في عشوائيات في مصر.
وأكد التقرير أن القاهرة وحدها تُئوي 67 منطقة عشوائية، وأن هناك 1221 منطقة عشوائية في مصر تُئوي 15 مليون شخص، مشيرًا إلى أن مصر تواجه مشكلة تزايد العشوائيات، وأن جهود الحكومة المصرية نحو تحويل تدفق الناس بعيدًا عن المدن الكبرى عن طريق إقامة مشروعات سكنية تنتهي بهم إلى العيش في عشوائيات.
ونوَّه التقرير بأن سكان العشوائيات يعيشون في بيئة غير صحية، وتنشأ المخاطر الصحية من سوء الصرف الصحي، وعدم وجود مياه نقية والتزاحم وسوء التهوية في بيئة المعيشة.
![]() |
|
أهالي الدويقة لم ينتظروا فرق الإنقاذ للبحث عن ذويهم تحت الأنقاض |
في المقابل أعلنت الحكومة على لسان رئيس الوزراء أحمد نظيف أنه كان من المقرر نقل سكان المنطقة التي وقع بها الحادث إلى مساكن جديدة في مشروع ضخم يضم 4 آلاف وحدة سكنية قامت بإنشائها وزارة الإسكان والتعمير!!.
كما حذَّرت دراسة حديثة صادرة عن جامعة القاهرة من ارتفاع نسبة مخالفات البناء في السنوات الأخيرة بشكل غير مسبوق في مصر، موضحةً أن نسبة مخالفات المباني في مصر وصلت إلى 90% من إجمالي العقارات الموجودة؛ حيث وصلت في حي المطرية إلى 92.8%، وحي السلام إلى 94%.
فيما وصل إجمالي محاضر المخالفات التي تم تحريرها عشرة أضعاف تراخيص البناء؛ ففي عين شمس 96% بإجمالي عدد مخالفات 5030 مخالفة، وفي الدرب الأحمر 70%، وفي حي الجمالية 50%، وفي مدينة الإسكندرية التي حدثت فيها كارثة عمارة لوران الأخيرة أعدت المحافظة دراسة أكدت أن هناك 57 ألف قرار إزالة تم صدورها ولم يتم تنفيذها!.
أسيوط في المقدمة
وتحتل محافظة أسيوط وحدها- حسبما تنص الأرقام الرسمية- نصيب الأسد في عشوائيات البناء، تليها محافظة القاهرة التي تحتوي على 68 منطقة عشوائية تحيط بها من كافة الجهات.
وتُعتبر منطقة الدويقة بمنشأة ناصر أكبر المناطق العشوائية بالقاهرة، والتي يسكنها 2 مليون مواطن، فيما يوجد في حلوان مناطق عرب غنيم والحكر وعرب راشد وكفر العلو والتبين والهجانة بالمعصرة وعرب الوالدة والعزبتين، وكذلك البساتين بمنطقة دار السلام، وحتى مدينة السلام التي شيدتها الحكومة على مشارف الصحراء الشرقية للقاهرة، والمكوَّنة من مناطق النهضة والسلام الشرقية والغربية والعصارة الجديدة ومنطقة بركة النصر، والمقامة مبانيها على الكثبان الرملية بشكلٍ غريب.. تحوَّلت إلى عشوائيات منظمة أصبحت وكرًا للمخدرات.
![]() |
|
سيدة تبكي أسرتها التي راحت ضحية لكارثة الدويقة |
وفي وسط القاهرة لا تغيب قلعة الكبش عن الأذهان، ويبلغ عدد سكانها حوالي 40 ألف نسمة، وتجاورها مقابر سيدي زين العابدين، إضافةً إلى مناطق عزبة خير الله بدار السلام، وكفر قنديل بالجيزة، وأرض عزيز عزت بإمبابة، وأرض مطار إمبابة، وعزبة القرود بمصر القديمة، وعزبة أبو حشيش المتاخمة لمنطقة حدائق القبة، وحكر الشرابية المتاخم لشارع شركات البترول بغمرة.
(إخوان أون لاين) طرح الأزمة على الخبراء والمتخصصين، والذين أكدوا أن أزمة العشوائيات وكوارثها ستستمر طالما أصرَّت الحكومة على مصادرة الحلول من المجتمع المدني وإجهاض جميع المحاولات غير الرسمية لمجابهة المشكلة والتعامل معها بنظرة حديثة لا تمتلك تكاليفها خزانة الحكومة.
وأشاروا إلى أن الأزمة لها بُعد خطير هو إصرار الدولة على رعاية السكن الفاخر على حساب سكن محدودي الدخل، حتى بات ملخص وضع السكن في مصر: "سكن بلا سكان وسكان بلا سكن".
تحسين الأوضاع
في البداية.. يؤكد د. أبو زيد راجح رئيس مركز بحوث البناء والإسكان السابق والخبير في قضايا الإسكان، أن القضية خطيرة ومؤلمة، وتحدَّث الجميع عنها مرات عديدة، خاصةً منطقة المقطم وخطورتها على المباني، ونتجت من تراكمات أهملت على سنوات عديدة.
ويشير إلى أن المنازل الموجودة في منطقة الدويقة بنيت في أماكن لم تكن ليُبنى فيها؛ لكونها منطقة انهيارات، وسبق أن حدث فيها انهيارات سابقة.
وأوضح أن مصر لديها 16 مليون نسمة يعيشون تحت رحمة العشوائيات، معتبرًا أن النظر الدائم إلى العشوائيات على أنها مشكلة نظرة قاصرة؛ لأنها جزء من النسيج العمراني المصري شئنا أم أبينا.
ويرى أن الدولة مطالبة بشدة بتحسين الأوضاع في العشوائيات، والعمل على الوقوف بجانب سكانها وحل مشاكلهم، محذرًا من نسيان الأزمة بعد أيام من هدوئها.
سكان بلا مسكن
ويشدد د. ميلاد حنا رئيس لجنة الإسكان الأسبق بمجلس الشعب على أن المسألة ليست مسألة الدويقة وما حدث فيها فحسب، ولكن المسألة أن مصر مليئة بالأحياء العشوائية التي انهارت بعضها وسينهار الباقي فيها لعدم بنائها السليم ولكثرتها.
وحذر من تَكرار أزمة عشوائيات الدويقة في أكثر من مكان آخر ما لم تتغير النظرية المسيطرة على الحكومة في التعامل مع العشوائيات، مشيرًا إلى أن سكان العشوائيات "لم يترموا على المرِّ إلا بعد أن رأوا الأمرَّ منه"، واضطروا إلى ركوب الصعب وتعريض حياتهم للخطر بعدما رأوا أن حياتهم أخطر في العراء.
وأكد أن أزمة العشوائيات وعدم التعامل معها جعل المجتمع غير مستقر بسبب أزمة الإسكان المعقدة في مصر التي أنهت حال السكن في مصر إلى سكن بلا سكان وسكان بلا سكن، هم سكان العشوائيات، الذين افتقدوا الرعاية السكنية وكل مقومات الرعاية الاجتماعية والآدمية.
"عشوائية الانتهازية"!
د. مجدي قرقر

وأشار د. مجدي قرقر أستاذ التخطيط العمراني بجامعة القاهرة إلى أن ما حدث في الدويقة ظاهرة علمية معروفة ومتكررة في حواف الجبال، خاصةً الجبال الهشة مثل جبل المقطم؛ ولذلك من الخطر البناء على الحواف تمامًا بسبب التزحلق الصخري (land slide).
وأوضح أن البناء المتعارف عليه في هذه الأماكن يتطلب الابتعاد عن حافة الجبل بما لا يقل عن 100 متر أو 150 مترًا والابتعاد عن سفحه لمسافة لا تقل عن 100 متر، فضلاً عن الاهتمام بالناحية التصميمية من حيث العناية بمشكلات المياه والصرف الصحي؛ حتى لا تتسرب المياه للتربة، موضحًا أن قضية العشوائيات قديمة؛ ترجع إلى الستينيات، وتفاقمت في السبعينيات، وتسبَّبت فيها الانتهازية السياسية التي يمارسها النظام الحاكم في تركيز الخدمات في المدن الكبيرة على حساب المدن الصغيرة والريف.
وأشار إلى أن هذه الانتهازية أوجدت هجرة إلى القاهرة أضرَّت بالتخطيط العمراني تمامًا وقتلته؛ حيث ظهرت العشوائيات في أطرافها بسبب عدم وجود فرصة للسكن داخلها.
وعن حل هذه الأزمة أكد أن العشوائيات يحتاج بعضها إلى إزالة، والبعض الآخر يحتاج إلى تطوير، وتحتاج ميزانية لا تقل عن 10 مليارات جنيه.
المبادرات
ممدوح الولي

بُعد آخر في القضية يكشفه ممدوح الولي نائب رئيس التحرير بجريدة (الأهرام) وصاحب أهم دراسة عن سكان العشوائيات العشش في مصر، موضحًا أن المشكلة في أن برنامج الحكومة للاهتمام بالعشوائيات انتعش فقط في التسعينيات؛ بسبب ربط الحكومة أحداث العنف بالعشوائيات، ولما هدأت الأوضاع وانسحب البعد الأمني عن القضية تهاوت المخصصات المالية حتى بلغت 150 مليون دولار.
وأكد أن هذا المبلغ هزيل للغاية بجانب وجود 1200 منطقة عشوائية يسكنها 18 مليون نسمة وسط مطالب بإنشاء طرق ومياه وصرف صحي وكهرباء، موضحًا أن الأخطر من هذا أن جميع الإحصائيات الموجودة عن المدن فقط غير حديثة، بينما عشوائيات الريف في طي النسيان.
وتوقَّع أن تستمر مثل هذه الكوارث طالما ابتعد الجميع عن العلاج الجذري لمشكلة العشوائيات في مصر، وانصبَّ الاهتمام على الإعلام الذي يقدر بنوعية موقع الحادث وعدد الضحايا رغم استمرار الانهيارات وعدم توقفها.
وأوضح أن جميع المحاولات غير الرسمية للتعامل مع العشوائيات أُجهضت من قِبل الحكومة لأسباب غير مبرَّرة؛ منها محاولة رجال أعمال عرب إعمار وسط القاهرة على غرار إعمار وسط لبنان، والتي أجهضت لصالح بعض رجال الأعمال، وكذلك محاولة البنك الأهلي المصري تطوير منطقة بولاق أبو العلا.
وأكد أن المطلوب من الحكومة أن تعطيَ فرصة للمبادرات؛ لأن حجم المشكلة كبير، وهناك زيادة سكانية في ظل قلة أعداد الوحدات السكنية المنشأة، مشددًا على أن الأمر يتجاوز الاهتمام الحكومي إلى أهمية وجود المجتمع المدني والشركات ورجال الأعمال ووزارة الأوقاف لإيجاد حلول غير نمطية للحل.
حكومة شرسة
وعن دور المجتمع المدني اتهم محمد الحلو مسئول الوحدة القانونية بمركز حقوق السكن، محافظ القاهرة والجهات الرسمية بالتورط في مقتل سكان الدويقة، مشيرًا إلى أن المركز قدَّم بلاغًا للنائب العام اختصم فيه المحافظ بسبب عدم حل مشكلة سكان عشوائيات الدويقة.
وأكد أن سياسة الدولة متوجِّهة إلى الإسكان الفاخر وتركت العشوائيات وأهملت إسكان محدودي الدخل رغم التصريحات الرسمية المتفائلة وبرنامج الرئيس الذي يدخل في كل تصريح، ولا تُرى له آثار على أرض الواقع.
وحمَّل الدولة مسئولية العشوائيات وانتشارها وعدم الاعتناء بها، مشيرًا إلى أن كافة قرارات تقنين العشوائيات والتعامل معها يتم إهمالها وعدم احترام حقوق المواطنين في مسكن آمن ومناسب.
وأكد أن دورهم كمجتمع مدني مستمر في تقديم كافة أوجه الدعم للمواطنين، خاصة التضامن القانوني والإغاثي من أجل حماية هؤلاء المواطنين من هذه الحكومة الشرسة.

