جلست أم محمد على إحدى الصخور المنهارة بمنطقة الدويقة وهي تبكي وتنظر إلى الصخرة الكبيرة التي استقرَّت فوق ما كان يُعرف يومًا بأنه منزلها؛ ذلك المكان الذي رأت فيه لآخر مرة ابنها الأكبر محمد قبل أن تتركه وتتجه إلى عملها ثم يصلها خبر انهيار الصخور فوق منزلها لتعود وتصطدم بالمنظر.
أم محمد كغيرها من أهالي منطقة الدويقة المنكوبة لم تكن تملك من حطام الدنيا سوى أربعة جدران من الصفيح في سفح جبل المقطم تأويها هي وأولادها الخمسة، وتُقيهم من برد الشتاء وحرارة الصيف، ولكنها وبعد ما حدث لم تكن تملك تلك الجدران ولا حتى أولادها الخمسة.
كل شيء ضاع
مصرية تبكي أسرتها التي راحت ضحية الكارثة

تقول أم محمد: "لم يتبق شيء لي أحيا من أجله؛ فأولادي كلهم ضاعوا وبيتي ضاع هو الآخر ولم يتبقَّ لي أي شيء في هذه الدنيا، كل شيء أصبح قاسيًا علينا، فالحياة تقسو علينا ولم نعد نُطيقها، وحتى الجبل قسا علينا واستكثر علينا عششًا صغيرةً تأوينا".
تروي أم محمد اللحظات الأخيرة قبل الحادث قائلةً: "استيقظت ككل يوم في تمام السابعة وأعددت البضاعة التي أبيعها ولم أوقظ أبنائي فهم يستيقظون غالبًا في وقتٍ متأخر ومحمد ابني الأكبر يعمل سائق سيارة أجرة وورديته تكون ليلاً، ألقيت نظرة سريعة عليهم ثم أخذت بضاعتي وخرجت ككل يوم دون أن أشعر أن هناك أمرًا كبيرًا سوف يحدث، وصلت إلى المنطقة التي أبيع فيها في سوق منشية ناصر في حدود الساعة التاسعة؛ حيث سمعنا صوتًا يشبه أصوات الانفجارات التي تصاحب تكسير الصخور ولم نعر الأمر اهتمامًا، وما هي إلا لحظات حتى شاهدت الناس تهرول في كل اتجاه، وهي تصرخ (الجبل سقط على العزبة) تركت بضاعتي وجريت في اتجاه منزلي، وعندما وصلتُ صعقتُ من المنظر؛ فالمكان أصبح مكانًا آخر غير المكان الذي غادرته منذ دقائق، الغبار كان متطايرًا في كلِّ مكان ورائحة التراب تملأ المكان والمنازل التي تركتها قبل لحظاتٍ كلها لم تعد موجودة، واحتل مكانها كتل كبيرة من الصخور".
تستجمع أم محمد نفسها وتحاول التغلب على نوبة بكاء انتابتها وتُكمل قائلةً: "جريت في اتجاه المكان الذي كان به منزلي ورأيتُ صخرةً كبيرةً قد استقرَّت فوقه أخذتُ أحفر بيدي في محاولةٍ لإخراج أولادي من تحت الأنقاض لكني تعبتُ بعد فترة والصخرة كانت أكبر من أن تتزحزح وحتى رجال الإنقاذ لم يستطيعوا فعل أي شيء معها حتى الآن".
وتختتم أم محمد حديثها قائلةً: "لا أعرف معنى لحياتي بعد الآن ولا أعرف لماذا أنا حية حتى هذه اللحظة، فلا شيء أحيا من أجله، أشعر حاليًا بأنه كان أرحم لي ألف مرة أن تسحقني تلك الصخرة مع أبنائي كي أستريح".
عمارة الأحلام
وعلى بُعد خطواتٍ من عشة أم محمد كانت هناك عمارة سكنية مبنية حديثًا من الخرسانة المسلحة ومكونة من ثلاثة أدوار، وكانت تُعرف في المنطقة أنها البناء الأعلى والأحدث في المنطقة، يقول سالم أحد سكان المنطقة: "كنتُ أحد العمال الذين بنوا تلك العمارة قبل أقل من عام التي كانت لأب قرر أن يُزوِّج أولاده الثلاثة معه، واستطاع تجميع مبلغٍ من المال لبناء تلك العمارة ودفع رشاوى إلى مهندسي الحي حتى يتركوه يُنشئها، وأخيرًا تحقق له ما كان يصبو إليه، وأكمل بناء عمارته، وزوَّج اثنين من أولاده فيها، إلا أن القدر كان له رأي آخر فلم يستطع أن يهنأ بعمارته الجديدة، ولا أن يرى أبنائه وزوجاتهم وأولاده وهم يملئون عليه بيته".
بسمة وأولادها
أما سعاد التي خرجت تهرول في الأزقة الضيقة للدويقة وهي تلطم وجهها وتصرخ "بسمة ماتت هي وأولادها الأربعة" استوقفنا منظرها وعندما هدأت سألناها عن بسمة فقالت لنا: "بسمة أعز صديقاتي، كانت تمثل لي الأخت الكبرى والصديقة، لم تكن تبخل علينا بشيء وتُقدم يد العون للجميع، أكبر أولادها لا يتعدى الـ12 سنة، وزوجها مسجون منذ عام تقريبًا، هي مَن تقوم بالصرف على أولادها الأربعة وزوجها الموجود بالسجن مما تتكسبه من عملها كبائعة خضراوات، كانت آخر مرة رأيتها فيها ليلة أمس حيث حكت لي عن فرحتها الشديدة لدخول ابنها الكبير الإعدادية والأصغر الابتدائية، وشكت لي غلاء المعيشة ولكنها قالت إنها ستوفر بعض النقود لتشتري لأبنائها ملابس المدرسة الجديدة ومستلزمات المدرسة الأخرى إلا أنها لم تعش لترى يوم دخول ابنها الأكبر الإعدادية".
البيوت الناجية
مبان تظهر خلف الصخرة التي حطمت أجزاءً منها

مكان الكارثة عبارة عن سفح جبل محاصر من الجهتين، ففي الخلف يقع الجبل، وفي الأمام يوجد خط السكة الحديدية؛ مما يجعل من المساكن الموجودة بالمنطقة وكأنها موجودة داخل طبقٍ عميق، أهالي المنطقة يؤكدون أن السيناريو الذي كان متوقعًا أن الصخور في حالة انهيارها سوف تسحق كل المنازل الموجودة في سفح الجبل إلا أن القدر كان له رأي آخر حيث توقفت الكتل الصخرية تاركةً أمامها نحو سبعة منازل لم تُحطم منها سوى الواجهة فقط، (إخوان أون لاين) قابل أصحاب تلك المساكن للتعرف على تجربتهم عن قرب.
يقول محمد قدري صاحب أحد هذه المساكن: "كنت أنام إلى جوار زوجتي وأولادي الأربعة في الحجرة الأخرى، وفجأة سمعتُ صوتَ دويٍّ كبيرٍ وصراخًا لم يدم لأكثر من دقيقةٍ واحدة وملأت الأتربة فجأةً حجرتي وشعرتُ بألمٍ شديدٍ في قدمي والدماء تسيل منها ففتحت عيني لأشاهد أغرب مشهد رأيته طوال حياتي فحائط منزلي لم يكن موجودًا، واحتل مكانه صخرة كبيرة تطايرت منها أجزاء هي التي أصابت قدمي وأصابت زوجتي بإصاباتٍ طفيفة"، ويكمل قائلاً: "هرولت أنا وزوجتي وأيقظنا أولادنا وخرجنا نجري في الشارع ونحن نسمع عويل وصراخ الناس في كل مكان".
ويضيف محمد: "لا أصدق ما حدث حتى الآن، فالصخرة كانت على بُعد سنتيمترات من سريري ولم يكن بيني وبين الموت سوى شعرة، وحتى الآن أنا لا أفعل شيئًا سوى أنني أحمد الله على نجاتي أنا وأهلي من الموت المحقق".
سقوط الشرفة
وتؤكد أم محمود، إحدى سكان المنازل التي نجت بأعجوبة من الانهيار، قائلةً: كنتُ في المطبخ عندما سمعتُ أصوات الارتطام القوية، ولم أعرف في البداية مصدرها ولكني شعرت أن الأرض تهتز وأن السقف يتساقط إلا أنه لم يحدث له شيء، فخرجتُ إلى شرفة منزلي لأشاهد ما يحدث وبمجرد أن فتحت باب الشرفة فوجئت أن الشرفة لم تعد موجودة وأن الباب كان يؤدي إلى الفراغ، وأن أسفل الشرفة استقرت صخرة كبيرة بعد أن سحقت شرفتي".
وتكمل أم محمود "الانهيار أخذ كل جيراني وأحبائي فتحت كل صخرة يوجد شخص أعرفه أو عائلة تناولتُ الطعام في منزلهم يومًا ما ولم يتبق لي بعد كل ما حدث سوى أن أشكر الله على النجاة، وأن أقول (حسبي الله ونعم الوكيل فيمَن كان السبب)".