فجَّر الدكتور خالد عودة أستاذ الطبقات والحفريات بكلية العلوم- جامعة أسيوط، وأحد أهم خبراء الجيولوجيا حول العالم مفاجأةً من العيار الثقيل، على خلفية الكارثة المُروِّعة التي استيقظ عليها صباح اليوم أهالي منطقة الدويقة شرق القاهرة، إثر سقوط جزءٍ كبيرٍ من جبل المقطم على رءوس المواطنين، نتج عنها مصرع العشرات من البسطاء وإصابة المئات، وقال إن هناك العديد من المناطق في مصر مرشحة للانهيارات، مشيرًا إلى أن أي بناءٍ يوجد أسفل جبل المقطم بدايةً من منطقة المعادي وحتى مدينة نصر هو بناء مُعرَّض لمثل تلك الحوادث؛ لأن حافة جبل المقطم حافة غير مستقرة والانهيارات أمر متوقع جدًّا في أي مكان أسفل تلك الحافة.
![]() |
|
د. خالد عودة |
وشدد الدكتور عودة الذي يشغل حاليًا منصب نائب رئيس الفريق الدولي ورئيس الفريق البحثي المصري لمشروع القطاع الدولي العياري للباليوسين- الأيوسين في حوارٍ خاص لـ(إخوان أون لاين) على أن مشروع أبراج القلعة الذي يتم إنشاؤه حاليًا في سفح جبل المقطم يُهدد الجبل كله بالانهيار.
واستنكر الدكتور عودة الأسلوب الذي يتعامل به رجال الإنقاذ، مؤكدًا أن تكسير الصخور حل بطيء للغاية، كما أن تحريك هذه الصخور بالأوناش فكرة سخيفة؛ لأن الأحجار كبيرة للغاية وأكبر من قوة الأوناش، كما أن المنطقة لا تُتيح الفرصة لكي تعمل الأوناش.. فإلى تفاصيل الحوار:
* بدايةً يا دكتور ما تفسيركم العلمي لما حدث في الدويقة؟
** ما حدث في الدويقة هو نتيجة طبيعية جدًّا ومُتوقَّعة منذ العام 1993م، فحواف جبل المقطم المطلة على القاهرة هي حواف غير طبيعية (غير مستقرة)، فقد تعرَّضت على مدار الزمن إلى التكسير بصفةٍ مستمرة، فمنذ القدم استخدم القدماء المصريون حجارة المقطم لبناء الأهرامات وحتى في عصرنا الحديث، فالمقطم يُعتبر من أهم مصادر الحجارة الجيرية والتكسير مستمر فيه منذ قديم الزمن، وهناك لجان جيولوجية عدة تشكَّلت منذ العام 1993م، حذَّرت من مثل هذه الحوادث.
ذوبان الجبل
* وما النتيجة التي خلصت إليها تلك اللجان التي حذَّرت بناءً عليها من مثل هذه الحوادث؟
** هذه اللجان خلصت إلى أن الحجر الجيري المكوِّن لجبل المقطم يذوب بسبب تسرب المياه إليه، خاصةً مياه الصرف الصحي، وأن الشقوقَ بين الصخور تزداد اتساعًا وتتآكل، وأن هذه كلها شواهد تُنبِئ بانهيار حواف الجبل.
براءة الطَّفلة
* لكن البعض أرجع السبب الحقيقي وراء الانهيار إلى انكماش طبقة الطَّفلة أسفل الحجر الجيري؛ وهو ما أدَّى إلى انزلاق الصخور.. فهل هذا التفسير يتطابق مع ما توصَّلت إليه اللجان المتخصصة؟
** هذا كلام غير علمي بالمرة، فطبقة الطَّفلة أسفل الحجر الجيري في جبل المقطم صغيرة للغاية وانكماشها لا يؤثر بشكلٍ من الأشكال على صخور الجبل، فهذا التصور ممكن أن يحدث في حالة أن تكون طبقة الطَّفلة سميكة، وهذه الظاهرة توجد في منطقة إسنا جنوب مصر؛ حيث تُعرف الطَّفلة هناك باسم طَفلة إسنا وسمكها كبير للغاية وانكماشها يؤدي إلى انهياراتٍ في طبقات الحجر الجيري أو ما يُعرف باسم (انزلاق الحجر الجيري)، أما ما حدث في الدويقة فهو انهيار بفعل تسرب المياه إلى طبقات الحجر الجيري فمعروف علميًّا أن الحجر الجيري يذوب بفعل المياه التي توجد بها نسب أحماض ولو صغيرة.
* ألا ترى أن هناك العديد من المناطق الأخرى المرشحة لمثل تلك الحوادث؟
** بالطبع، فأي بناءٍ يوجد أسفل جبل المقطم من أول منطقة المعادي وحتى مدينة نصر هو بناء مُعرَّض لمثل تلك الحوادث، فكما قلت فإن حافة جبل المقطم هي حافة غير مستقرة والانهيارات أمر متوقع جدًّا في أي مكان أسفل تلك الحافة.
الخطر القادم
سقوط الكتل الصخرية أحدث دمارًا كبيرًا في حي الدويقة

* وهل لا تزال تلك الحافة تتعرض للانتهاكات حتى الآن؟
** بالتأكيد، فالتصريح بالبناء فوق جبل المقطم والمدن الكبيرة والفخمة التي نشاهدها كل يوم فوق الجبل هي أكبر خطر يُهدد الجبل، فمياه الصرف المنصرفة عنها والمياه المتسربة بسبب دق أساساتها تُشكِّل الخطر الأكبر على حافة الجبل، أما الخطر الأكبر فسوف يأتي من مشروع أبراج القلعة التي تُبنى أسفل سفح الجبل، فالمياه المتسربة منها سوف تودي إلى انهياراتٍ كبيرة في الجبل سوف تعرض العديد من المناطق لحوادث مأساوية مثل ما حدث في الدويقة، وأول هذه المناطق هي منطقة الأبراج نفسها.
* هل تتوقع حوادث أسوأ؟
** نعم، وأتوقع أن يصل الأمر إلى انهيار الجبل بأكمله فمشروع مثل مشروع أبراج القلعة يهدد أساس الجبل وستكون نتيجته مأساوية.
إزالة الأبراج
* وما الحل إذًا؟
** الحل الوحيد هو أن تتم إزالة كل المساكن فوق وتحت الجبل، فالجبال تحت المقطم مهددة بفعل الانهيارات، والمباني فوق الجبل هي مَن يُهدد الجبل وتتسبب في تلك الانهيارات، وكثيرًا ما عاينَّا مباني فوق الجبل تعاني أساساتها من مشاكل بفعل ذوبان الحجر الجيري تحتها.
تحريك الصخور
* يحاول رجال الإنقاذ منذ العاشرة صباحًا تحريك الكتل الجيرية المنهارة أو تكسيرها ولم يفلحوا حتى الآن، في رأيكم ما هو الحل الأمثل؟
** الحل الأمثل هو الحل الذي اتبعه القدماء المصريون منذ سبعة آلاف سنة، وهو تحريك الصخور كما هي فوق عربات من جذوع الأشجار ذات عجلات كثيرة بطريقة الجر، فالقدماء المصريون حركوا كتل أكبر من تلك الصخور بعشرات المرات من منطقة المقطم وحتى منطقة الأهرامات بالجيزة عن طريق جرها فوق عربات كبيرة لها عجلات كثيرة من جذوع الأشجار، أما التكسير فهو حل بطيء للغاية وسيتوفى الخمسمائة شخص الموجودين تحت الحجارة قبل تكسير حجر واحد، وفكرة تحريك هذه الصخور بالأوناش فكرة سخيفة لأن الأحجار كبيرة للغاية وأكبر من قوة الأوناش، كما أن المنطقة لا تتيح الفرصة لكي تعمل الأوناش.
