عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله". قال أبو معاوية: عليكم.
وفي رواية عنه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه"(1).
يقول الإمام النووي: "قال ابن جرير وغيره هذا حديث جامع لأنواع من الخير، لأن الإنسان إذا رأى من فضل عليه في الدنيا، طلبت نفسه مثل ذلك واستصغر ما عنده من نعمة الله تعالى، وحرص على الازدياد، ليلحق بذلك أو يقاربه، هذا هو الموجود في غالب الناس، وأما إذا نظر في أمور الدنيا إلى من هو دونه فيها، ظهرت له نعمة الله تعالى عليه فشكرها وتواضع وفعل الخير(2).
وقال ابن بطال: هذا الحديث جامع لمعاني الخير، لأن المرء لا يكون بحال تتعلق بالدين من عبادة ربه مجتهدًا فيها إلا وجد من هو فوقه، فمتى طلبت نفسه اللحاق به، استقصر حاله فيكون أبدًا في زيادة تقربه من ربه، ولا يكون على حال خسيسة من الدنيا، إلا وجد من أهلها من هو أخس حالاً منه، فإذا تفكر في ذلك علم أن نعمة الله وصلت إليه دون كثير ممن فضل عليه بذلك، من غير أمر أوجبه، فيلزم نفسه الشكر، فيعظم اغتباطه بذلك في معاده.
وقال غيره: في هذا الحديث دواء الداء، لأن الشخص إذا نظر إلى من هو فوقه لم يأمن أن يوثر ذلك فيه حسدًا، ودواؤه أن ينظر إلى من هو أسفل منه، ليكون ذلك داعيًا إلى الشكر.
عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "خصلتان من كانتا فيه كتبه الله شاكرًا صابرًا، من نظر في دنياه إلى من هو دونه فحمد الله على ما فضله به عليه، ومن نظر في دينه إلى من هو فوقه فاقتدى به"(3).
وعلى ذلك فمن نظر في دنياه إلى من هو فوقه، فأسف على ما فاته، فإنه لا يكتب شاكرًا ولا صابرًا(4).
والمسلم حين يحمد الله ويشكره على نعمائه وإن قلت، فهو بذلك يستجلب الزيادة من خزائن الجواد الكريم ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (إبراهيم: من الآية 7).
وفي نفس المعنى يروي أبو ذر رضي الله عنه وصية النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: "وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني وأن لا أنظر إلى من هو فوقي". وقد أوصى الله تعالى نبيه بذلك، قال الله تعالى: ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)﴾ (طه).
يقول الله تعالى لنبيه محمد- صلى الله عليه وسلم- لا تنظر إلى ما بأيدي هؤلاء المترفين وأشباههم ونظرائهم وما هم فيه من النعيم، فإنما هو زهرة زائلة، ونعمة حائلة لنختبرهم بذلك، وقليل من عبادي الشكور.
وفي الصحيح أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما دخل على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في تلك المشربة التي كان قد اعتزل فيها نساءه، حين آلى منهن، فرآه متوسدًا مضطجعًا على رمال حصير، وليس في البيت إلا صبرة من قرط، واهبة معلقة، فابتدرت عينا عمر بالبكاء فقال له رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "ما يبكيك يا عمر؟" قال: يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه، وأنت صفوة الله من خلقه.
فقال: "أوفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا". فكان- صلى الله عليه وسلم- أزهد الناس في الدنيا مع القدرة عليها، وإذا حصلت له ينفقها هكذا وهكذا في عباد الله، ولم يدخر لنفسه شيئًا لغد.
وزهرة الدنيا: بركات الأرض، فعن أبي سعيد أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم قال-: "إن أخوف ما أخاف عليكم ما يفتح الله لكم من زهرة الدنيا" قالوا: وما زهرة الدنيا يا رسول الله؟ قال: "بركات الأرض".
وقيل: زهرة الدنيا: أي زينة الحياة الدنيا.
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾.
يعني إذا أقمت الصلاة أتاك الرزق من حيث لا تحتسب. وعن ثابت قال: "كان النبي- صلى الله عليه وسلم- إذا أصابت أهله خصاصة نادى أهله بالصلاة: "صلوا، صلوا".

قال ثابت: وكانت الأنبياء إذا نزل بهم أمر فزعوا إلى الصلاة.
السلف كانوا يوصون أبناءهم بذلك:
فعن هشام بن عروة بن الزبير قال: قال لنا أبي: إذا رأى أحدكم شيئًا من زينة الدنيا وزهرتها، فليأت أهله، وليأمر أهله بالصلاة وليصطبر عليها، فإن الله قال لنبيه- صلى الله عليه وسلم- ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾.
عن أبي نافع قال: أضاف النبي- صلى الله عليه وسلم- ضيفًا ولم يكن عند النبي- صلى الله عليه وسلم- ما يصلحه، فأرسلني إلى رجل من اليهود أن بعنا أو أسلفنا دقيقًا إلى هلال رجب، فقال: لا، إلا برهن. فأتيت النبي- صلى الله عليه وسلم- فأخبرته فقال: "أما والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض، ولو أسلفني أو باعني لأديت إليه، اذهب بدرعي الحديد" فلم أخرج من عنده حتى نزلت هذه الآية ﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ كأنه يعزيه عن الدنيا(5).
ومما يدل على ضآلة الدنيا بكل زينتها قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (33)﴾ (الزخرف).
يقول العلماء: ذكر حقارة الدنيا وقلة خطرها، وأنها عنده من الهوان بحيث كان يجعل بيت الكفرة ودرجها ذهبًا وفضةً لولا غلبة حب الدنيا على القلوب، فيحمل ذلك على الكفر، قال الحسن: المعنى لولا أن يكفر الناس جميعًا بسبب ميلهم إلى الدنيا، وتركهم الآخرة لأعطيناهم في الدنيا ما وصفناه لهوان الدنيا عند الله عز وجل(6).
وقال كعب: إني لأجد في بعض كتب الله المنزلة، لولا أن يحزن عبدي المؤمن، لكللت رأس عبدي الكافر بالإكليل، ولا يتصدع ولا ينبض منه عرق بوجع، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر"(7).
وعن سهل بن سعد قال: كنا مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بذي الحليفة، فإذا هو بشاة ميتة شائلة برجلها، فقال: "أترون هذه هينة على صاحبها؟ فوالذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على صاحبها ولو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة، ما سقى كافرًا منها قطرة أبدًا" (8).
وما أحكم من قال:
فلو كانت الدنيا جزاءً لمحسن إذًا لم يكن فيها معاش لظالم
لقد جاع فيها الأنبياء كرامة وقد شبعت فيها بطون البهائم(9)
وقال آخر:
تمتع من الأيام إن كنت حازمًا فإنك فيها بين ناهٍ وآمر
إذا أبقت الدنيا على المرء دينه فما فاته منها فليس بضائر
لا تزن الدنيا جناح بعوضة ولا وزن رق من جناح لطائر
فلم يرض بالدنيا ثوبًا لمحسن ولا رضي الدنيا عقابًا الكافر(10)
عن جابر بن عبد الله- رضي الله- عنه قال: رآني عمر رضي الله عنه وأنا متعلق لحمًا فقال: يا جابر ما هذا قلت: لحم اشتريته بدرهم لنسوة عندي قرمن(11) إليه، فقال: أما يشتهي أحدكم شيئًا إلا صنعه، أما يجد أحدكم أن يطوي بطنه لجاره وابن عمه؟ أين تذهب هذه الآية ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمْ الدُّنْيَا﴾ (الأحقاف: من الآية 20)، قال: فما انفلت منه حتى كدت أن لا أنفلت(12).
قال ابن العربي: وهذا عتاب منه على التوسع بابتياع اللحم، والخروج عن جلف الخبز والماء، فإن تعاطي الطيبات من الحلال تستشره لها الطباع، وتستمرئها العادة، فإذا فقدتها استسهلت في تحصيلها بالشبهات حتى تقع في الحرام المحض، بغلبة العادة واستشراه الهوى على النفس الأمارة بالسوء.
فأخذ عمر الأمر من أوله، وحماه من ابتدائه كما يفعله مثله.
والذي يضبط هذا الباب ويحفظ قانونه: على المرء أن يأكل ما وجد، طيبًا كان أو قفارًا، ولا يتكلف الطيب ويتخذه عادةً، وقد كان النبي- صلى الله عليه وسلم- يشبع إذا وجد ويصبر إذا عدم، ويأكل الحلوى إذا قدر عليها، ويشرب العسل إذا اتفق له، ويأكل اللحم إذا تيسر، ولا يعتمد أصلاً، ولا يجعله ديدنًا، ومعيشة النبي- صلى الله عليه وسلم- معلومة وطريقة الصحابة منقولة، فأما اليوم عند استيلاء الحرام، وفساد الحطام، فالخلاص عسير، والله يهب الإخلاص، ويعين على الخلاص برحمته.
وقيل في تفسير ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾:
إن التوبيخ واقع على ترك الشكر، لا على تناول الطيبات المحللة، وهو حسن، فإن تناول الطيبات الحلال مأذون فإذا ترك الشكر عليه، واستعان به على ما لا يحل له، فقد أذهبه والله أعلم(13).
والخشية كل الخشية على الأمة الإسلامية لا تكون من شظف العيش، وضيق الحياة، وإنما تكون الخشية من انفتاح الدنيا عليهم وتنافسها والتكالب عليها، حتى تراق الدماء في سبيلها وهذا ما أخبر به الصادق الأمين، فعن عمرو ابن عوف الأنصاري- رضي الله عنه- أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بعث أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- هو صالح أهل البحرين، وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافقت صلاة الصبح مع النبي- صلى الله عليه وسلم- فلما صلى بهم الفجر انصرف، فتعرضوا له، فتبسم رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حين رآهم، وقال: "أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء؟" قالوا: أجل يا رسول الله، قال: "فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم"(14).
---------
المراجع:
1- النووي على مسلم 18/97/2963/9.
2- النووي على مسلم 18/97.
3- فتح الباري 11/323.
4- مرجع سابق.
5- الدرر المنثور 4/560.
6- القرطبي 16/56.
7- مسلم بشرح النووي 18/93/2956.
8- سنن ابن ماجه 2/1376/4110.
9- القرطبي 16/59.
10- القرطبي 16/59.
11- القرم: شدة الشهوة إلى اللحم.
12- الدرر المنثور 6/12.
13- القرطبي 16/134.
14- فتح الباري 6/752/3158.
وفي رواية عنه أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال: "إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه ممن فضل عليه"(1).