حمدًا لله تعالى، وصلاةً وسلامًا على حبيبنا وقدوتنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد..

فإننا نتأمل في هذه الحلقة، آيات الإنفاق، وما يقابلها من الربا، وهو ما حظي به الجزء الثالث من سورة البقرة، والمتأمل في هذه الآيات، يجد تركيزًا على الإنفاق والحث عليه، والحرص على أن يكون لوجه الله تعالى. وتركز الآيات على الفرق الشاسع بين الإنفاق، الذي يكون لوجه الله تعالى، وبين الذي يكون ابتغاء مرضاة الناس، ثم الفرق الهائل بين الإنفاق، الذي فيه بذل للمال، وبين الربا، الذي فيه جمع للمال من جيوب المقترضين.

ولعلمه سبحانه وتعالى، بأن الإنسان شحيح النفس، وشديد الحرص على المال، فإنه سبحانه وتعالى، نوع في أساليب الحث على الإنفاق، حتى يُخرج الإنسانَ مما هو فيه من شح مهلك. فتارة يُذَكر الإنسان بأن المال الذي بين يديه، إنما هو ماله سبحانه وتعالى، فيأمره بالإنفاق من مال الله الذي بين يديه، وذلك قبل أن يموت فيندم على عدم إنفاقه، ويومها لا يجد مالاً ينفعه، ولا صديقًا يؤازره، ولا تجارة تأتي له بربح يرضيه، ولا شفيعًا يشفع له. فيقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمْ الظَّالِمُونَ (254)﴾ (البقرة).

وتارة يضرب الله الأمثال للمسلم، ليقرب له الصورة ويوضح له الأمر. وهذه الصورة إنما تكون أشد وضوحًا عند الذين يعملون بالزراعة، عندما يضع الحارث حبةً في الأرض، فتنبت له سبعة أعواد، وكل عود يحمل سنبلة فيها مائة حبة، فتكون الحبة قد أتت بسبعمائة حبة، فأي ربح أعظم من هذا الربح؟ وأي فرحة يشعر بها صاحب الأرض؟ إنه لصاحب حظ عظيم، حيث إن الله تعالى قد مَنَّ عليه بالخير الوفير. فإذا كنت تحب ذلك، فاعلم بأن الإنفاق هكذا، تثاب على الحسنة بسبعمائة حسنة، بل إن هناك ما هو أفضل من ذلك بكثير، ألا وهو: مضاعفة الأجر والثواب لمن يشاء، وتأمل معي جيدًا أن هذا الأجر المضاعف لا يعرف أحد قدره، ولا عده، ولا حجمه إلا الله تعالى، ولكن بشروط: أن تبتغى بالصدقة وجه الله تعالى، وألا تتبع صدقتك بالمن على من تصدقت عليه، وألا تستغل الذي تصدقت عليه، فتؤذيه وتؤذي شعوره، بذلك تنال الجائزة من رب العباد. قال تعالى:  ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (262)﴾ (البقرة).

ويؤكد المولى سبحانه وتعالى على الإخلاص في أمر الصدقة، حتى لا يخسر المتصدق دنياه وأخراه، فيخسر الدنيا بضياع ماله، ويخسر الآخرة لإنفاقه المال لغير وجه الله، فيضيع أجره في الآخرة، ويحث المولى سبحانه وتعالى على الإخلاص، حتى ينال المسلم ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة، حيث إن الرياء لا يأتي بخير، وذلك كما قال الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "إن الله، إذا كان يوم القيامة، ينزل إلى العباد، ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية، فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل قتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت بما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله له: بل أردت أن يقال: فلان قارئ، فقد قيل: ذلك. ويؤتى بصاحب المال، فيقول الله له: ألم أوسع عليك؟ حتى لم أدعك تحتاج إلى أحد؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما آتيتك؟ قال: كنت أصل الرحم، وأتصدق. فيقول الله له: كذبت، وتقول الملائكة: كذبت. ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جواد فقد قيل ذلك، ويؤتى بالذي قتل في سبيل الله، فيقول الله: في ماذا قتلت؟ فيقول: أمرت بالجهاد في سبيلك فقاتلت حتى قتلت، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت. ويقول الله: بل أردت أن يقال: فلان جريء، فقد قيل ذلك. يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة"، وهاهي الآيات تؤكد على هذا المعنى، قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (265)﴾ (البقرة)، لا يستوي من يزرع في الصخر والحجر، ومن يزرع في تربة خصبة، وكذلك لا يستوي من يبتغي وجه الناس، مع من يبتغي وجه الله تعالى، فشتان بين الثرى والثريا.

وهنا يأتي السؤال: من أي شيء تكون النفقة والصدقة؟ أمِنَ الطيب، أم من الخبيث؟ وسل نفسك أنت؟ ماذا تحب أن تُعطَى إذا كنت فقيرًا؟ أتحب أن تعطَى من الخبيث، أم من الطيب؟ وما هو شعورك إذا أعطاك أحد شيئًا رديئًا؟ ألست تشعر بالإهانة؟. أخي المنفق، ثق في أن صدقتك، إنما تقع في يد الله قبل أن تقع في يد الفقير، فتخير أطيبها إليك وأحسنها وأجملها، لتعطيها لله تعالى، كما كانت تفعل عائشة رضي الله عنها، فلقد ورد عنها أنها كانت تعطر مال الصدقة بالمسك، ولما سئلت في ذلك؟ قالت: إنها تقع في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، ومن هنا كان قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (268)﴾ (البقرة)، ويا له من أمر خطير عندما يُصدق العبدُ الشيطانَ، ويُكَذب الرحمنَ. يصدق الشيطان في وعده المنفقين بالفقر، ويكذب الرحمن في وعده المنفقين بالفضل والرحمة، فأيهما تطيع وأيهما تعصي؟ أيهما تصدق، وأيهما تكذب؟ إن الله تعالى صاحب العطاء والفضل، وما من شيء في الوجود إلا قائم بأمره، وخاضع لحكمه وإرادته. فلا تمطر سماء ولا يجري نهر ولا ينبت نبات إلا بإذنه، ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)﴾ (الأنعام).

وتؤكد الآيات على علم الله تعالى المحيط بكل شيء، فما من شيء ينفقه العبد في ليل، أو نهار، في السر، أو في العلن، إلا ويعلمه الله، لكن أهم شيء، أن تحافظ على نفسك من الوقوع في الرياء، ويمكنك أن تجهر بإخراج الزكاة الواجبة، ففي الجهر بها تشجيع للآخرين، وأن تسر بإخراج الصدقات التطوعية، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (270) إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (271) لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (272)﴾ (البقرة)، إن هذا هو شأن المؤمن لا سواه، إنه لا ينفق إلا ابتغاء وجه الله، لا ينفق عن هوى ولا عن غرض، لا ينفق وهو يتلفت للناس يرى ماذا يقولون! لا ينفق ليركب الناس بإنفاقه ويتعالى عليهم ويشمخ! لا ينفق ليرضى عنه ذو سلطان، أو ليكافئه بنيشان! لا ينفق إلا ابتغاء وجه الله، خالصًا متجردًا لله، ومن ثم يطمئن لقبول الله لصدقته؛ ويطمئن لبركة الله في ماله؛ ويطمئن لثواب الله وعطائه؛ ويطمئن إلى الخير والإحسان من الله جزاء الخير والإحسان لعباد الله، ويرتفع ويتطهر ويزكو بما أعطى وهو بعد في هذه الأرض، وعطاء الآخرة بعد ذلك كله فضل!.

ثم يخص بالذكر مصرفًا من مصارف الصدقة؛ ويعرض صورة شفة عفة كريمة نبيلة، لطائفة من المؤمنين، صورة تستجيش المشاعر، وتحرك القلوب لإدراك نفوس أبية بالمدد فلا تهون، وبالإسعاف فلا تضام، وهي تأنف السؤال وتأبى الكلام: ﴿لِلفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (274)﴾ (البقرة).

ثم تأتي الآيات، التي تمثل الوجه الآخر المقابل للصدقة، الوجه الكالح الطالح هو الربا!
فالصدقة عطاء وسماحة، وطهارة وزكاة، وتعاون وتكافل، والربا شح، وقذارة ودنس، وأثرة وفردية، والصدقة نزول عن المال بلا عوض ولا رد. والربا استرداد للدين ومعه زيادة حرام مقتطعة من جهد المدين، أو من لحمه، من جهده، إن كان قد عمل بالمال الذي استدانه فربح نتيجة لعمله هو وكده. ومن لحمه إن كان لم يربح، أو خسر، أو كان قد أخذ المال للنفقة منه على نفسه وأهله ولم يستربحه شيئًا، ومن ثم فهو- الربا- الوجه الآخر المقابل للصدقة، الوجه الكالح الطالح!

ولم يبلغ من تفظيع أمر أراد الإسلام إبطاله من أمور الجاهلية ما بلغ من تفظيع الربا، ولا بلغ من التهديد في اللفظ والمعنى ما بلغ التهديد في أمر الربا- في هذه الآيات وفي غيرها في مواضع أخرى- ولله الحكمة البالغة. فلقد كانت للربا في الجاهلية مفاسده وشروره، ولكن الجوانب الشائهة القبيحة من وجهه الكالح ما كانت كلها بادية في مجتمع الجاهلية كما بدت اليوم وتكشفت في عالمنا الحاضر، ولا كانت البثور والدمامل في ذلك الوجه الدميم مكشوفة كلها كما كشفت اليوم في مجتمعنا الحديث. فهذه الحملة المفزعة البادية في هذه الآيات على ذلك النظام المقيت، تتكشف اليوم حكمتها على ضوء الواقع الفاجع في حياة البشرية، أشد مما كانت متكشفةً في الجاهلية الأولى، ويدرك- من يريد أن يتدبر حكمة الله وعظمة هذا الدين وكمال هذا المنهج ودقة هذا النظام- يدرك اليوم من هذا كله ما لم يكن يدركه الذين واجهوا هذه النصوص أول مرة. وأمامه اليوم من واقع العالم ما يصدق كل كلمة تصديقًا حيًّا مباشرًا واقعًا، والبشرية الضالة، التي تأكل الربا وتوكله، تنصب عليها البلايا الماحقة الساحقة من جراء هذا النظام الربوي، في أخلاقها ودينها وصحتها واقتصادها، وتتلقى- حقًّا- حربًا من الله تصب عليها النقمة والعذاب، أفرادًا وجماعاتٍ، وأممًا وشعوبًا، وهي لا تعتبر ولا تفيق! وها هي الآيات تنطق بكل ذلك.

قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (275) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)﴾ (البقرة)، لقد حكم الله على الربا بالدمار والخراب مهما جر من مال، إلا أنه لا بد من الخراب الذي يلحق بصاحبه، سواء كان خرابًا ماليًّا، أو أخلاقيًّا، أو صحيًّا، وأيًّا كان فالخراب أكيد، كما حكم على الصدقة بأنها الطريق إلى تنمية المال وزيادته، وهذا أمر لا ريب فيه.

ويا لها من حرب ضروس يعلنها الجبار سبحانه على المرابين، وعليهم أن ينصاعوا لأمر الله، ويتراجعوا عن غيهم، إن كانوا مؤمنين، فيكتفون برؤوس أموالهم، دون أن يقع عليهم، أو على غيرهم ظلم. قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (279) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (280)﴾ (البقرة).

إن الربا قد انتشر بشكل، أصبح يعكر على المسلم صفو حياته، والتحرز منه أمر ضروري، لسلامة دينه، والتحرز منه كالتحرز من الشوك، فمهما تحرزت منه، فإنه لا بد أن يصيبك ضرره. فلنتحرز بقدر ما نستطيع، ولنحرص على طاعة الله ورسوله مهما كلفنا ذلك من تضحيات. ولنعلم بأن ما عند الله خير وأبقى. والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.