- د. محمد عمارة: التوحد واجب والفرقة عواقبها وخيمة

- د. علي جمعة: اختلاف الرؤى يستبعد أمل الاتفاق

- علماء فلك: الحل في مشروع القمر الصناعي

- د. واصل: لو توحد علماء مكة والأزهر لتبعهم العالم كله

 

تحقيق: هبة مصطفى

حيثما نقلت سمعك وبصرك في أرجاء وطننا الإسلامي فثم جدل دائر، همُّه توحيد الأمة حول هلال واحد يصوم على أثره المسلمون في يوم واحد؛ يعقبه آخر يحل به على المسلمين عيد واحد.. الجدل الذي ازدادت حدته هذا العام مدعومًا بحملة إعلامية شعبية كبيرة تحمل شعار "أمتنا واحدة.. هلالنا واحد" حمل بشرى أكبر للمتابعين له، خاصةً فاقدي الأمل في إصلاح الأنظمة العربية والإسلامية، المؤمنين بأن الإصلاح الشعبي هو السبيل الوحيد للتغيير.

 

"أمتنا واحدة.. هلالنا واحد"

 الصورة غير متاحة

الداعية أحمد الشقيري

الحملة الإعلامية التي أطلقها الداعية الإسلامي "أحمد الشقيري" عبر الفضائيات العربية علا صداها بشدة هذا العام وتصاحب مع رغبة شعبية أشدّ في جمع مسلمي أركان الكرة الأرضية الأربعة على موعد واحد؛ يحقق أحد أهم أهداف شعيرة الصيام.

 

ويشير يوسف مختار أحد أعضاء الحملة إلى أن أسباب نشأة الحملة هو إيجاد طرق لمواجهة الاختلاف السنوي حول رؤية الهلال الذي يجسِّد حال الفرقة التي تعيشها الأمة الإسلامية اليوم، مشيرًا إلى أنها فُرقة تدمي قلوبنا وقلب الرسول صلى الله عليه وسلم.

 

وأضاف مختار: لا يمكن لأي أمة أن تنهض وتقيم حضارةً قويةً مزدهرةً، دون أن تضع لنفسها أو تعتمد تقويمًا صلبًا وموثوقًا فيه، والناس إذا أرادوا العيش سويًّا في مجتمعات متطورة، يجب أن يبنوا إطارًا موحدًا لحساب الأزمنة حتى يتسنَّى لهم تنسيق أنشطتهم، وأداء مناسكهم الدينية، سواءٌ الفردية منها أو الجماعية على أحسن وجه.

 

وحذَّر يوسف من الأبعاد النفسية الخطيرة التي تعتبر نتيجةً حتميةً لاختلاف مواقيت صوم الشعوب الإسلامية وفطرهم، موجِّهًا رسالةً يائسةً إلى الحكام العرب تناشدهم بتوحيد صيام الأمة وهو أقل الواجبات الحالية لتأكيد أن أمتنا واحدة وهلالنا واحد.

 

لماذا يفترق المسلمون؟

 الصورة غير متاحة

د. محمد عمارة

من جانبه أوضح المفكر الإسلامي وعضو مجمع البحوث الإسلامية الدكتور محمد عمارة أن ما يحدث من فُرقة المسلمين يعدُّ أمرًا غير مقبول شرعًا وعلمًا, ولا ندري لمصلحة من يعمل البعض على تفريقهم؟ وقال كل من علماء الدين وعلماء الفلك لهم مقاييسهم ومعاييرهم في استطلاع الرؤية ولكن هل تختلف الرؤيتان العلمية والدينية بين الجبهتين؟! فالأسس العلمية تتطلب حدوث لحظة الاقتران حتى يتمكنوا من رؤية ميلاد الهلال, وهو ما لا ينكره أو يختلف معه علماء الدين الذين يرون أن رؤية مولد الهلال قبل مغيب شمس يوم استطلاع الرؤية يعدُّ أمرًا حتميًّا حتى تتضح الرؤية.. إذن فالرؤيتان متفقتان ولا داعي للخلاف لأنه ربما يؤدي بنا إلى عواقب وخيمة على المستويين الإسلامي والعربي وكذلك على مستوى الجاليات العربية والإسلامية في الخارج.

 

القمر الصناعي

 الصورة غير متاحة

د. علي جمعة

الأمل الشعبي المبشِّر يواجهه إصرار رسمي على إحباطه، عبَّر عنه كلام الدكتور علي جمعة مفتي الديار المصرية؛ الذي استبعد إمكانية توحيد رؤية هلال شهر رمضان المبارك بين الدول الإسلامية هذا العام، مُرجِعًا ذلك إلى غياب التوافق التام بين تلك الدول على توحيد الرؤية!!.

 

وقال معلقًا حول إمكانية حدوث تعاون إسلامي لتوحيد بداية شهر رمضان: "بذلنا مجهودًا كبيرًا في ذلك عن طريق منظمة المؤتمر الإسلامي، لكننا لم نصل للقبول المناسب في مسألة التوحيد"، وأضاف أن المسلمون يختلفون كل عام في تحديد بداية شهر رمضان ونهايته، وقد يصل الاختلاف إلى أربعة أيام أحيانًا، فتعلن دول بداية الشهر بناءً على الحسابات الفلكية، وتعلن أخرى بداية الشهر في يوم ثانٍ بناءً على رؤية الهلال، وفي نفس الوقت تعلن دول أخرى بداية الشهر في يوم ثالث بناءً على رؤية الهلال أيضًا, فكل دولة تسير تبعًا للحسابات الفلكية الخاصة بها.

 

وأضاف أن المنظمة تتبنى مشروعًا جديدًا لإطلاق قمر صناعي يستطلع رؤية الهلال، إلا أنه أضاف: "لقد انتهينا فعلاً من تصميم المشروع والنموذج المبدئي للقمر الصناعي، واستكماله يتطلب عشرة ملايين دولار لا أرى في توفيرها مشكلة؛ فالمبلغ المتبقي يمكن جمعه بسهولة، ويستطيع متبرع واحد من أغنياء المسلمين أن يقدمها.. ولكن المشكلة الأساسية تكمن في الجدل حول اعتماد القمر الصناعي الإسلامي كدليل لرؤية الهلال؛ حيث لم يحظَ هذا المشروع بعد بإجماع من الدول الإسلامية.

 

وأوضح أنه قد تم الاتفاق في مؤتمر جدة عام 1998م بين علماء الإسلام على توحيد رؤية هلال رمضان بين جميع البلاد الإسلامية، خاصةً أن جميعها تشترك في جزء من الليل، على أن تتم هذه الرؤية على الأسس الشرعية لاستطلاع الهلال والمؤكدة بالأدلة البصرية والحسابات الفلكية، مشيرًا إلى تأكيد المؤتمر ضمن التوصيات النهائية على أن توحيد رؤية الهلال ويوم صوم المسلمين واجب شرعي، لا يصح مطلقًا الاختلاف عليه، خاصةً أن كل العالم الإسلامي يشترك في جزء من الليل مع مكة المكرمة، وبالتالي فلا بد من توحيد الرؤية.

 

وكان الإمام الأكبر الشيخ محمود شلتوت رحمه الله قد أفتى بأنه إذا ثبت رؤية هلال رمضان في بلد إسلامي فإنها تثبت في جميع البلاد الإسلامية؛ بمعنى أن ذلك يوجب الصيام على جميع المسلمين، وقد كان هذا الرأي الفقهي معمولاً به في الدولة العثمانية؛ فكانت تكفي إشارة واحدة من "الأستانة" بثبوت الرؤية أو عدمها فيُعتمد ذلك في جميع البلدان الإسلامية، وهذا الرأي يجب أن يسير عليه المسلمون، فلا يختلفوا في أشياء تفرق وحدتهم وتمزق صفوفهم مع أن دينهم التوحيد، وإلههم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد، وقبلتهم واحدة.

 

الدين يجمع والسياسة تفرق

"المشكلة سببها نقل مهمة دينية إلى رجال السياسة"، هكذا يصف الدكتور محمد أبو ليلة رئيس قسم الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر سبب فرقة هلال الأمة، وقال توحيد الرؤية واجب شرعي غير مقبول أبدًا الاختلاف عليه، لا سيما مع تطور وسائل القياس والأقمار الصناعية وتكنولوجيا المعلومات.

 

وأضاف الاختلاف الحالي المعبر عن فرقة المسلمين ليس لما يقال من اختلاف رؤى واستطلاعات البلدان الإسلامية لشهر رمضان والعيد؛ فهي تتفق في موسم الحج؛ ولكن لأن الأمر تم وضعه بيد الحكام وأهل السياسة الذين ينشدون الفرقة ونزع من أيدي أهل الدين والعلم الذين يعملون لتوحيد الصف وجمع الأمة.

 

كما أضاف أن توحيد الرؤية يعدُّ أمرًا حتميًّا؛ لأن عدم فعله يترتب عليه انقسام المسلمين داخل البلد الغربي الواحد "الجاليات الإسلامية والعربية"، فكل منهم يسير تبعًا لرؤية البلد التي ينتمي إليها, رغم أن السُنة حريصة على توحيد الرؤية مهما اختلفت المطالع؛ فرؤية الهلال الذي يبشر باستطلاع المناسبة تختلف من بلدة لأخرى من ساعتين إلى ثلاث ساعات مما لا يستدعي وجود فارق يوم أو يومين.

 

الخلاف غالب

رأي علماء الفلك عبَّر عنه الدكتور صلاح محمود رئيس المعهد القومي للبحوث الفلكية؛ فأوضح الأسس العلمية التي يُستطلع الهلال على أساسها، والتي تتمثَّل في حساب وقت الاقتران في نهاية كل شهر عربي وبداية الشهر الذي يليه، وذلك عن طريق وجود الشمس والقمر والأرض على خط واحد "لحظة الاقتران"؛ مما يدل حينها على ميلاد هلال الشهر الجديد.

 

وأضاف أنه إذا حدثت لحظة الاقتران بعد غروب شمسن يوم استطلاع الرؤية فإن هذا يدل على أن اليوم التالي لحدوث عملية الاستطلاع والاقتران هو المتمم للشهر العربي الحالي، وأن اليوم الذي يليه هو "غرة" الشهر اللاحق له.

 

وعن رؤيته للحلول التي يمكن عن طريقها حل قضية اختلاف الرؤى وعدم توافقها بين بلدان الأمة الإسلامية أوصى الدكتور صلاح محمود باستكمال مشروع قمر صناعي إسلامي لاستطلاع الهلال؛ فهو يمكن كلاًّ من علماء الفلك والدين من رؤية الهلال من مسافات ضيقة على مستوى قريب جدًّا من الشمس، وبعيدًا عن التلوث الأرضي وتلوث الغلاف الجوي.

 

كما أعلن الدكتور محمد سليمان أستاذ الفيزياء الشمسية ورئيس قسم الفلك والشمس الأسبق بالمعهد القومي للبحوث الفلكية الجيوفيزيقية أنه طبقًا للحسابات الفلكية فإن هلال شهر رمضان سيولد في سماء مصر مع غروب شمس يوم الأحد القادم، ويمكن رؤية الهلال هذا العام مع تولده يوم الأحد حين تحدث عملية الاقتران، وبالتالي يكون اليوم التالي وهو يوم الإثنين من الناحية الفلكية هو أول يوم من أيام شهر رمضان.

 

علماء مصر والسعودية

 الصورة غير متاحة

د. نصر فريد واصل

الدكتور نصر فريد واصل مفتي مصر السابق وعضو مجمع البحوث الإسلامية، وأحد المشاركين في مؤتمرات مجمع الفقه الإسلامي على مدار سنوات في سبيل توحيد التقويم الهجري؛ يؤكد حاجة الأمة إلى التوحيد في التقويم الهجري الذي يعدُّ واجبًا شرعيًّا على علماء الأمة القيام به خاصةً الآن مع التطور التكنولوجي الحالي.

 

ويستطرد الدكتور نصر قائلاً: "أمل شعوبنا الإسلامية هو الوحدة على الأقل في الفطر والصيام، ولو تنبَّه علماء مصر والسعودية إلى أهمية التوحيد الذي يعد أمانة في رقبتهم للسعي لتوحَّد العالم الإسلامي".

 

واعتبر واصل أن منظمة المؤتمر الإسلامي لها دخل كبير في العمل على توحيد التقويم الهجري من حيث الجانب السياسي؛ لما في ذلك من دعم كبير لإنهاء الخلاف بين علماء الدول الإسلامية ممن يحملون أجندات سياسية.

 

ويلمح مفتي مصر السابق إلى أن دعوة الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي ليست جديدة، وأنه تم القول بها من قبل خلال مؤتمر التقويم الهجري الموحد الذي عقد بجدة في 1419 هجريًّا؛ حيث صدرت قراراته بالإجماع على توحيد التقويم الهجري والأخذ بوحدة المطالع وليس باختلافها مع وضع الضوابط للرؤية الشرعية، وتوحيد ليلة الرؤية على مستوى العالم العربي والإسلامي والأخذ بالآلية التي من شأنها رفع الخلاف بين من يأخذون بالرؤية البصرية بالعين المجردة ومن يأخذ بالحساب والرؤية الفلكية، إلا أنه أوضح أن المشكلة تكمن في التمويل المادي؛ حيث إنه لم يكن هناك تمويل ولا جدية في التنفيذ.

 

واختتم مفتي مصر السابق حديثه، مشيرًا إلى أنه إذا عجزنا عن أمر التوحد في أمر التقويم الهجري فسيكون لذلك آثاره السلبية على الإسلام والمسلمين، خاصةً أننا لم نستطع أن نتوحد في أمر ديننا، وبالتالي فلن نتوحد في الجانب السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وهو ما يجعل الغرب ينظر إلينا نظرةً غير سوية؛ لأن ذلك ضد دعوتنا بأن الإسلام له هدف واحد.

 

الحديث هنا يطول وذو شجون؛ أبرز خطوطه هو أن "الاتفاق على الاختلاف" شعار يرفعه حكام المسلمين ومسئولوهم؛ مما يؤثر على قرارات علمائها الواقفين على أبوابهم، إلا أن الجدل الذي اشترك فيه غالبية المسلمين هذا العام وغايته توحيد الأمة وتوحيد هلالها فيقدم إشارةً جديدةً وأملاً جديدًا بوحدة مرتقبة تصنعها الشعوب المسلمة رغمًا عن حكامها.