هجمة شرسة تعرَّضت لها العديد من المكتبات الإسلامية، والتي ينتمي أصحابها لجماعة الإخوان المسلمين في اليومين الماضيين، فالحملة التي طالت مكتبات (الفتح) بالجيزة و(الفيروز) بالشرقية و(دار البشير) بالغربية وغيرها من الدور التي يُعرف عن أصحابها أنهم ذوو توجهٍ إسلامي لم تذر الأخضر ولا اليابس في هذه المكتبات إلا وأتت عليه، وتمت مصادرة كل محتويات المكتبات والقبض على كلِّ مَن تصادف وجوده بالمكتبات وقت المداهمة.

 

نوَّة رمضانية معتادة على مستوى محافظات مصر المختلفة ظاهرها المصنفات وباطنها أمن الدولة، فبالرغم من أن هذه الحملات تداهم المكتبات على أنها حملات المصنفات الفنية، إلا أنه دائمًا ما يُصاحب هذه الحملات قوة كبيرة من مباحث أمن الدولة.

 

والمتابع لهذه النوَّة يلاحظ أنها هجمات موسمية يأتي على رأسها الأيام التي تسبق شهر رمضان المعظم وعيدي الفطر والأضحى، وغيرها من المناسبات الدينية أو السياسية المهمة.
(إخوان أون لاين) حاول رصد أبعاد تلك الظاهرة الخطرة وأثرها على صناعة الكتاب في مصر ودور الاتحادات المهنية والغرف التجارية وغيرها من المؤسسات المعنية بالدفاع عن حقوق الناشرين.

 

خسائر بالجملة

بدايةً يروي علي عبد الحميد صاحب مكتبة (الفيروز) بالشرقية وأحد المتضررين من الهجمة الأخيرة تفاصيل ما حدث قائلاً: "هاجمت المكتبةَ حملةٌ من قوات أمن الدولة والمصنفات الفنية ومعهم أكثر من ثلاث سيارات ربع نقل فارغة قاموا بتعبئةِ كل محتوياتِ المكتبة في أكثر من أربعين جوالاً كبيرًا وحملوها على السيارات، ولم يُفرِّقوا بين المصاحف والكتب ولا الآيات القرآنية، وعاملوا كتاب الله بأبشع صورةٍ وقبضوا على العامل الموجود في المكتبة، وتم عرضه على النيابة".

 

وعن تاريخ الهجمات الأمنية على دار (الفيروز) يقول عبد الحميد: "الهجمات أمر معتاد وتقريبًا تم الهجوم على المكتبة أربع مرات، ولكن المرة الأخيرة كانت مختلفة، فالبضاعة المصادرة قيمتها أكثر من 80 ألف جنيه، كما أنهم أخذوا كل البضاعة ولم يتركوا أي كتابٍ في المكتبة".

 

وبالنسبة لمستقبل هذه القضايا يقول: "غالبًا ما يأخذ المقبوض عليهم في هذه القضايا براءة؛ لأن كل الكتب هي كتب مصرح لها ولها رقم إيداع مصري ودولي ومجازة من الأزهر الشريف، ولكن كل هذا يتم فقط لتجفيفِ منابع الشركات ذات التوجه الإسلامي؛ لأن البضاعةَ المصادرة لا تعود دائمًا".

 

وعن المؤسسات التي تقف إلى جانب الناشرين في مثل هذه القضايا يقول عبد الحميد: "لا يقف أحد بجانبنا إطلاقًا بالرغم من أننا أعضاء في اتحادات مهنية مصرية وعربية"، واصفًا مهنة النشر في مصر بأنها مهنة خطرة، وليس هناك دليل أوضح مما حدث مع دار التوزيع والنشر الإسلامية فقد تم إغلاقها في أعقاب إحالة قيادات الإخوان إلى المحاكمات العسكرية الأخيرة، ولم يتم فتح الدار حتى الآن بالرغم من أن كل التقارير أثبت أن الدار سليمة 100%".

 

هجمات دورية

 الصورة غير متاحة

حرب أمنية شرسة ضد المكتبات الإسلامية

أما علاء زعزوع صاحب دار البشير للنشر فله تجربة مريرة مع المداهمات الأمنية، فقد تمَّت مداهمة مكتبته 4 مرات في غضون الأشهر الثمانية الماضية بمعدل مداهمة كل شهرين، ووصل الأمر إلى حدِّ اعتقال سيدات من الذين يعملون لديه بالمكتبة، ويقول حول هذه المداهمات: "هي مداهمات موسمية، فالضابط قال لي وهو يفتش مكتبتي: "كما تستعدون أنتم لرمضان نحن نستعد لرمضان"، وعندما أجبته أننا نستعد لرمضان بالطاعة والفرحة، قال له: "ونحن نريد أن نفرح زي ما أنتم عايزين تفرحوا".

 

ويضيف زعزوع: "الغرض واضح وصريح وهو محاربة أي اتجاه إسلامي لنشر ومكافحة نشر أي فكرة إسلامية، بالرغم من أننا نعمل بشكلٍ قانوني وهم يعلمون ذلك".

 

ويشير إلى أغرب الحملات التي واجهته قائلاً: "تمت مداهمة المكتبة منذ شهرين ونصف الشهر وعندما لم يجدوا مخالفة واحدة في المكتبة كلها استدعوا أحد مفتشي التموين وطلبوا منه تحرير مخالفة فلم يجد مخالفة، فطلب مني شهادة منشأ لبعض لعب الأطفال التي كانت تُباع في المكتبة، وقاموا على إثر هذه المخالفة الغريبة بمصادرة كل الكتب الموجودة بالمكتبة"!!.

 

وعن دور اتحاد الناشرين المصريين وغيرها من الاتحادات المهنية في مساندة أصحاب دور النشر يقول زعزوع: "كانت لي تجربة شخصية مع الاتحاد عندما تم اعتقالي حوالي خمسة أشهر، ولكن التضامن كان على مستوى شخصي والتحرك من قِبل الاتحاد كان تحركًا فرديًّا من أشخاص بعينهم، ولكن الاتحاد على مستواه الرسمي لم يحرك ساكنًا".

 

ويتفق زعزوع مع عبد الحميد في أن النشر مهنة خطرة في مصر، مشيرًا إلى أن صاحب رأس المال يفكر مليون مرة قبل فتح مثل هذا المشروع، ومن يقرر أن يعمل بالنشر غالبًا يقرر العمل في نشر كتب (هايفة) حتى لا يصطدم مع الأمن!!.

 

ويطالب زعزوع اتحاد الناشرين العرب والغرف التجارية وجمعيات حقوق الإنسان وغيرها من المنظمات والمؤسسات والاتحادات المهتمة بقضايا الرأي والنشر بالتكاتف من أجل الوقوف في وجه مثل هذه الانتهاكات التي تُرتكب ضد أصحاب دور النشر".

 

وكشف زعزوع أنه في الهجمة الماضية، وفي أغلب الهجمات التي تمَّت فيها مداهمة مكتبته كان يتصل به أمين شرطة ومحامٍ تابعان لأمن الدولة ويُعيدان بيع كتبه وبضاعته له مرةً أخرى بمبالغ كبيرة.

 

سياسة وليست مصنفات

ويوضح سامي عياد أحد العاملين بمكتبة (نحو النور) بدمنهور أن الخسارة المترتبة على الهجمة الأخيرة في يناير الماضي تجاوزت الـ80 ألف جنيه ولا زلنا حتى الآن نُسدد في مديونياتها".

 

ويرى عياد أن الهدف الرئيسي لتلك الهجمات سياسي بحت وليس مصنفات كما يقولون، أو حتى ديني، فهناك أصحاب مكتبات إسلامية لا تُهاجمهم المصنفات، بل على العكس تدعمهم لمواجهة أصحاب المكتبات ذوي التوجهات السياسية وخاصةً الإخوان، وبالرغم من كل هذا فلا أحد يقف إلى جوارنا؛ خوفًا من أمن الدولة، فأي موضوعٍ يتدخل فيه أمن الدولة في مصر يخشى الجميع التدخل فيه وحتى الأحكام التي تصل إليها تلك القضايا هي أحكام معدة سلفًا، والرسالة دائمًا من النظام للجميع أن هذه هي نهاية كل مَن يقترب من السياسة، فبعض المحلات التي تُهاجمها المصنفات هي محلات أحذية ولا تهاجمها لشيء إلا لأن صاحبها له خلفية سياسة، وحتى لو كان المشروع مشروع كوافير فلن تدعه الأجهزة الأمنية في حاله أبدًا".

 

ويشير عياد إلى أنه فكَّر أكثر من مرةٍ أن يُغيِّر نشاطه؛ لأن النشر مهنة خطرة إلى حدٍّ كبيرٍ، لكنه تراجع عن تفكيره بسبب المديونية العالية التي تراكمت عليه نتيجة لهجمات الأمن المتوالية.

 

إجهاد اقتصادي

 

 م. عاصم شلبي

من جانبه يقول عاصم شلبي الأمين العام لاتحاد الناشرين المصريين: إن هذه الهجمات متكررة وموسمية، منها موسم ما قبل رمضان وقبل عيد الأضحى وعيد الفطر، بالإضافة إلى الأوقات التي تكون فيها الأجواء السياسية ساخنة مثل التعديلات الدستورية الأخيرة أو تمديد العمل بقانون الطوارئ، وتتم غالبًا في هذه الهجمات مصادرة الكتب وماكينات طباعة وأجهزة كمبيوتر والقبض على مَن يعملون بالمكتبة وتحويلهم للنيابة، إلا أن الأمر في أغلب الأحوال لا يتم حسمه أو تحويله إلى قضية؛ لأن أغلب هذه المكتبات هي مكتبات قانونية وكيانات شرعية، والقضايا هي قضايا مُلفَّقة، والغرض منها ليس القضية في حدِّ ذاتها، وإنما الغرض منها إجهاد كيانِ هذه المكتبات اقتصاديًّا؛ لأن أغلب الأشياء المصادرة لا تعود إلى المكتبات مرةً أخرى.

 

وفيما يتعلق بالغرض من هذه الحملات يُوضِّح شلبي أنها تأتي كجزءٍ من الحملة على التيار الإسلامي وكل ما هو إسلامي على وجه العموم، وعلى الإخوان بصفةٍ خاصة.

 

حسابات سياسية

وعن دور الاتحاد في مساندة أصحاب هذه المكتبات يقول شلبي: "نقوم غالبًا بحضور التحقيقات مع المقبوض عليهم وتوكيل محامين من الاتحاد للدفاع عنهم، ونحاول مساندتهم بكل ما نملك، ولكن جهد الاتحاد في النهاية هو جهد قاصر؛ وذلك لوجود بعض الحسابات السياسية، والأمر وصل إلى أن بعض أعضاء مجلس إدارة الاتحاد كانوا هم أنفسهم فريسة لتلك الهجمات، فأنا على سبيل المثال اعتُقلت لأكثر من ثلاثةِ شهور بسبب قضية مشابهة".

 

ويضيف: "من المفترض أن تقوم المؤسسات المهنية بمساندة أصحاب هذه المكتبات والعاملين لديهم، وكذلك هناك دور لمنظمات حقوق الإنسان والمجتمع المدني، فما يحدث الآن يجعل من مهنة النشر في مصر مهنة خطرة أمنيًّا، وتدفع المرء إلى التفكير أكثر من مرة قبل خوض هذه التجربة".

 

وحول تأثير ما يحدث على تجارةِ الكتاب في مصر قال شلبي: "الموضوع مؤثر بالسلب بالطبع، فهذه الكيانات هي الكيانات الفاعلة في سوق الكتاب في مصر؛ لأن الكتاب الديني هو الأكثر مبيعًا في مصر، ومعنى ضرب هذه المؤسسات هو ضرب صناعة الكتاب في مصر، وهو ما يُهدد هذه الصناعة المهمة بالكساد والموت المحتم".