تحوَّل الحريق الذي شبَّ بمجلس الشورى أمس إلى أزمة دستورية وتشريعية جديدة؛ ضمن مجموعة أزمات تكاد تعصف بالساحة السياسية والتشريعية المصرية؛ فمع انتهاء عمليات الإطفاء والسيطرة على الحريق أكَّدت المعلومات الصادرة عن الجهات الأمنية أن الحريق الذي نشب بمباني مجلس الشورى قد أتى على جميع محتويات المجلس، ومن ضمنها جميع الملفات الخاصة بالأحزاب السياسية، وكذلك مشاريع القوانين التي كان من المقرَّر أن يتم مناقشتها خلال الدورة البرلمانية القادمة بعد انتهاء الإجازة الصيفية للمجلس؛ الأمر الذي أصاب الأوساط السياسية والنيابية بالقلق على المستقبل النيابي المصري.

 

كما كشفت التقارير أن الحريق قد التهم مضابط الجلسات، وتقارير اللجان النوعية والخاصة والمشتركة، وبيانات شئون الأعضاء، وكذلك بيانات شئون العاملين والنواحي المالية والإدارية الخاصة بالمجلس.

 

والسؤال الذي يُطرح: ما مصير مشروعات القوانين الموجودة في مجلس الشورى والتي لم يتم إبداء الرأي فيها أو مناقشتها والتأثير التشريعي لذلك؟ وما الخسائر المترتبة على حرق الوثائق التاريخية الموجودة بالمجلس؟

 الصورة غير متاحة

 د. عاطف البنا

 

في البداية يقول الدكتور عاطف البنا خبير القانون الدستوري: "إن ما جرى في مجلس الشورى من احتراق جميع الأوراق والملفات الخاصة ومضابط الجلسات ومشاريع القوانين التي قد أُعِدَّت للعرض على المجلس في دورته القادمة، بل واحتراق جميع الملفات الخاصة بالأحزاب السياسية سيكون له تأثيرٌ محدودٌ على العملية التشريعية بمجلس الشورى في الفترة المقبلة على الأقل؛ لأن معظم الأوراق التي تم الإعلان عن احتراقها من الممكن وجود بديل لها؛ فمثلاً الأوراق الخاصة بالأحزاب السياسية لها نسخ أخرى موجودة بالشهر العقاري وبالأحزاب نفسها، أما مشاريع القوانين فيوجد لها نسخ لدى الحكومة والمعارضة ومقدميها من المستقلين".

 

ويضيف د. البنا ضاحكًا أنه من الممكن الآن وبعد حريق مجلس الشورى وفقدان معظم المستندات الخاصة بالأحزاب أن يقوم أحد خصومها بتقديم طعون قضائية ضدها وضد صحتها ودستوريتها، وهم لا يدرون أن تلك الأوراق مسجلةٌ في الشهر العقاري، وأنه تم نشرها في الجريدة الرسمية بحسب القانون.

 

مصيبة تشريعية

 الصورة غير متاحة

د. محمود السقا

ويؤكد الدكتور محمود السقا أستاذ القانون بجامعة القاهرة أن الوثائق والمستندات والأوراق والمضابط التي فُقِدَت من الممكن أن تعوَّض بالنسخ الموجودة بالشهر العقاري أو الموجودة لدى الأحزاب أو الحكومة أو حتى المعارضة والمستقلين.

 

ويوضح أن ما حدث في مجلس الشورى "مصيبة" تشريعية، وأن جزءًا من تاريخ مصر قد احترق ولا يمكن تعويض ذلك التاريخ، متهمًا الأداء الحكومي بالعجز والفشل في الحفاظ على تاريخ مصر التشريعي والنيابي، محمِّلاً إياهم المسئولية كاملة.

 

وأشار د. السقا إلى أن الأحزاب التي فقدت أوراقها في الحريق عليها التقدُّم بأوراقها من جديد دون المساس بدستوريتها ودورها السياسي والتشريعي.

 

خسارة تاريخية

ويضيف الدكتور أحمد شوقي السيد أستاذ القانون الدستوري وعضو اللجنة العامة بمجلس الشورى أن الخسارة التي لحقت بالمجلس جرَّاء ذلك الحريق لا تمثِّل خسارةً ماديةً في الأبنية فقط، ولكنها خسارة تاريخية فادحة؛ فالوثائق التي احترقت يوجد بها تسجيل كامل للتاريخ النيابي منذ عام 1824م مع بداية نشأة أول مجلس نيابي "المجلس العالي"، مرورًا بكل مراحل تاريخ الحياة النيابية إلى أن أصبح مجلسَا الشعب والشورى بوضعيهما الحاليين.

 

ويشدد الدكتور شوقي على ضرورة توافر نسخة إلكترونية من تلك الوثائق على "سي دي" أو غيرها من الوسائل الحديثة، متفقًا في ذلك مع الدكتور فتحي سرور رئيس مجلس الشعب في تصريحاته التي أكدت ضرورة الحفاظ على المستندات والأوراق المهمة بمجلسَي الشعب والشورى بأحدث الوسائل العلمية حتى لا نتعرض لمواقف عصيبة.

 

الأصلية لا تعوض

 الصورة غير متاحة

جمال زهران

بينما طالب النائب المستقل جمال زهران عضو مجلس الشعب بمحاسبة المسئول عن تلك الكارثة التاريخية والوثائقية، مضيفًا أنه بفرض توفر نسخة أخرى فإن احتراق النسخة الأصلية والمكتملة من تلك الوثائق المدوَّن بها خدمة الأعضاء وملفات وطلبات الإحاطة وغيرها خسارة كبيرة؛ يُسأل النظام الحاكم وحكومته عنها.

 

وأشار زهران إلى أن تصريحات رئيس الوزراء بأن "الحريق جاء فرصةً لترميم بعض المباني التاريخية" يُعدُّ محوًا للتاريخ؛ فلا بد من محاسبته، ولأنها تصريحات تعكس مدى استهتار الحكومة والنظام بالشعب، مضيفًا أن النواب ومن خلفهم الشعب يدفعون دائمًا ثمن تستُّر الحكومة والحزب الحاكم على الفساد، مؤكدًا أن عملية الحريق لم تكن أولى الكوارث والحوادث التي أصابت تاريخ البلاد؛ فما زالت قضية تسريب الثانوية العامة وعبَّارة الموت واحتكار الحديد وتصادم القطارات والدم الملوث ماثلةً أمامنا.

 

كما طالب زهران الحكومة والحزب الحاكم بتحمل مسئولية الحريق كاملةً، وأن يتحليا بالشجاعة الأدبية ويقوما بعرض محتوى الوثائق التي احترقت ونوعيتها، كما دعا إلى تشكيل لجنة تقصي حقائق للكشف عن ملابسات الحادث.

 

لا مبالاة

وفي نفس السياق يؤكد د. محمود قنديل أستاذ القانون الدولي أهمية التوصل إلى نظام جيد لحفظ المعلومات، مشيرًا إلى أنه من المحزن التحدث عن كارثة في القرن الحادي والعشرين سببها الجهل التكنولوجي، مستنكرًا اللا مبالاة الحكومية التي تعاملت بها الحكومة المصرية مع تلك الكارثة.

 

جرائم

 

د. عمرو هاشم ربيع

ويضيف الدكتور عمرو ربيع هاشم الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية والمتخصص في الشئون البرلمانية أن الوثائق التي احترقت تُعَدُّ من أهم الوثائق التي يمتلكها الشعب المصري؛ حيث تكمن أهميتها في أنها تحتوي على تأصيل للحياة البرلمانية منذ بدايتها، كما تحتوي على توثيق للتاريخ البرلماني الحديث، مثل "حوادث العبَّارة، أكياس الدم الملوثة..." وليس قضايا الفساد فقط، بل تمس الجانب الاجتماعي كثيرًا باحتوائها على توثيقٍ للقضايا التي تلعب دورًا محوريًّا في حياة المواطن المصري كمشروع التعديلات الدستورية ومضابط الجلسات وغيرها من المستندات المهمة للأحزاب والكثير من القوانين كقوانين الطفل والمرور والضرائب العقارية.

 

شاركه في الرأي د. محمد البلتاجي الأمين العام للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بأن ما حدث خسارة وكارثة ضخمة على المستويين التاريخي والوثائقي من ناحية وعلى المستوى التشريعي من ناحية أخرى، موضحًا أن محتوى تلك الوثائق ينقسم إلى شقين: أولهما يكمن في مركز المعلومات الذي يحتوي على بيانات مفصَّلة وكاملة عن الأنشطة النيابية والتاريخية للبلاد، وثانيهما يسمى المحفوظات، وتحتوي على التشريعات ومشروعات القوانين والاستجوابات وطلبات الإحاطة وكل ما يتعلَّق بالأعمال الداخلية للمجلس، مؤكدًا أن احتراق أيٍّ منهما يمثل كارثةً حقيقيةً للبلاد؛ يتوجب على الحكومة فيها توضيح الصورة ومحاسبة المقصرين وإبراز الحقيقة.