- الأهالي: الحكومة استولت على كل شيء، حتى لبن الأطفال

- الأطباء: السوق السوداء حجة وهمية للتغطية على فساد الحكومة

- الصيادلة: بريئون من تهمة الاحتكار، والحصول على المخدرات أسهل

 

تحقيق- نورا النجار:

وفاة الأم.. أكثر من توءمين.. تعرُّض الأم لمرضٍ خطير يضر بالطفل عند الرضاعة.. وأخيرًا ألا يزيد عمر الرضيع عن ستة أشهر.. شروط جديدة حدَّدتها الحكومة المصرية لمَن يرغب في الحصول على لبن مدعوم لطفله إن وُجد؛ فبعد أن كان اللبن المدعوم من وزارة الصحة يطرح في الصيدليات بسعر ثلاثة جنيهات للعبوة الواحدة قامت الوزارة بمضاعفة ثمنه إلى خمسة أضعاف، وقصرت توزيع العبوات ثمن ثلاثة الجنيهات على مراكز تنظيم الأسرة؛ مما أدَّى إلى انخفاضٍ حادٍّ في الكمية المدعومة بصورةٍ تكاد تصل إلى ربع الكمية السابقة، والتي كانت متاحة في الصيدليات، إضافةً إلى تضييق منافذ البيع إلى منفذ واحد لكل منطقة سكنية والمتمثِّلة في مراكز رعاية الأمومة والطفولة.

 

 الصورة غير متاحة

الوقوف في طابور طويل الحل الوحيد للحصول على اللبن المدعوم

تطبيق النظام الجديد لتوزيع لبن الأطفال أدَّى إلى اشتعال أزمة لبن الأطفال في المحافظات المختلفة التي شهدت خلال الأيام الماضية ما يشبه الانتفاضة بين آلاف الأمهات اللواتي لا يستطعن تحمل نفقات شراء اللبن غير المدعوم بسبب ارتفاع أسعاره.

 

وقد دعت العديد من الجمعيات المعنية برعاية النشء، فضلاً عن جمعيات أهلية الحكومة، إلى العمل على حل الأزمة، واعتبر الكثير من المراقبين القضية بأنها تساهم في تمادي الغضب الموجَّه إلى الحكومة.

 

وتزعم وزارة الصحة أن العديد من هؤلاء الأطفال ليسوا في حاجةٍ إلى تناول الألبان، خاصةً الذين تجاوزوا سبعة أشهر؛ حيث باتوا- وفق التقارير الطبية- بوسعهم تناول كافة الأطعمة، وبالتالي فمن المهم توفير الأموال التي تنفق على شراء تلك السلعة المرتفعة السعر، غير أن الأهالي يتهمون الحكومة بأنها قامت بإلغاء الدعم الذي كان ينفق في السابق على السلع الأخرى.

 

ومن بين المحافظات التي شهدت حالةً من الفوضى عند توزيع لبن الأطفال: القاهرة، والشرقية، والمنوفية، والدقهلية؛ حيث شهدت منافذ الشركة المصرية لتجارة الأدوية توافد عشرات الآلاف من الأمهات اللواتي اصطحبن معهن أطفالهن، واندلع الغضب بين النساء بسبب رفض الشركة الاعتراف بحقِّ الأطفال في الحصول على تلك السلعة التي كانت تتداول قبل سنوات بأسعار زهيدة في الصيدليات.

 

(إخوان أون لاين) يطرح القضية للنقاش في التحقيق التالي:

بدايةً.. يعلق خالد عثمان (نقاش) على النظام الجديد في توزيع لبن الأطفال المدعوم قائلاً: "هذا القرار "استعباط" حكومي"، متسائلاً: "كيف تمنع الوزارة الأطفال فوق ستة الأشهر من حصتهم في اللبن المدعوم في حين أن الطفل لا بد أن يتناوله حتى عامه الأول على الأقل؟!".

 

معاناة

 الصورة غير متاحة

الحكومة تناست الأسر الفقيرة

ويكمل حديثه بسخط شديد: "كنت أعثر على هذا اللبن لطفلتي التي توفيت والدتها عنها ولم تكمل شهرها الثامن من الصيدليات بصعوبة، حتى إن أحد الصيادلة قال لي: "أنا ممكن أجيب لك مخدرات لكن اللبن ده شيء صعب!"، والآن حرمت الحكومة طفلتي من حقها، ولا بديل سوى شراء اللبن نصف المدعوم بخمسة أضعاف هذا المبلغ؛ مما يسبِّب عبئًا ماديًّا كبيرًا على كاهلي".

 

وبنفس مشاعر الغضب تضيف سماح إبراهيم (والدة لطفلة عمرها أربعة أشهر): "رفضت ابنتي الرضاعة مني وهي في شهرها الأول، وأقوم بإرضاعها لبنًا طبيعيًّا رغم ضرره عليها بجوار اللبن المدعوم الذي كنت أستطيع العثور عليه من الصيدليات، والآن أعاني في العثور على اللبن المدعوم من مكاتب الصحة، وهذا هو همُّ الحكومة "عاوزة تدوخنا وخلاص".

 

حجج وهمية

ومن ناحيتها تقول الدكتور سيدة إبراهيم بمحافظة الدقهلية إنها لا تدري علة الوزارة في اتخاذها مثل هذا القرار؛ حيث قلَّلت من الكمية المدعومة بصورة تقترب إلى ربع الكمية القديمة، مع منع الأطفال فوق ستة أشهر من الحصول على اللبن المدعوم والذي كان من المتاح له الحصول عليها سابقًا.

 

وتضيف: "نقوم في مكتب الصحة التابعين له باستخراج البطاقات للرضَّع المطابقين للشروط؛ حيث ترسل إلينا الوزارة البطاقات اللازمة، وعلى الرغم من ذلك فنحن لم ترسل الوزارة إلينا العدد الكافي من البطاقات"، مشيرةً إلى أن مكتب الصحة التابعة له لم يتلقَّ سوى ثلاثين بطاقة حتى الآن ولمواليد شهر 7 فقط.

 

تحايل الأطباء

وتوضح الدكتورة سحر الجمل (طبيبة أطفال بالمركز التخصصي لخدمات تنظيم الأسرة) أن أطباء الصحة ليس لهم أي ذنب في هذا القرار، وأنهم ينفذون القوانين التي تملى عليهم، ويقومون بصرف الحصة المقررة لكل رضيع، والتي تبدأ من أربع عبوات من اللبن المدعوم، وتصل إلى ثمان عبوات عند سن ستة أشهر.

 

وبسؤالها عن مصير الحالات الخارجة عن الشروط أجابت: "أحيانًا نلجأ للتحايل على القانون في الحالات الاستثنائية؛ فعلى سبيل المثال الأم التي لديها توءمان غير مدرجة في الشروط، إلا أننا نكتب لها إقرارًا بأن أحد الرضيعين في حالة صحية غير جيدة، وهنا يسمح لها بالصرف، وهكذا.

 

وتحاول الطبيبة تبرير قرار الوزارة قائلةً: "عندما كان اللبن المدعوم يصل إلى الصيدليات كانت هناك (كوسة)، أما الآن فلم يعد ذلك موجودًا!!

 

حكومة فاشلة

وتعليقًا على ما سبق يؤكد الدكتور محمد خشبة (أستاذ طب الأطفال بجامعة المنصورة) أن هذه الحكومة فاشلة وكاذبة، وأن القضية ليست قضية احتكار من عدمه، لكن الحكومة تُنفق أموالاً لدعم هذا اللبن، وبالتالي فهي ترغب في إلغاء هذا الدعم لاستغلاله في أغراض شخصية، فتلجأ إلى رفع الدعم عن المواطنين.

 

ومن المثير للسخرية أن الحكومة قبل هذا القرار كانت تتهم الحاصلين على اللبن المدعوم من المواطنين بأنهم يستخدمونه لصنع الحلوى، وهذا كذب؛ فأنا اختلط يوميًّا بالناس، وهم في أشد الحاجة لحصة اللبن المدعوم من أجل أطفالهم.

 

وبسؤاله عن الضرر المتوقع حدوثه على الأطفال الذين حرموا من حصتهم بسبب الشروط العقيمة التي وضعتها الوزارة، قال: "الوضع المثالي للرضيع هو لبن الأم، أما الأطفال الذين لا يحظون بلبن الأم لظرف أو لآخرٍ فليس أمامهم سوى أمرٍ من اثنين: إما الحصول على لبن صناعي غير مدعوم ذي سعر مرتفع لإكمال غذائهم، وإما أن يتناولوا الحليب الطبيعي، والذي يُشكِّل ضررًا كبيرًا على الرضيع قبل عامه الأول.

 

والوزارة قد قصرت هذا اللبن على مَن هم دون ستة أشهر، وبما أن (بيوميل 1) هو اللبن الوحيد المدعوم في مصر فإنهم بهذا القرار أجبروا المواطنين غير المطابقين لشروطهم وغير القادرين على شراء غير المدعوم على تعريض أطفالهم للخطر، مدَّعين أن هذا القرار لمصلحة محدودي الدخل كي يتمكَّنوا من العثور على اللبن المدعوم.

 

اتهامات باطلة

 الصورة غير متاحة

ألبان الأطفال المدعومة غير موجودة بالصيدليات

أما الصيادلة- المتهم الأول في عيون وزارة الصحة والدافع الرئيسي إلى اتخاذ هذا القرار بعد اتهامهم بالمتاجرة باللبن المدعوم في السوق السوداء- يقول عنهم الدكتور محمد حمدي (صيدلي): "كنا نتسلم في البداية ما يقارب أربع عشرة عبوة من اللبن المدعوم، وكان الإقبال شديدًا لحاجة الناس إليه، وبعد إلغاء الحكومة هذا الدعم لم يعد أمام المواطن سوى اللبن غير المدعوم أو نصف المدعوم، والذي زاد سعره خمسة أضعاف السعر القديم".

 

ويضيف: "اتهام وزارة الصحة لنا كصيادلة باحتكار ما نحصل عليه من اللبن المدعوم باطل؛ فما نحصل عليه من كمية اللبن لا يساوي المخاطرة بمستقبلنا من أجل ربحه، ولدينا معلومات تقول إن هناك نقودًا تدفع (من تحت الترابيزة) لبيع هذا اللبن لمصانع الحلويات، والتي وصل سعر عبوة اللبن فيها إلى ثلاثة جنيهات، فمن أين تحصل هذه المصانع على هذا اللبن؟!".

 

يتفق معه في الرأي الدكتور سامح عمارة (صيدلي) قائلاً: "هذه اتهامات باطله، وقرار الوزارة لن يفلح في حل الأزمة، وهم بذلك قد رفعوا من معانة المواطنين وعملوا على زيادة عدد الطوابير التي تزيد من معاناة المواطنين".

 

وبسؤاله عن مدى إقبال المواطنين على اللبن نصف المدعوم أجاب: "عزف الناس عن شراء اللبن نصف المدعوم؛ مما قد يعرضنا لخسارة كبيرة، والعجيب أنه وحينما كنا نتسلم اللبن المدعوم لم تكتب عليه الوزارة كلمة (مدعوم)، والآن تكتب هذه العبارة على اللبن نصف المدعوم.. فأي دعمٍ هذا؟!".