كر وفر.. صراخ وعويل.. ونظرات وعيد يتبعها نظرات حسرة وألم لشباب وأطفال لم يتجاوزوا السنوات العشر من أعمارهم يجلسون على الرصيف يبكون من قسوة الأيام والحظ المتعثر معهم، فقد أخذت الشرطة "البلدية" بضاعتهم بشيء من القسوة، رغم أنها ببعض الجنيهات القليلة ولكنها قارب نجاة بالنسبة لهم ومستقبلهم الذي يأملونه.

 

"شد.. ارفع.. اجرِ" هذه هي كلمات السر التي يتغير بها معالم شارع 26 يوليو وميدان سليمان باشا والموسكي والعتبة بوسط البلد ليتحول من شارع مزدحم بالمارة مكتظ بحركة البيع والشراء إلى ما يُشبه لعبة القط والفأر في أفلام الكارتون والرسوم المتحركة؛ فالكل يحمل بضاعته ويهرول إلى الممرات ومداخل العمارات لينجوا ببضاعتهم ورأس أموالهم من سطوة الأمن، يفكرون في مصيرهم بعد أن تأخذ الشرطة مصدر رزقهم، فهم يكتبون على أنفسهم إيصالات أمانة أو شيكات أو إنهم يفكرون في البضاعة التي يجب أن يسترد ثمنها للتاجر، أو إنهم يفكرون في أهل بيتهم الذين ينتظرون قوت يومهم والجنيهات المعدودة التي تسد جوعهم.

 

 الصورة غير متاحة

لعبة القط والفأر بين الحكومة والباعة الجائلين (تصوير- محمد أبو زيد)

نوع آخر يقف ولا يتحرك يفكر قبل أن يهرول، يقف بلا حراك وكأن على رأسه الطير يحسبها بطريقة أخرى، يفكر في أن يقف في وجه الشرطة، إما أن يعطيها "10 جنيهات" لتتركه وتتغاضى عن وجوده، وإما أن ينال ما لا يرغب وتؤخذ بضاعته ويرجع بخفي حنين.

 

"إخوان أون لاين" يرصد هذا المشهد الذي يتكرر بشكل شبه يومي ويزداد مع قدوم المواسم كرمضان والمدارس والأعياد بين موظفي الأحياء والمرافق "البلدية" وبين تجار الرصيف أو الباعة الجائلين ويطرح تساؤلاً مهمًّا: إلى متى ستستمر لعبة القط والفأر بين الحكومة والباعة والجائلين؟ ولماذا لا تستجيب الحكومة لنداءات ضم الباعة الجائلين ضمن الاقتصاد الرسمي؟ ولماذا يتخوف الباعة الجائلون من العمل في النور؟.

 

محمود سعدي طفل لم يتجاوز 15 عامًا يجلس على رصف شارع شريف بمنطفة وسط البلد يبكي بكاءً مريرًا ويندب حظه بصوت منخفض "خدوا بضاعتي.. طاقمين علب بلاستيك بتوع الثلاجة.. ملحقتش أجري باللي كسبته.. تعب طول النهار راح.. المعلم مش هيديني بضاعة تاني.. لأني خايب".

 

وأكمل الطفل الباكي: "أبويا مات وأمي تعبانة وملهاش غيري.. كان نفسي أكمَّل دراسة وأدخل كلية.. بس أعمل إيه.. ده حظي وده قدري.. الله يخرب بيت الـ......".

 

علي إبراهيم بائع أدوات تجميل بميدان العتبة لم يتعدَّ 20 عامًا أكد أنه ترك مدرسته من الصف الأول الإعدادي عندما تُوفي والده والذي كان يعمل في حديد الخرسانة، ولم يصله من معاشه لأبيه سوى 80 جنيهًا فقط في وجود 3 إخوة له وبنتين.

 

وعن مكسبه قال إنه يكسب يوميًّا قرابة 20 أو25 جنيهًا حسب ظروف العمل وطبيعة الزحام الموجودة وأعداد المشترين، مشيرًا إلى أن هذا المكسب يزداد أيام الخميس والجمعة من كل أسبوع وقبل العطلات والأعياد، ويضيف أن البلدية هي أكثر ما يُعيقه في عمله، فهم يهبطون علينا من كل مكان وإن لم أترك البضاعة سيأخذونني معها.

 

مرارة البيع

منصور السعيد حاصل على بكالوريوس تجارة بتقدير جيد جدًّا، وكان مقررًا له التعيين في الكلية، ولكن الواسطة والمحسوبية هي ما منعته من التعيين استهل كلامه بأنه جاء من المنصورة بعدما أحسَّ بمرارة الظلم بعدما لم يعين في الكلية، وأنه لاقى الأمرَّين مع حضوره إلى القاهرة منذ 4 سنوات في أنه لم يكن له مهنة أو صنعة يجيدها في الوقت الذي كان أصحاب العمل إذا عرفوا قصته وافقوا على عمله معهم.

 

 الصورة غير متاحة

أرصفة القاهرة تكتظ بالبائعين من الشباب

ويوضح أنه سافر إلى إيطاليا مثل الكثير ممن سمع عنهم أو يراهم في الصحف، وأقنع والده ببيع القيراطين اللذين يملكهما وأعطى أمواله أحد سماسرة وأباطرة السفر الذي أوصله إلى الشواطئ الإيطالية ولكنه قُبض عليه وتم ترحيله إلى مصر مرةً أخرى ليجد أن العمل في القاهرة أفضل له بعيدًا عن أهل قريته الذي كلما يراهم يحس بالخجل والذل والانكسار.

 

وعن قصته في القاهرة يحكي أنه جاء إلى القاهرة لا يعرف ماذا يفعل ليعمل في أحد الفنادق، ولكن لا يستمر ليهديه عقله للوصول إلى وسط البلد والبحث عن بيع أي شيء حتى استطاع أن ينال ثقة "معلمه" وأن يعمل لديه في بيع الملابس بعد أن وقَّع عليه إيصال أمانة بمبلغ 10 آلاف جنيه.

 

ويكمل أن مكسبه يوميًّا لا يتعدى 40 جنيهًا، أما في الأعياد فقد يصل إلى 80 أو 100 جنيه، ولكن ما يؤرقه في عمله ويجعله غير مطمئن هي البلدية التي تأتي وتهجم على البضاعة ولا تتركها إلا بعدما تأخذ أموالاً قد تصل في اليوم الواحد إلى 30 أو 50 جنيهًا، بالإضافة إلى المسجلين وأصحاب السوابق الذين يفرضون إتاوات على كل متر يُفرش في الشارع على أن يحسب المتر بـ10 جنيهات في اليوم.

 

واختتم كلامه قائلاً: "إحنا هنلاقيها من الحكومة اللي بتحاربنا في أكل عيشنا وتسرقنا، ولا من المسجلين اللي بيسرقونا عيني عينك ولا من الزباين ولا من.. ولا من..".

 

أصحاب سوابق

لم يختلف الأمر مع عبد العال حسين بائع الملابس الحريمي بميدان الموسكي والحاصل على "دبلوم الصنايع" من إحدى قرى محافظة أسيوط، والذي أكد أنه عانى أمرَّ معاناة في البحث عن عمل حتى عثر على هذا المكان وهذه الصنعة، ولكنه اشتكى من البلطجية الذين يحصلون منه على 10 جنيهات يوميًّا نظير تركه يبيع ويشتري دون تضييق.

 

كما اشتكى من رجال البلدية الذين لا يتركونه يعمل في أمن أو سلام ويهاجمونه لدرجة أن تصل الغرامة إلى 100 أو 150 جنيهًا، بالإضافة إلى الجو غير المألوف الذي نعمل فيه وغلاء الأسعار الذي جعل المشتري يقلل من شرائه أو يفاصل في الجنيه ونصف الجنيه.

 

العيش ببلاش

عبد الهادي عبد العال يحكي أنه عمل قرابة 15 صنعة مثل العمل في مقاهٍ شعبية وصناعة السيراميك وبيع الملابس إلى أن انتهى به العمل أخيرًا منذ سنتين بميدان العتبة في بيع الخبز مع صديقٍ له دلَّه على صاحب مخبز اتفق معه على دخل 30 جنيهًا يوميًّا.

 

ويكمل أنه لا يهمه الوقوف في الشمس طوال اليوم أو العمل لأكثر من 12 ساعةً يوميًّا، ولكن أكثر ما يتعبه هم مفتشو التموين والبلدية الذين يأخذون منه الخبز ليبيعوا الرغيف أبو ربع جنيه بخمسة قروش فقط والرغيف أبو 60 قرشًا بعشرة فقط، الأمر الذى يدفعه للعمل أكثر من 4 أو 5 أيام بدون دخل حتى يسدد ثمن العيش التي تأخذه الحكومة.

 

البلدية

واتفق معه سعيد إبراهيم بائع الألعاب النارية في ميدان العتبة الذي اختصر مشكلاته في حياته في البلدية ورجال الحي ورجال المباحث الذين يهددون عمله الذي لا يجد غيره، فقد ورث صناعة وبيع هذه الألعاب عن والده الذي كان يقف في نفس المكان منذ 17 عامًا وورث منه هذه الصنعة.

 

 الصورة غير متاحة

الباعة الجائلون صراخ وعويل

ويحكي أنه طالما يجمع من كل بائع 5 أو 10 جنيهات حتى يُعطيهم لأمين الشرطة أو رجال البلدية حتى لا يأخذوا بضاعتهم أو يكسروها ويخربوها عليهم، مشيرًا إلى أن الخسارة القليلة الآن في المال أفضل بكثير من الخسارة الكبيرة مستقبلاً، مع تأكيده أن البلد والحكومة لا ترتاح ولا يهدأ بالها إلا بمثل هذه الأموال.

 

أم محمد هي الأخرى اشتكت أمرَّ الشكوى من رجال البلدية الذين يهددون بضاعتها يوميًّا وكثيرًا ما أخذوا بضاعتها منها ولا يتركوها إلا بعد أن تُعطيهم أموالاً وإلا تأخذ بضاعتها من القسم بعد سلسلةٍ من الإهانات والمضايقات والحجز قد تصل إلى أيام.

 

وتحكي أنها في إحدى المرات أخذ رجال البلدية بضاعتها وذهبت إلى القسم لإحضارها فوجدتها قد تمت سرقة نصفها، وعندما طالبت الضابط الذي أخذ بضاعتها رد عليها قائلاً: "عاجبك الحاجة دي.. ولا متخديش حاجة خالص"!!!. واختتمت كلامها تقول "أنا بجري على 5 أولاد وبنتين.. حسبي الله ونعم الوكيل".

 

تعنت حكومي

 

د. محمد عبد الحليم عمر

وعلى صعيد الخبراء طالب الدكتور محمد عبد الحليم عمر مدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر بضرورة إدراج اقتصاد هؤلاء الباعة الجائلين ضمن الاقتصاد غير الرسمي وفي الموازنة العامة للدولة وتسهيل إجراءات وأخذ قسط جيد من الرعاية الاقتصادية والأمنية حتى يُمكنهم العمل في الارتقاء بالاقتصاد المصري.

 

وأشار عبد الحليم إلى أن الاقتصاد الحر أو غير الرسمي موجود في أغلب بلدان العالم، وأنه يجب على الدولة التي تريد أن تتميز وتطور من نفسها، ومن حالتها الاقتصادية العمل على استيعاب هذا الاقتصاد الذي يمثل في مصر نسبة كبيرة.

 

كما أعرب عن قلقه من التعنت الحكومي في إصدار التصاريح والأوراق الرسمية وزيادة تكاليفها على هؤلاء الباعة بدلاً من استيعابهم والعمل على مصلحتهم، مشيرًا إلى أنه في بعض القرى والمناطق والمصرية في الدلتا والصعيد يتم التساهل معهم من أحل الحفاظ عليهم.

 

وشدد د. عمر على ضرورة أن يبقوا تحت مظلة الحكومة حتى يُمكنها التقليل من الجريمة وأصحاب السوابق المجرمين الذين يختبئون وسط هؤلاء الباعة.

 

غير قانوني

أما الدكتور عبد الله شحاتة أستاذ الاقتصاد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية فيرى أن الباعة الجائلين جزءٌ من القطاع غير الرسمي الذي يعتبر مصدرًا للعمالة وفتح بيوت العديد من الأسر المصرية في الوقت الذي استنكر فيه وجودهم بكثرة في وسط البلد والتسبب في العديد من المشكلات والتضييقات للمتنزهين والمشترين في منطقة وسط البلد.

 

 الصورة غير متاحة

حتى المحمول لم يسلم من إشغال الطريق

وأعرب شحاتة عن وجوب تنظيم اقتصاد هؤلاء الباعة الجائلين وإعطاء ترخيصات لهم حتى لا يتسببوا في اختلاق الأزمات الاقتصادية للمصريين ببيع بضاعة فاسدة أو غير مطابقة للمواصفات، مشيرًا إلى أن هذا التنظيم سيعود بالفائدة على الطرفين بارتفاع أسهم الاقتصاد المصري وبتوفير الجانب القانوني لهؤلاء الباعة.

 

وعن التصرف الحكومي التي تتبعه رجال البلدية أو الشرطة أكد أن هذا التعامل يأتي في إطار التعامل مع كيان غير قانوني يجب أن يتم إزالته في الوقت الذي أعرب فيه عن أسفه من الرشاوى والمحسوبيات التي يأخذونها للتستر على هؤلاء الباعة.

 

ويختلف الدكتور حسام عيسى أستاذ القانون التجاري في إخضاع الباعة الجائلين للقطاع الرسمي للاقتصاد المصري، مشيرًا إلى ضرورة إبقائهم غير منظمين حتى لا يزداد عليهم الضغط من الحكومة المصرية أكثر مما هو عليه الآن.

 

وقال إنه لا يمكن أن يتم إجبارهم على أن يدرجوا ضمن الاقتصاد المنظم حتى لا يخضعوا للضرائب، معللاً كلامه بأن مستواهم ودخلهم وربحيتهم لا يمكن أن تصل إلى الحد الأدنى للخضوع للضريبة.