- 3700 مواطن أنهوا حياتهم بأنفسهم في عام واحد

- تزايد الفقر والتخبط الحكومي وراء تفشي الظاهرة

 

تحقيق- خديجة يوسف:

بدأت تطفو على السطح- في الآونة الأخيرة- ظاهرة غريبة على المجتمع المصري المعروف بتدينه الشديد منذ قديم الأزل، وهي زيادة معدلات الانتحار، حتى ضاقت صفحات الحوادث من نشر وقائع لحالات انتحار من جميع طوائف المجتمع، يكون الفقر فيها هو القاسم المشترك الأعظم.

 

فيوميًّا نقرأ قصصًا مأساويةً لحالات انتحار أو قتل بسبب الفقر وقلة الحيلة، فأحدهم ينتحر شنقًا للهرب من الغلاء الفاحش، وأخرى تنتحر بسبب مصروف البيت، وثالث فشل في الحصول على عمل فيقرر الانتحار، وعجوز اكتأبت من سرقة أبنائها لبعضهم البعض وسجن أحد أبنائها، وتاجر فاكهة يشنق نفسه بخطاف الموز لمروره بضائقة مالية فتخلص من حياته بالشنق، وتاجر آخر دفعته ديونه للانتحار، وعنوان صادم لرجل فوق الستين ينتحر بإشعال النار في جسده لمروره بضائقة مالية، وحادثة أخرى لشاب يبلغ من العمر 27عامًا ويدعي شنق نفسه بعدما فشل في مصالحة زوجته التي تركته بسبب الظروف المادية الخانقة، وأب يبلغ من العمر 38 عامًا انتحر بعدما أخبرته طفلته البالغة من العمر خمس سنوات أنها تريد فستانًا للعيد!!.

 

وتكشف الدراسات الحكومية وجود 570 حالة انتحار خلال عام 2007 فقط 60% إلقاء في النهر و20% تناول سموم و10% بالحرق و3% قفز في أماكن عالية و2% صعق كهرباء، وهذه النسب صادرة من المركز القومي للسموم التابع للقصر العيني بالقاهرة فقط.

 

وفي تقرير آخر لنفس المركز أكد أن هناك 3708 حالات في 2007م منها 2700 في القاهرة ونسبة الإناث كانت أكثر من الذكور لجوءًا إلى الانتحار بنسبة 68%:32% ذكور، وأشار التقرير إلى أن الإناث يخترن طرقًا هادئة في الانتحار كاستخدام الأقراص المهدئة بنسب كبيرة، أما الذكور فيستخدمون الطرق المباشرة.

 

وتوضح الدراسات أن الأسباب التي تدفع إلى الانتحار ترجع إلى عدم الحصول على فرصة عمل أو التخلص من الديون المالية.

 

وقبل أن نسرد باقي أسباب الانتحار وتزايده والحلول العملية لمواجهة هذه الظاهرة على لسان الخبراء والمتخصصين.. التقى (إخوان أون لاين) بعدد من الحالات التي كانت قد قررت بالفعل إنهاء حياتها بأيديها إلا أن القدر حال بينها وبين ذلك المصير والأسباب التي دفعتهم لذلك:

 

تعترف رانيا عادل- موظفة- أنها حاولت الانتحار منذ عامين لمرورها بمشكلة كبيرة؛ حيث شعرت إن الدنيا ضاقت أمامها، فقررت إنهاء حياتها بوضع السم في الشاي ثم تناولته، إلا أن العناية الإلهية تدخلت وأنقذت رانيا من موت مؤكد.

 

وتقول رانيا إنها نادمة على ما فعلته وحمدت الله على أنه نجَّاها من الانتحار التي اختارته لنفسها إلا أن الله سبحانه وتعالى لم يُقدّر لها ذلك.

 

ويحكي محمود توفيق- موظف- أنه حاول الانتحار مرات عديدة، بعد أن شعر بالظلم من كل من يحيط به.

 

ويضيف قائلاً: "عند التحاقي بالجيش خرجت من سلاحي رصاصة خاطئة رشقت في صدر صديقي في الجيش، مما أدى إلى وفاته، بعدها تم تحويلي إلى مستشفى الأمراض النفسية بدلاً من إعدامي ومكثت بالأمراض النفسية سنوات وسنوات حتى خرجت إلى الدنيا، ووجدتُ أهلي لم يدخروا لي شيئًا لزواجي فاسودَّت الدنيا في وجهي، فقررت الانتحار إلا أنه فشل حتى في ذلك- على حد تعبيره-، ويؤكد توفيق أن الله أرسل إليه مَن يُعرّفه الحق، وأنه لن يعود إلى ذلك مرةً أخرى.

 

أما أم محمود- بائعة خضروات- فتقول وهي تبكي: إن ابنها أشعل النيران في ملابسها، وانتهى به الأمر إلى الوفاة، والسبب هو الشجار على بعض الأمور المادية.

 

الجاني الرئيسي

انتقلنا إلى الخبراء للتنقيب عن أسباب الظاهرة فقالت لنا الدكتورة عزة كريم مستشار علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية: إن الفقرَ هو المتهم الأول في كل الكوارث التي أصابت 90% من المجتمع حسب تقارير الاقتصاديين، وهي النسبة التي تجمع بين معدومي الدخل في المجتمع ومَن يقل دخلهم عن دولار واحد في اليوم وهم 54%، وبين محدودي الدخل وهم من لم يستطيعوا الآن تلبية احتياجاتهم الضرورية التي تساعدهم على تطوير حياتهم في حدها الأدنى، وهذه الفئة تشمل جميع أبناء الطبقة المتوسطة من موظفين ومدرسين وعاملين وأساتذة جامعات وأطباء وصحفيين، فكل هذه الطوائف تعاني اليوم من هذه الآفة التي ينكرها المسئولون كل يوم بل ويقللون من وجودها لدرجة إعلان رئيس الوزراء منذ عدة أيام أن نسب الفقر في تراجع؛ حيث ذكرت آخر تقارير رئاسة الوزراء أنه لم يصل إلى 16% من نسبة السكان.

 

وتضيف: إن الفيصل بين تقارير الحكومة وتقارير الاقتصاديين هو الشارع المصري وما يحدث به، فالدلائل تؤكد تزايد معدلات الفقر وفقًا لارتفاع نسب البطالة وتدني الدخول وارتفاع الأسعار وتفاقم معدلات التضخم.

 

استفزاز المواطنين

 الصورة غير متاحة

الفقر يطحن الشعب المصري

وتُقسم الدكتورة عزة الفقر في مجتمعنا إلى فقر علمي وفقر صحي وفقر ثقافي وفقر أخلاقي وفقر ديني، فالوضع ليس مقتصرًا على فقر المادة فقط، وهو يعد من أكبر كوارثنا ومشاكلنا ويحول المواطن إلى قنبلة موقوتة تُدمر كل ما حولها إذا حدث الانفجار والواقع يؤكد حدوث هذا الانفجار بالفعل سواء في ظهور العديد من الجرائم التي يلجأ إليها الفرد كالسرقة والاغتصاب للتحايل على واقعه الأليم الذي أفرزه الفقر، بالإضافة إلى لجوء المواطن إلى قتل نفسه بشكل مباشر إذا لم يستطع التحايل على هذا الواقع.

 

وتوضح أن الاحتقان والتذمر أصبح متنفسًا لجميع المواطنين لإعلان رفضهم الواقع المرير الذي يعيشون به في الآونة الأخيرة، وهو دليل قطعي على تفاقم نسب الفقر في مجتمعنا وشعور المواطنين بدرجة كبيرة به، فكل المتذمرين مطالبهم مادية بحتة ومباشرة وهم غير قادرين على تحمل مشقة الحياة، ولهذا اعتصموا ولكن بعد الحوار الهادئ فأنا مع مطالبهم بأي شكل وأتوقع أن لم تنفذ مطالب هذه الفئات، فالأضرار ستكون على رءوس الجميع، وسيقضي الفقر على المجتمع بتوابعه لو لم تضع الحكومة حلاً فوريًّا له وتبتعد عن استفزاز المواطنين بالتصريحات المخالفة لما يحدث في الواقع.

 

نهب الموارد

ويرى محمد حسن عبد الرحيم الباحث في علوم الإدارة أن هناك فشلاً في إدارة موارد الدولة، وكان من جرَّاء ذلك تفشي ظاهرة العنوسة المزدوجة بين الشباب والفتيات والسبب في هذا التفشي هو توقف فرص العمل لدى الشباب، وارتفاع تكاليف الزواج، وانتشار العشوائية في السكن، فالموظف مقر عمله في 6 أكتوبر ومسكنه في العاشر من رمضان، بالإضافة إلى تزايد عدد الخريجين غير المؤهلين لسوق العمل، وغير ذلك.

 

ويؤكد عبد الرحيم أن تصرفات الحكومة الخاطئة سواء في بيع الأصول العامة للشعب أو القرارات العشوائية التي تتخذها أدى إلى زيادة نسبة البطالة بين الشباب والمتزوجون معًا، فأصبح الشاب والأب يعاني من البطالة.

 

ويضيف أن موارد الدولة في يد حفنة قليلة من رجال الأعمال، يتحكمون في كل شيء في مصر، نتج عنه ارتفاع في الأسعار وتفاقم الأزمة الاقتصادية، مشيرًا إلى أن المناهج الدراسية غير مواكبة لسوق العمل المستقبلي، ولا يوجد لدى الحكومة خطة ولا دراسة لشكل سوق العمل بعد 20 سنة، وبالتالي معاناة الناس من أزمات اقتصادية متنالية، أدى إلى انتحار الكثيرين بطرق مختلفة منها الهجرة غير المشروعة أو الانتحار الفعلي، أو الإدمان للهروب من جحيم المسئوليات.

 

طحن الشعب

 

 عبد الله السناوي

ويوضح عبد الله السناوي رئيس تحرير جريدة (العربي) الناصري أن الشعب المصري يعاني من تردي الأحوال الاقتصادية؛ مما أدى إلى بزوغ ظواهر جديدة في المجتمع المصري، وتعبر هذه الظواهر عن النظرة القاتمة التي ينظر بها الناس إلى المستقبل والحاضر.

 

ويرجع السناوي أسباب تردي الأوضاع الاقتصادية إلى أخطاء حكومات الحزب الوطني المتعاقبة، التي توحشت بصورة أكبر في عهد حكومة نظيف، مشيرًا إلى أهمية فتح القنوات السياسية عن طريق إصلاح سياسي ودستوري، وإصلاح اجتماعي، فنحن أمام حكومة تطحن الفقراء المصريين وتصدر قوانين تثقل عليهم أعباء الحياة يومًا بعد يوم.

 

مواجهة الانتحار

وتؤكد الداعية الإسلامية عائشة ربيعان الدنيا أن ضغوطَ الحياة الكثيرة جعلت النظرة إلى الحياة مادية بحتة، مشيرة إلى دور الإيمان الكبير في حياة الإنسان؛ حيث إن الإنسان يُدرك بالإيمان أن القليل فيه بركة، وأن رزقه في السماء لا يأخذه غيره كما قال الله عز وجل في سورة الذريات ﴿وفي السماء رزقكم وما توعدون* فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون﴾ (الذاريات 22).

 

وتقول إنه يجب أن يكون لدى الإنسان القدرة على مواجهة المشكلة، ولن تأتي هذه القوة إلا بالاستعانة بالله وبقوة إيمانية وإرادة قوية، مشيرةً إلى قول الرسول- صلى الله عليه وسلم- عن المؤمن: "إن أمره كله خير، وليس هذا إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له".