- مسئولو وزارة الصحة يتهرَّبون من أسئلة الصحفيين بأمر الوزير!

- نقابة الأطباء: لا نملك الضبطية القضائية لمحاسبة المخالفين

- خبراء: ما يحدث نتيجة طبيعية لتراكم الفساد لحكومات "الوطني"

 

تحقيق- خديجة يوسف وهبة مصطفى:

متى ينتهي الإهمال الطبي في المستشفيات المصرية؟!.. هذا السؤال بات أكثر إلحاحًا على أذهان المصريين خلال الأيام الحالية بعد اعتراف الدكتور حاتم الجبلي وزير الصحة بسوء حال المستشفيات, وقال إن مستشفى ناصر العام بشبرا أسوأ مستشفى في مصر، وأكد عقب زيارة مفاجئة له أن مستشفى التدريب به يفتقد إلى التدريب الجيد، ووصف مستوى التمريض بالضعيف جدًّا، أما النظام الإداري والطبي بالمستشفى فقال إنه مُتَدنٍّ للغاية.

 

اعتراف وزير الصحة بسوء أحوال المستشفيات العامة في مصر دون تحديد آليات محددة للتصدي لهذه الظاهرة دفع (إخوان أون لاين) إلى إعادة فتح ملف الإهمال الطبي والتسيب الإداري في المستشفيات، بعد أن أصبحا إحدى أهم السمات السائدة لجميع المستشفيات؛ فهذا تُسرَق كليته, وآخر يدخل المستشفى يعاني من صداع بسيط في الرأس فيخرج محمولاً على نقَّالة إلى مثواه الأخير، وثالث يدخل مستشفى لاستئصال اللوزتين ويخرج فاقدًا البصر وعاجزًا عن الحركة!!

 

(إخوان أون لاين) حاول استطلاع رأي وزارة الصحة للوقوف على حقيقة ما يحدث، وإجراءات الوزارة للحد من هذا الإهمال الذي يحكم بالإعدام على مواطني مصر "الغلابة".

 

واتصلنا بالفعل بالدكتور عبد الرحمن شاهين مساعد وزير الصحة والمتحدث الرسمي باسم الوزارة، إلا أننا اكتشفنا أنه لم يعد يرد على الصحفيين، وكلَّف سكرتيرته بإخبارنا رسالةً مفادها "لا يُسمح بأي تصريحات رسمية للإعلام إلا بإذن مسبق يُعتمد من وزير الصحة شخصيًّا", وأكدت أنه يجب علينا الذهاب إلى مكتب الوزير وتقديم طلب للتمكُّن من الحصول على التصريح الإعلامي, وعندما سألناها متى تتم الموافقة على هذا الطلب أجابتنا بكل ثقة "إما أن تتم الموافقة عليه أو لا تتم".

 

وبعيدًا عن تهرب وزارة الصحة فإن نزيفَ ضحايا الإهمال في المستشفيات يدق جرس إنذار خطير، وهو ما نكشفه من خلال عددٍ من الجولات والمشاهدات الميدانية قام بها (إخوان أون لاين)؛ كانت أولى تلك الجولات بمستشفى بولاق الدكرور؛ حيث وجدنا أن "شيفت" الاستقبال به طبيب واحد, والقسم يمكن أن يستقبل 8 حالات في نفس الوقت, ومن المفترض أن يكون به أكثر من طبيب، كما وجدنا الأماكن بوحدات الرعاية المركَّزة غير متوفرة وقليلة جدًّا, إضافةً إلى أن أجهزة التنفس الصناعي قليلة جدًّا؛ مما يؤدي إلى وفاة أعداد كبيرة في انتظار أجهزة التنفس, هذا فضلاً عن الإهمال الجسيم للتمريض.

 

قلة الإمكانيات

وفي مستشفى المنيرة العام أكد لنا الأطباء هناك أن المستشفى لا يوجد به الأدوية الخاصة بأهم الأقسام، كالاستقبال والطوارئ، مثل "أدوية علاج التشنجات, وارتفاع الضغط" التي يجب أن تتوافر في قسم علاج واستقبال حالات الطوارئ التي ربما يؤدي التأخير في علاجها إلى الوفاة.

 

كما لا يقوم المستشفى بتدريب الممرضات بشكل جيد ودقيق، مشيرًا إلى أن عددًا من الممرضات لم يستطيع تركيب "الكانيولا"، والذي يعد أبسط مهام التمريض, وأحيانًا تقوم إحدى الممرضات بإعطاء الحقن "وريد" بدلاً من "عضل" والعكس، علاوةً على عدم وجود خبرة للأطباء النواب "تحت التدريب"، إضافةً إلى عدم توفر الإمكانات بوحدات الرعاية المركزة.

 

أما عن جولتنا في قصر العيني فحدِّث عنها ولا حرج؛ حيث وجدنا معاملةً غير آدمية للمواطنين المرضى، سواءٌ من قِبل الأطباء أو التمريض وحتى من الإداريين وغيرهم, فضلاً عن عدم اتخاذ الإجراءات الوقائية المناسبة لمنع انتشار الأمراض والعدوى، وازدياد حالات الوفيات بقسم الاستقبال والطوارئ بمستشفى قصر العيني.

 

فوضى

أما مستشفى حلوان العام فكان السمت الظاهر عليها هو عدم النظافة وعدم الاهتمام من قِبل إدارة المستشفى بالتعامل الجيد مع الآخرين، كما أننا وجدنا مظاهر عديدة تنم عن إهمال جسيم؛ كان أولها من الإدارة؛ حيث فوضى إهمال الأوراق الخاصة بالمرضى تجتاح المكان، وقال أحد المرضى إنه بالمستشفى لاستخراج أوراق شهادة مرضية منذ 3 شهور؛ حيث إنه احتُجِزَ بالمستشفى لمدة شهر نتيجة كسر بالعمود الفقري, وإنه يحتاج شهادة مرضية لاعتماد إجازته المرضية من عمله، وعندما طلبها من الإدارة بعد شفائه أجابوه بأنها "ضاعت", وهو يكرر زيارته للمستشفى منذ 3 شهور بحثًا عن أوراقه ولم يجدها حتى الآن.

 

ما سبق أثار العديد من التساؤلات؛ أهمها: ما دور المسئولين- كلٌّ في منصبه- تجاه التجاوزات التي تحدث بين جدران هذه المستشفيات؟ وما الحلول المفترضة إقامتها للقضاء على هذه المهزلة الإنسانية في حق أهم قطاع من قطاعات الدولة وهي الصحة؟ وماذا سيتبقى للمصريين بعد سلبهم كل شيء سوى صحتهم بعد أن يفقدوها؟ وهو ما تناولناه في هذا التحقيق:

 

بدايةً.. يقول الدكتور جمال عبد السلام أمين مساعد نقابة الأطباء الفرعية بمحافظة القاهرة: إن الصحة جزءٌ من كل المنظومة السائدة في مصر والتي تعاني الإهمال والفساد؛ فالأطباء يعانون من ظروف سيئة جدًّا في الرواتب, ويشعرون بعدم الأمان؛ لأنه ليس لديهم حقوق تقوم بالدفاع عنهم أثناء تأدية عملهم؛ فعلى سبيل المثال قد تحدث حالة وفاة طبيعية لأحد المرضى لا دخل للطبيب فيها, فيتخيل أهل المريض الذي توفاه الله أن الطبيب هو السبب في الوفاة, فيقوموا بإتلاف أجهزة بمبالغ طائلة, بل ويتعدَّى الأمر إلى الاعتداء على الطبيب، ولا يوجد مَن يدافع عنه ويحميه.

 

عجز النقابة
 
 الصورة غير متاحة

د. جمال عبد السلام

ويضيف الدكتور عبد السلام أن نقابة الأطباء طالبت منذ عام 1992م بتقليل أعداد طلبة كلية الطب، ولكن لا حياةَ لمن تنادي، وكان من جرَّاء ذلك تخرُّج أطباء لا يعرفون كيف يمارسون المهنة، ناهيك عن انتشار الدروس الخصوصية بكلية الطب, وقلة الخبرة والتدريب، فكانت الجرائم والأخطاء الجسام الذي ارتُكبت في حق المرضى.

 

وحول مسئولية نقابة الأطباء تجاه تلك القضية يوضح الدكتور عبد السلام أن نقابة الأطباء للمرضى قبل أن تكون للأطباء؛ "فأية شكوى تُقدَّم إلينا نقوم بالتحقيق فيها, وتتراوح العقوبات بين الإيقاف من 3 أشهر إلى عام عن ممارسة المهنة إلى الإيقاف النهائي عن ممارسة المهنة، ولكن للأسف إننا في نقابة الأطباء لا نملك صفة الضبطية القضائية لتنفيذ القرارات التي تتخذها النقابة بشأن الأطباء المخالفين لقواعد المهنة؛ فإذا أصدرت النقابة قرارًا بإيقاف طبيب لارتكابه خطأً فادحًا, وذهب أحد أعضاء النقابة في اليوم التالي ووجد هذا الطبيب الموقوف عن العمل يمارس المهنة في إحدى المستشفيات، فإنه ليس لديه السلطة لإيقافه؛ لذلك نحن في الأطباء بحاجةٍ إلى تنفيذ قرارات النقابة عن طريق رقابة قوية تشرف على سريان هذه القرارات بحق المخالفين.

 

إدمان الفساد

ويؤكد دكتور فريد إسماعيل عضو لجنة الصحة بمجلس الشعب أن الإهمال والتسيب والانتهاكات التي أصابت المستشفيات في هذه الفترة الحالكة هي نتاج تراكمات الفساد خلال فترات تولِّي حكومات متعددة أدمنت الفساد، بل وتعمل على حمايته؛ مما أدى إلى تفشِّي الفساد في كل قطاعات الجمهورية، والصحة أحد هذه القطاعات.

 

ويضيف أن الفساد المتوغل في الصحة وكل ما يتعلق بها- ومنها المستشفيات- موجود منذ فترة ليست بالقليلة, والمتسبب في الفساد هو ضعف الرقابة الحكومية على وزارة الصحة والمديريات والوحدات التابعة لها، مشيرًا إلى أن مصر تفتقر إلى جهاز رقابي قوي يحاسب الفاسدين والمنحرفين.

 

 الصورة غير متاحة

د. فريد إسماعيل

 ووصف د. إسماعيل موازنة وزارة الصحة بأنها قليلة جدًّا؛ حيث تبلغ 12.1 مليارًا: 65% أجورًا ومرتبات, وما ينفق على التجديدات والإنشاءات والأجهزة الطبية أقل من 3 مليارات جنيه, مشيرًا إلى انخفاض نسبة الاستثمارات في وزارة الصحة من 3.6 مليارات جنيه إلى 597 مليون جنيه هذا العام، مؤكدًا أن ميزانية وزارة الصحة من المفترض ألا تقل عن 20 مليار جنيه حتى نتمكَّن من التجديدات.

 

وعن حالة المستشفيات والأطباء في الآونة الأخيرة، يقول إن هذا له عدة أسباب؛ منها ضعف التمويل في وزارة الصحة؛ مما أدى إلى عدم توفر الكثير من الإمكانيات المطلوبة، وبالتالي العجز عن تقديم الخدمة الجيدة للمريض, ومنها التدخل السياسي في العمل الطبي، موضحًا أنه يتم استغلال وزارة الصحة للترويج السياسي للحزب الحاكم؛ مما يثقل عاتق وزارة الصحة بمصاريف تصل إلى 200 ألف جنيه هي قيمة القوافل الطبية التي يقوم الحزب بتقديمها إلى المواطنين.

 

وأوضح د. إسماعيل أن القوافل الطبية تُقام بطريقة خاطئة, حتى إنها تقام بجانب المستشفيات وتستعين القوافل بأدوات وأطباء ومعامل وكل إمكانيات المستشفى المجاورة لها؛ مما يؤدي إلى توقف العمل بهذا المستشفى, وتساءل: "ما الفائدة العائدة على المواطن من هذه القوافل؟!".

 

خصخصة التأمين الصحي

ورفض دكتور رشوان شعبان المتحدث الرسمي باسم جامعة أطباء بلا حقوق وأخصائي العناية المركزة بمستشفى ناصر العام اتهام الأطباء بأنهم سبب للفساد في المستشفيات، مطالبًا الجميع بالنظر إلى حال الطبيب الذي يتقاضى 230 جنيهًا في الشهر, فكيف يستطيع أن يتزوَّج ويعيش حياة كريمة بهذا المبلغ الذي لا يكفي طفلاً صغيرًا؟!

 

وأوضح د. شعبان أن الأطباء يمارسون المهنة في ظروف صعبة جدًّا؛ لا يجدون إمكانيات تساعدهم على إنجاز أعمالهم؛ مما يؤدي إلى فشل وتقصير في أداء الخدمة الطبية؛ فالإهمال والتجاهل والمعاملة غير الإنسانية يعاني منها الطبيب قبل المريض, ولكننا اعتدنا على إلقاء اللوم على الطبيب المعالج؛ لأنه هو الذي في وجه المدفع، على حد قوله.

 

ويشير د. شعبان إلى أن الطبيب يتعرض للتجاهل بمجرد التحاقه بكلية الطب؛ حيث إنه لا يتمتع بالتعليم والتدريب اللائق به، والذي يؤهله لكي يصبح طبيبًا ماهرًا, وبعد التخرج يُعيَّن بمرتب لا يتعدى 150 جنيهًا, ثم يترك الطبيب بدون تدريب ولا تأهيل ولا تطوير, فكيف له أن يقوم بتطوير نفسه بـ150جنيهًا؟!.

 

ويرى د. شعبان أن ما يحدث في وزارة الصحة محاولةٌ من الدولة لخصخصة وزارة الصحة؛ حيث إنها تحاول إظهار الوجه السيئ للتامين الصحي حتى تتمكن من خصخصته في الأيام المقبلة.