في الوقت الذي رفض فيه الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء تأجيل بدء العام الدراسي الجديد لمدة عشرة أيام فقط لتخفيف العبء عن كاهل الأسر المصرية نتيجة تزامن ثالوث إرهاق جيوب المصريين (رمضان، والمدارس، والعيد) في آنٍ واحد.. منح وزراء حكومته تصريحًا بالذهاب إلى الشواطئ العالمية والمحلية؛ ليس فقط هروبًا من حرارة الشمس وسخونة الجو، ولكن أيضًا من السخط الشعبي العام الذي يجتاح الشارع المصري نتيجة الغلاء الفاحش والكوارث المتتالية وتصرفات الحكومة وقراراتها المتضاربة.
وقد تنوعت مشارب أعضاء الحكومة في كيفية التصييف؛ فمنهم من فضَّل زيادة دخل السياحة في دول أخرى غير مصر وذهب هو وأسرته لقضاء إجازة الحكومة بالخارج؛ حيث سافر الدكتور محمود زقزوق وزير الأوقاف وزوجته الألمانية إلى ألمانيا، والدكتور طارق كامل وزير الاتصالات وأسرته إلى نيويورك، والمهندس أمين أباظة وزوجته إلى النمسا، والدكتور محمود محيي الدين وزير الاستثمار إلى أمريكا، في الوقت الذي يستعد فيه باقي الوزراء للسفر ليتمتعوا بقضاء أجمل الأوقات على أنغام الموسيقى الكلاسيكية ومياه البحر، تاركين خلف ظهورهم الرعية بصراخهم وأوجاعهم وآلامهم التي تئن منها الجبال، على طريقة "أنا هايص وأخويا لايص".
تساؤلات عديدة تطرح نفسها بشدة الآن، وهي: هل من حق الحكومة أن تأخذ إجازة؟ أم أن وجودها أصبح مثل عدمه؟ وإن كان للحكومة دور فمن يقوم به أثناء إجازتها؟.. كل هذه الأسئلة يجيب عليها (إخوان أون لاين) في التحقيق التالي:
حسين محمد إبراهيم
بدايةً.. يؤكد النائب حسين محمد إبراهيم نائب رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين أن الأغلبية العظمى من الوزراء في مصر ليسوا وزراء بالمعنى المتعارف عليه عالميًّا، بل هم موظفون بدرجة وزراء، ويتساوى وجودهم في مكتبهم مع وجودهم في المصيف؛ لكونهم ينفذون تعليمات وليست لديهم سياسة واضحة.

ويشير إلى أنه كنائب عن الشعب لا يستشعر وجود فائدة للوزراء في مصر؛ حيث بات وجودهم كعدمه.
ويشدد على أنه طالما ظل الوضع على ما هو عليه سيظل هذا الواقع السيئ على ما هو عليه ما دام لم يرفض أحد منهم بقاءه على كرسي لم يقدم فيه جديدًا.
سمت عام
د. مجدي قرقر
يقول الدكتور مجدي قرقر الأمين العام المساعد لحزب العمل إن هناك قاعدة ثابتة لدى وزراء الحكومة المصرية مفادها "الاستهانة بمصالح الشعب"، ويتعامل كلٌّ مع وزارته كأنها عزبة خاصة.

وعن البذخ المعتاد في مصايف الحكومة يوضح أن الإسراف والبذخ أصبحا سمتًا عامًّا لهذا النظام الحاكم قائلاً: "إن الأمر لا يقتصر فقط على نفقات المصايف الخاصة بهم، بل يمتد بهم إلى الاستيلاء على قطع أراضٍ في المناطق السياحية وجعلها حكرًا على متعتهم الشخصية؛ مما يمثل اعتداءً على ملكية الشعب، فضلاً عن أشياء عديدة، مثل نفقات تأثيث المكاتب، والتي يتم استيراده من الخارج، وغير ذلك من صور البذخ والذي لا يتناسب وأوضاعنا الحالية".
"فشلة"
ويرى أبو العز الحريري عضو مجلس الشعب السابق أن المشكلة لا تكمن في إجازة الحكومة من عدمها، مشيرًا إلى أن هناك وزراء يكونون موجودين في مكاتبهم فترات طويلة ولا يقدمون أشياء بل يؤخرونها؛ لكونهم "وزراء فاشلين".
ويضيف أن الأمر هنا يعتمد على نوع السياسة التي تدار بها البلاد؛ فما نحن فيه الآن من أزمات سببها خطأ السياسة المستخدمة.
تحت "الشماسي"
عبد الغفار شكر
ويؤكد عبد الغفار شكر عضو المكتب السياسي لحزب التجمع أن الشعب يشعر بسخط شديد على وزرائه وتصرفاتهم، سواءٌ أكان لأخذهم عطلة صيفية أم لغيرها؛ بسبب ما يعانونه من ضيق العيش وتأزم الأوضاع المتزايد يومًا بعد يوم من غلاءٍ في الأسعار وكافة أشكال الفساد الأخرى في المجتمع، نافيًا عدم قدرة الحكومة على ممارسة أعمالها بسبب الإجازة.

وقال إن الحكومة تستطيع ممارسة أعمالها عن طريق المسئولين التنفيذيين؛ فهناك وكلاء الوزارة وغيرهم، مشيرًا إلى أن دور الوزراء يقتصر فقط على التوجيه، مبديًا اعتراضه الشخصي علي مقولة إن "مصر تُدار في الصيف من على البلاجات أو من تحت الشماسي".
السيد الرئيس
ويضيف الدكتور أحمد ثابت أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة أن إجازة الوزير أو المسئول يجب ألا تزيد عن شهر طوال العام، وتكون على فترات متفرقة وليست دفعة واحدة، وأن القضية ليست في غياب الوزير ولكن في نظام المركزية الذي يعطي الصلاحية المطلقة للمسئول الأول في أي قطاع، مثل الوزير، في أن يوقع أو يوافق على أي موضوع بما فيه إجازة الوضع للموظفة، وهذا يؤدي إلى تعطيل مصالح الناس ويؤدي إلى شلل أداء الوزارات، كذلك يؤدي إلى سلبية وتهميش الموظفين الأدنى في الدرجات الوظيفية بعد الوزير.
ويقول: "من سلبية الإدارة في مصر أن نظام الحكم منذ الثمانينيات أدمن نظرية "بناءً على تعليمات السيد الرئيس"، ولا يستطيع المسئول اتخاذ القرار المناسب في الأمور إلا بعد اهتمام الرئيس".
ويؤكد أن الحل ليس في أمور الإجازة أو إعادة الوزراء إلى مكاتبهم بسرعة، ولكن في إعطائهم الصلاحية في اتخاذ القرار، وأن تكون الصلاحية كذلك متاحة لوكلاء الوزراء والمسئولين في الصف الثاني مع إعداد هؤلاء المسئولين حتى يكونوا خبراء وأكْفاء قادرين على اتخاذ القرار المناسب.
بذخ
![]() |
|
د. جهاد صبحي |
وأشار إلى أن معدل الدين المحلي أصبح مرتفعًا عن معدل الناتج القومي؛ حيث زادت نسبته إلى 110%، وهذا يخالف المؤشرات الاقتصادية الدولية؛ مما تسبب في عجزٍ في الموازنة العامة للبلاد، قائلاً: "نحن دولة نامية وفي أمسِّ الحاجة إلى إنتاج حقيقي لا إلى إسراف وبذخ حكومي".
"فرقعة"
ومن الناحية القانونية يرى د. أحمد سعد أستاذ القانون الدولي بحقوق القاهرة أنه لا توجد عطلة بالمعنى الحقيقي للكلمة، قائلاً: "إن الإجازة مجرد "فرقعة"؛ لأن الحكومة تريد أن تكون موجودة في الإجازة أكثر من أي وقت آخر لتقوم بتنفيذ القرارات التي تخشى تنفيذها أثناء انعقاد الدورة البرلمانية لمجلس الشعب خشية اعتراض المجلس عليها وعدم تمريرها، ولا يجوز للحكومة أيضًا الحصول على إجازة لأنه لا يوجد سند قانوني لذلك، سواءٌ في القانون أو في الدستور.
وأخيرًا.. يبقى سؤال: إذا كانت الحكومة في إجازة فمن الذي يتابع تنفيذ الخطط أثناء هذه الفترة؟! أم أنها حكومة مشكَّلة من أفراد الجن الأحمر بحيث تتابع أعمالها وهي في إجازة؟!!
