د. عبد الجليل مصطفى:

- قطار تحرُّك الشعب للإصلاح انطلق ولن يستطيع أحد إيقافه

- المحاكمات العسكرية بدعة للنظم المستبدة الفاسدة لمواجهة الإصلاح

- الإخوان المسلمون هم صمام الأمان الأول لأمن مصر القومي

- التوريث العائلي والتوريث المؤسسي هما السببان الرئيسيان في الفساد

- البحث العلمي في مصر ميت، والمراكز البحثية إهدارٌ لمال الشعب

 

حوار- محمد أبو العز

اختارت حركة "كفاية" الدكتور عبد الجليل مصطفى عضو حركة 9 مارس منسِّقًا عامًّا للحركة بعد وفاة منسقها السابق الدكتور عبد الوهاب المسيري، ويأتي هذا الاختيار في وقتٍ عصيبٍ تمر به الحركة، فضلاً عما تشهده الحياة السياسية من تقلُّبات.

 

وحول مستقبل الحركة وخططها في المرحلة المقبلة التقينا بالدكتور عبد الجليل مصطفى ثالث منسق لحركة كفاية، وأجرينا معه هذا الحوار:

 

 الصورة غير متاحة
 

* بعد توليك مسئولية حركة كفاية.. ما هي خططك لإعادة الحركة إلى الشارع مرةً أخرى؟

** أولاً: أنا مجرد منسق، والمسئول عن الحركة هو كل أفرادها، ونحن بالفعل ندرس الخطوات المناسبة والملائمة لكسر حالة الجمود التي يعيشها الشارع السياسي خلال الفترة الراهنة، كما أننا نبحث السبل الكفيلة بعودتنا إلى الشارع مرةً أخرى، رغم أننا لم نَغِبْ عنه من الأساس.

 

كما أن اللجنة التنسيقية ناقشت أيضًا خطط التحرك السياسي في المرحلة المقبلة وتطوير مساعي الحركة إلى تأسيس "ائتلاف المصريين من أجل التغيير"، ومواصلة الحوار مع الشخصيات العامة والبرلمانيين المعارضين، والأطراف السياسية.

 

كما قررت اللجنة التحضير لاجتماع موسَّع يضم- إضافةً إلى أعضائها- ممثِّلي وكوادر وقيادات الحركة في المحافظات لبحث خطط التحرك المستقبلية.

 

* ولكن هناك من يؤكد أن هناك اتفاقًا ما حدث بين الحركة والحزب الحاكم لترك الشارع مقابل مشاركتكم كأفراد من خلال مؤسساتكم في أية خطة لصياغة مستقبل مصر؟

** هذا الكلام لا أصل له، وليس بيننا وبين الحزب الوطني أية وثيقة، ولا أعرف مصدر هذا الكلام.

 

واقع مرير

* لو تركنا حركة كفاية وتحدثنا عما يعيشه الواقع المصري الآن؛ فقد استطاع النظام الحاكم في الفترة الأخيرة تقوية قبضته الأمنية من خلال القوانين الاستثنائية والطوارئ والمحاكمات العسكرية وقوانين الإرهاب والاعتقالات.. هل ترى أن مثل هذه القبضة الأمنية من شأنها أن تطيل فترة الاستبداد وتأخُّر الحريات التي يتوق الناس إليها؟

** مصير الاستبداد محتوم، والكون قائم على التغيير والتوازن، وحينما تحيد الأوضاع سرعان ما تتبدل إلى العكس، وهذا النظام الحاكم في مصر استنفد أغراضه ولم يصلح لأي شيء إيجابي، والعكس هو الصحيح؛ لأن القبضة الأمنية والظلم والقهر هو الذي يقصِّر من أجل الأنظمة المستبدة ويقضي عليها.

 

الإخوان خطر

 الصورة غير متاحة

إحدى مظاهرات الإخوان المطالبة بالإصلاح

* لكن النظام دائمًا يقول إن مثل هذه الإجراءات هي من باب الحفاظ على أمن مصر القومي خوفًا من التيارات المدعومة من الخارج أو من التيارات الإسلامية؟

** هذا تعميم غير مقبول من النظام، والتطرف- سواء من الإسلاميين أو من غير الإسلاميين- أصلاً غير مقبول، والتيار الإسلامي خاصةً ليس خطرًا على مصر كما يدَّعون، ومقولة إن الإخوان خطر على الأمن القومي، يمكن أن يكونوا خطرًا على شخص من قال ذلك؛ فهو خطر سياسي لأنه تيار له شعبيته في مصر، ولكن ليس خطرًا على الأمن القومي، بل إن هذا التيار أنا اعتبره صمام الأمان للدفاع عن مصر من قِبل أي استعمار قادم عليها، فكيف يشكِّل مثل هذا التيار الوطني خطرًا على أمن مصر القومي؟! وإن هذه الإجراءات القمعية ضد هذا التيار خاصةً وعلى الشعب عامةً قد دمَّرت الاقتصاد وقتلت الحياة والحريات العامة ومزَّقت قوة الوطن وتأثيره في محيطه.

 

* من وجهة نظرك.. هل هناك أسباب لهذا القمع الذي أشرت إليه؟

** لقد أدرك النظام منذ زمن أنه لا حياة له إذا كان الشعب وإرادته مصدرًا للسلطات في الحكم، ومن ثم استبعد كل الفرص التي تتيح تحقيق ذلك؛ وأبرزها إجراء انتخابات حرة على أي مستوى، وآخِر ما ارتكبه النظام في هذا هو الانقلاب الدستوري عام 2006م الذي استبعد القضاة عمليًّا من الإشراف على الانتخابات؛ لأنهم فضحوا التزوير المنهجي الذي أتاح للنظام أن تكون له الأغلبية في مجلس الشعب لضمان السيطرة على التشريع، وهم يرون- بل لم يتصوَّروا- أنه لا يوجد من بين أبناء الشعب من يصلح للحكم غير نخبتهم الفاسدة المستبدة، والتي يصمِّمون على تأبيدها في الحكم من خلال التوريث العائلي أو التوريث المؤسسي، وهذان التوريثان تعاني منهما مصر كثيرًا.

 

كما أنني أعتقد أن هذين السببين- وهما التوريث والخوف على رموز النظام من محاكمات محتملة بسبب ما اقترفوه في حق الشعب؛ من فسادٍ ومهاناتٍ واعتقالاتٍ، بل ونهب السلطة والثروة- هما السببان لقتل الحياة الديمقراطية والسياسية في مصر.

 

بدعة

* هل تتفق مع الرأي القائل إن النظام عندما فشل في مواجهة الإخوان سياسيًّا لجأ إلى المحاكمات العسكرية وعدَّل الدستور حتى لا يواصلوا فوزهم الذي حقَّقوه في انتخابات 2005؟

** بالتأكيد.. فهذا أمر ليس عليه خلاف، كما أن المحاكمات العسكرية للمدنيين بدعة غير معروفة إلا في نظم الفساد والاستبداد، وليس معقولاً أنه في القرن الـ21 لا يعرف العالم أسس المحاكمات العادلة؛ فهي من قبيل العلم العام المعلَن؛ ليس فقط في الدساتير المحلية الوطنية، ولكن في كل المواثيق الدولية التي تدَّعي حقوق الإنسان، وهذه القضية تسيء إلى
الدولة وتعبِّر عن وجه مصر المقهورة.

 

* هناك من يراهن على أن حالة الغضب والاحتجاج التي شهدها الشارع المصري، إضافةً إلى وجود تيارات سياسية حقيقية مثل الإخوان وكفاية وحركة القضاة الإصلاحيين والصحافة الحرة.. هو من يغيِّر وجه مصر، وفي مقابل هذا الرأي هناك من يرى أن هذه الحركات والاحتجاجات لن تُحدث التأثير المرجوَّ؛ لأنها في النهاية أضعف من النظام الحاكم.. إلى أيٍّ من الرأيين تميل؟

** أنا متيقن بأن الانتصار في النهاية لإرادة الشعب؛ لأنها من إرادة الله، ولا شك أن حركات الاحتجاج السياسي التي قادتها كل قوى الإصلاح في الشارع المصري أحدثت نوعًا من التغيير، وهو ما يدل عليه كثرة الإضرابات ونشر الفضائح وتراجع الحكومة عن سطوتها مثلما حدث مع عمَّال المحلة، ومؤخرًا في مشروع أجريوم؛ فهذه أمور لم تكن تحدث لولا وجود هذه الحركة الثائرة من قوى الإصلاح.

 

فشل الأحزاب

* ولكن اسمح لي؛ فهذه القوى- وهي بالمناسبة غير معترف بها قانونًا- لن تستطيع وحدها قيادة الشعب للتغيير؛ فهناك أيضًا أحزاب وتوجُّهات معارضة أخرى.. فلماذا لا تتشارك هذه الفئات (القانونية) مع قوى الإصلاح التي سبق الإشارة إليها؟

** هذا الواقع المتفشي والمستبد فتَّت وحدة المجتمع، وجعل كل فرد في جزيرة منعزلة عمن حوله، ولا شك أن المسئول عن هذا التناقض والغياب للأحزاب المعارضة هو القمع والإفقار والحصار وتزييف الوعي عن كل ما نعانيه، إلا أن هناك أمرً لا يجب إغفاله، وهو دَور المواطنين وأهمية أن يتحمَّلوا مسئولياتهم لإصلاح شئون البلاد، وفي هذا المقام علينا ألا نغفل أن الشعب الآن يعج بالحراك والتفاعل مع الأحداث والمواطنين في مختلف الجهات؛ يطالبون بحقوقهم، والشواهد على ذلك لا حصر لها.

 

* ولكن هذا الشعب يتحرك من أجل قوت يومه، ولا يتحرك من أجل إصلاح سياسي، كما أنه لا يوجد من يوحد صفه؛ نظرًا للخلافات الطاحنة بين القوى والتيارات السياسية.. فكيف تراهن عليه؟

** لقد بدأ قطار الإصلاح في التحرك، ولن يوقفه أحد، سواءٌ كان هذا التحرك من أجل لقمة العيش أو من أجل الإصلاح السياسي؛ فالنتيجة في النهاية يجب أن تصل إلى محطة التغيير؛ فالشعب ضحية، والنظام هو الجلاد، وسيزول قريبًا هذا الجلاد، ولا تنتظروا أن يتغيَّر حال الناس من حال إلى حال في يوم وليلة.

 

وأنا متأكد أن الشعب المصري لديه مقومات مقاومة الاستبداد وكل أنواع الظلم، والتاريخ خير شاهد على ذلك، حتى إن كان هذا التغيير بطيئًا، وهو نتيجة آثار القسوة والاستبداد التي تقوم بها الأنظمة المستبدة الشمولية، إلا أن بوادر التغيير قد لاحت في الأفق، وإن ساعة الخلاص لن تغيب طويلاً.

 

أما فيما يتعلق بالخلافات الموجودة بين التيارات السياسية المختلة فهذا إفراز طبيعي للاستبداد وحالة الانغلاق السياسي والثقافي والفكري الذي فرضه نظام الاستبداد على الوطن كله، إلا أنني أعود وأكرِّر وأقول: إن الشعب حاليًّا في حالةٍ من الحراك حتى ولو بدا خفيفًا؛ فالألف ميل تبدأ بخطوة، ونحن قد بدأنا خطوات ولن نتوقف؛ لأنه أمر طبيعي في ظل تزايد البطالة يومًا بعد يوم، وارتفاع الأسعار بصورة جنونية، وغيرها من مظاهر الفساد المتفاقم، ولم يَعُد الشعب يقتنع بمبرِّرات النظام التي كان يسوقها من خلال إعلامه وصحافته بأن ما يحدث نتيجة الازدياد المستمر في عدد السكان، وأن الشعب هو المسئول عن هذا التدهور، وكما قلت، فإن هناك عدوانًا مستمرًّا على حقوق الشعب وعلى ممتلكاته بوحشيةٍ من النظام، ولا نظن أن الشعب سيستسلم حتى يخرج من هذا المأزق، وأي لوم يجب أن نلقيَه على الجلاد وليس على الضحية.

 

الجامعة في خطر

 الصورة غير متاحة

إصلاح التعليم الجامعي ضجيج بلا طحين.. شعار رفعه أساتذة الجامعات

* باعتبارك عضوًا في حركة 9 مارس لاستقلال الجامعات.. هل تتفق مع من يقول إن الجامعة تقلَّص دورها ولم تستطع الصمود للحفاظ على استقلالها وحرية التعبير والبحث فيها؟

** الجامعة المصرية الأم أنشئت عام 1908م، وكانت جامعةً أصيلةً مستقلةً، وفي عام 1925م اضطرت الجامعة- نظرًا للضغوط المالية على ميزانيتها- أن تقبل بتدخل الحكومة في تمويلها، وبالطبع عملت الحكومة على فرض السيطرة على الجامعة والتضييق على الحريات الأكاديمية للأساتذة والطلاب، ومنذ هذا التاريخ والصراعُ قائمٌ بين الجامعات والسلطة القائمة التي تفاقم تدخلها في شئون الجامعة إداريًّا وسياسيًّا وأمنيًّا خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وهو ما يحاول المثقفون في الجامعة على مدى الأجيال المتعاقبة التصدي له، والتخلص منه، وهذا الحراك ملحوظ لدى الرأي العام؛ لأنه يعبِّر عن نفسه، سواءٌ من خلال أنشطة متنوعة داخل الجامعة نفسها مثل حركة 9 مارس، أو في الحياة الثقافية وفي الإعلام إلى حدِّ اللجوء إلى القضاء لفض قبضة السلطة المستبدة على الجامعة وتوفير أساسيات البحث العلمي وحرياته التي بدونها لن يكون هناك جامعة حقيقية.

 

* فيما يتعلق بالبحث العلمي؛ فقد وصل إلى درجة من الانحدار لم يسبق لها مثيل.. ما السبب في ذلك؟

** البحث العلمي في مصر ميت؛ لأن الواقع يؤكد أن التعليم في مصر وفي كافة مراحله يسيطر عليه النظام، وبالتالي لا يوجد في مصر بحث علمي وحرية بحث في مقابل أن النظام يتفنن ويتحمس للإنفاق على أجهزة القمع في الأمن وأجهزة تزييف الوعي في الإعلام، ولو خصَّص بعضًا مما ينفق على البحث العلمي لكان شأن البحث العلمي مختلف.

 

* لكنَّ هناك عددًا كبيرًا من مراكز الأبحاث العلمية في مصر؟

** هذه مراكز لإهدار المال العام؛ لأنها لا تُنتج، ولا قيمة لها؛ مما يجعل من وجودها عبئًا على الدولة.