- د. مجدي قرقر: القانون يرعب المواطنين ويخدم مصالح فئوية

- د. جهاد صبحي: فرض الجباية عنوان ملاصق لسياسات النظام

- صبحي صالح: النظام يتعامل مع الشعب بمنطق "الاستعباط"

- عمرو الشوبكي: مصر لم تطبِّق التشريع القديم، والجديد كارثة

- العميد محمود القطري: عقاب الشعب فلسفة الأنظمة الجائرة

 

تحقيق- حسن محمود:

تثبت الحكومة المصرية يومًا بعد يوم أنها تستحق- وبجدارة- تصدُّر قائمة حكومات الجباية على مستوى العالم حتى وإن خلعت عباءة التكنوقراط وارتدت ثياب رجال الأعمال، وتفاجئ الحكومة شعبها بين الحين والآخر بقانون جديد يفرض إتاواتٍ مضاعفةً على المواطنين، ضمن سلسلة متراكمة من قوانين الجباية في مصر، كقوانين الضرائب على العقارات والأراضي الزراعية، والضرائب على الدخل والمبيعات، وزيادة رسوم الماء والكهرباء وكافة الخدمات الواجب تقديمها للمواطنين.

 

وتترك الحكومة العنان لمنفِّذي هذه القوانين في التحكم في استخدامها كسيوف مُصْلتة على رقاب المواطنين دون رقيب؛ الأمر الذي يؤدي إلى استفحال الفساد لا إلى محاربته.

 

وأصبح من المُسلَّم به أن الحكومة المصرية امتهنت وضع قوانين جباية تحتاج إلى "فهّامة أو علاَّمة" كي يفسِّرها؛ لتتمكن في أي وقت من الهروب أو "التملص" من مسئولياتها تجاه هذه القوانين وتحصيل أكبر قدر من الموارد المالية من جيوب "الغلابة" لصرفها.

 

ومع دخول قانون المرور الجديد حيز التنفيذ يؤكد الخبراء والمراقبون أنه لا صلة له بالواقع المصري، وأن الحكومة لا يعنيها إعادة قراءة قوانينها في هدوءٍ وحكمةٍ قبل خروجها إلى النور، بقدر ما يعنيها أن تستمر في ابتكار مصادر جديدة لجمع الجباية من الشعب وتقنينها وجعلها فرصةً لمدِّ جذور تحالف الثروة والسلطة من أجل مصالح رجال الأعمال، مشدِّدين على أن القانون ليس هو المخرج لحل مشكلة المرور في مصر إن لم تتم قراءة حقيقة الواقع المصري ومتطلباته دون تحميل للمواطن فوق طاقته.

 

في البداية رصد (إخوان أون لاين) حالة الشارع المصري بعد يومين من دخول القانون الجديد حيِّز التنفيذ الفعلي؛ فكان التذمر واللعنات المتبادلة من جانب السائقين والركاب تجاه الحكومة ورجال المرور هو سيد الموقف في جميع المواقف الرئيسية والفرعية على مستوى أنحاء الجمهورية.

 

واختلفت التفسيرات المتداولة حول القانون الجديد بين السائقين والركَّاب من منطقةٍ إلى أخرى؛ حيث يرى البعض أن القانون جاء لفرض جباية جديدة على الشعب المصري، فيما ذهب البعض إلى أن القرار يخدم مصالح فئوية لحفنة من رجال الأعمال.

 

شكوك وشبهات

 الصورة غير متاحة

 د. مجدي قرقر

يؤكد د. مجدي قرقر أستاذ التخطيط بجامعة القاهرة أنه ليس بالقانون يحيا الإنسان، وأن القانون يأتي في المراحل الأخيرة للقضية، مشددًا على أن قضية المرور قضية علمية وثقافية بالدرجة الأولى؛ تعتمد على فرض أسس تخطيطية صحيحة.

 

ويرى أن القانون يثير الكثير من الشبهات، ويوسع فجوة عدم الثقة بين المواطنين والحكومة، مشيرًا إلى أن القانون جسَّد نوعًا من تطويع المصالح بين المستفيدين من أصحاب المصانع بوقف عشرات الآلاف من السيارات بسبب حظر الترخيص؛ مما يؤدي إلى اشتعال الأسعار، كما يثير الصفقات حول استيراده.

 

ويوضح أن "شنطة" الإسعافات الأولية باتت أيضًا مثيرةً للريبة، خاصةً أن القرار الخاص بمواصفاتها لم يصدر حتى تاريخه، وينتظر أن يحدد مواصفات معينة تثير مخاوف المواطنين.
ويشدد قرقر على أن مشكلة المرور في مصر لن يحلها قانون؛ حيث إن القانون يأتي تتويجًا لكثيرٍ من الفعاليات، وغير ذلك سيكون مصيره الخرق والتجاوز ووضعه في الدرج شأنه شأن كل القوانين الأخرى.

 

جباية مقنَّنة

 الصورة غير متاحة

د. جهاد صبحي

ويؤكد د. جهاد صبحي أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر أن القانون استمرارٌ لتدبير الموارد المالية التي تريدها الحكومة لتغطية علاوة الـ"30%" التي أقرَّها الرئيس مبارك في مايو الماضي.

 

ويشير إلى أن الإصرار الحكومي على فرض جبايات على المواطنين يكشف عجز الحكومة عن توفير موارد لهذه العلاوة الوهمية، وتوجهِّها إلى جلبها عن طريق الإصرار على فرض حزمة من الغرامات غير المبرَّرة، مؤكدًا أنه رغم وجود مخالفات مالية تقدَّر بـ"750" مليون جنيه في العام الماضي إلا أن الدولة لم تَرَها كافيةً لهذا العام.

 

ويشدِّد على أن هذا القانون لن يستمرَّ لفترةٍ طويلةٍ في نفس الوقت الذي من المؤكد أن تتفاقم فيه ظواهر الرشاوى والإكراميات، مشيرًا إلى أن الأموال لن تزيد بالزيادة المطلوبة حكوميًّا، بل المتوقع أن تزيد "تسعيرة" أمين الشرطة من 5 جنيهات إلى 20 جنيهًا.

 

ويتمنى د. صبحي من الحكومة أن تراجع نفسها وتدرس قوانينها جيدًا وتوفِّر طرقًا ووسائل وحلولاً دائمةً بعيدًا عن الحلول الوقتية التي تستنزف جيوب المواطنين بشراسة.

 

"استعباط"

 الصورة غير متاحة

صبحي صالح

ويقول صبحي صالح عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو اللجنة التشريعية بمجلس الشعب أنه لا أحد يختلف في ضرورة ضبط المرور في الشارع المصري وتحقيق الانضباط والسيولة المرورية، ولكن المشكلة أن الحزب الوطني حكومةً ونوابًا لا يفكِّرون إلا بلغة استبدادية واحدة لا تعرف إلا ثقافة الأمن المركزي، وبالتالي كل الأمور باتت ضربًا وقهرًا وتسلُّطًا وسط غياب تامٍّ للمنطق والعقل.

 

ويؤكد أن الحكومة نقلت ثقافة الأمن المركزي التي تؤمن بها من العمل السياسي إلى قانون المرور؛ فعاقبت الناس دون وجود بدائل، فبدت القضية كأنها بلطجة لا أكثر ولا أقل وسط إهمال متواصل للتخطيط العمراني وخدمات البيئة وشبكات الطرق المُحسَّنة.

 

ويتساءل صالح: "هل يُعقل أن تطالب مواطنًا بـ"شنطة" إسعاف بينما لا توجد نقاط إسعاف حكومية على الطرق السريعة؟! وهل نطالب المواطن بارتداء الحزام بينما يقف في الإشارة طوال الوقت دون مساحة للحركة؟! ثم كيف يستسيغ أحدٌ ترحيل آلاف السيارات من العمل والإعلان عن تجديد أسطول السيارات خلال ثلاث سنوات دون أن تكون مصر منتجِة للسيارات ودون أن يكون في استطاعتها إنتاج لمبة إشارات؟!

 

ويشير إلى أن النظام يمتلك قدرًا كبيرًا من "الاستعباط" والقهر جعله يوافق على رفع أسعار الغرامات، فضلاً عن رفع الأسعار والضرائب ورسوم الخدمات الإدارية دون رفع حقيقي للأجور والمرتبات.

 

فلسفة فاسدة

 الصورة غير متاحة

محمود القطري

ويلفت العميد السابق محمود القطري إلى أن فلسفة القانون تعتنق فلسفةً فاسدةً هي أن المواطن سبب كل مشاكل مصر، بينما الشرطة تحتمل "بلاويه" فداءً للوطن، بدليل أن كل ما فعلوه تشديد للعقوبة وتحميلٌ لجبايات أخرى على كاهل المواطن مثل "شنطة" الإسعاف الغريبة.

 

ويشير إلى أن القانون لم يخاطب شرطة المرور بشيء، بل خاطب المواطن ووضع له العقوبات ولم يقدم له أي شيء منطقي يستطيع أن يستوعبه.

 

ويؤكد أن هذه الفلسفة التي خرجت من رحم القانون تكشف أننا أمام حكم شمولي مستبد قهري؛ لا يجرِّم الحاكم أو حكومته، بل يسعى سعيًا إلى عقاب المواطن وتحميله أسباب الكوارث.

 

ويعتبر أن القانون يكرِّس عدم الثقة ويمهِّد لغضبٍ شعبيٍ لا تعيره الحكومة أي اهتمام، بل يحض على التخلف والرجوع إلى الوراء، ولا يتفاعل مع المواطنين والواقع.

 

وحذَّر من أن القانون يمهِّد لاستمرار مخالفات المرور وخضوعها لمزاج عسكري المرور، حتى تصبح شرطة المرور سيدة قرارها في تحديد مصير المخالفات المرورية في مصر.

 

مواد كارثية

 الصورة غير متاحة

د. عمرو الشوبكي

ويؤكد د. عمرو الشوبكي الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية أن مواد القانون الواحد والثمانين لم ولن تعالج أيًّا من مشكلات المرور في مصر، مشددًا على أنها جاءت معظمها كارثيةً وتحمل الكثير من التكرار والرطانة والانفصال التام عن الواقع.

 

وأوضح أن هذا يدل على أن كوارث القوانين السياسية المفهومة في ظل نظام غير ديمقراطي انتقلت إلى مجال القوانين العامة، التي اجتهد صانع القرار من أجل وضعها لكي لا تطبَّق عمليًّا إلا على من ليس لديهم "واسطة".

 

ويشدد على أن مصر ليست بحاجةٍ إلى قانون مرور جديد، إنما أولاً إلى تطبيق القانون القديم، ثم فقط إضافة مادة واحدة تتعلق بتغليظ العقوبة على من يخالف قواعد المرور بصورة تعرض حياة المواطنين للخطر.

 

ملعب المرور

ويرى د. محمود عبد الحي عميد معهد التخطيط السابق أن المشكلة ليست في الضوابط الشرسة التي يمتلأ بها القانون، ولكن في عدم التمهيد لأي قانون يصدر في مصر، وتطبيقه دون تدريب أحد عليه، متسائلاً: "هل تم تدريب الكوادر المرورية على القانون ليدرك إذا كان المواطن قد تعمَّد المخالفة أم أنه ارتكبها عن غير تعمد؟!".

 

ويؤكد أن الأمر الآن بعد صدور القانون ملقى في يد رجل المرور؛ ولذلك على رجل المرور أن يقطع الطريق على الجميع ويبدأ في تنفيذ القانون بأمانة وصدق دون تعسُّف أو إخلال بالنظام الذي نتمنى أن يُحتَرم في مصر.

 

ويطالب الحكومة بمراجعة مقصدها في مادة "شنطة الإسعاف"، مشيرًا إلى أنه مطلب غير مفهوم في سياق الواقع المصري الذي يحتاج آلاف النقاط الطبية على الطرق السريعة، مؤكدًا أن تحويل هذه الفكرة إلى دفع مقابلٍ لإنشاء هذه النقاط أجدر للمواطن والحكومة معًا.

 

الالتزام

 الصورة غير متاحة

حمدي البطران

ويرى حمدي البطران لواء شرطة سابق أن أهم شيء يجب أن نستخلصه من القانون هو الالتزام من الجميع، شرطةً ومواطنين، في اتجاه تنفيذ بنود القانون وتفعيله كي نصل إلى مستوى الدول المتقدمة.

 

وينتقد عدم تفعيل القانونِ مبدأَ الرقابة على الطرق السريعة، خاصةً في الصعيد، مؤكدًا أن مثل هذه الطرق تحتاج إلى رقابة مرورية فاعلة وشاملة حتى يتم منع تحكم سائقي الميكروباصات في حكم هذه المناطق بالقوة.

 

ويشير إلى أنه من المفترض أن يحدد القانون تسعيرةً جبريةً على سائقي الميكروباصات حتى يتم حل مشكلة الراكب والسائق في مصر بقوة القانون دون ترك المحليات تتخبط بعشوائية في اتخاذ قرارات غير صحيحة.