لا تزال حرية الصحافة في مصر مرتبطةً بقبضة السلطة عليها، ولا تزال إشكالية تخوُّف المسئولين من حصول الصحفيين على الحقائق الكاملة قائمةً، وتثير الحساسيات لديهم؛ مما يدفعهم إلى حَجْب المعلومات خوفًا من النقد وكشف الانحرافات، عملاً بمقولة أحد رؤساء فنزويلا السابقين: "أنا لا أخاف بوابة جهنم إذا فُتحت في وجهي، ولكني أرتعش من صرير قلم محرِّر صحيفة".

 

ولا تستطيع الصحافة أن تؤديَ دورها في تشكيل وتوجيه الرأي العام بدون تمتُّع الصحفيين بحقهم في الحصول على المعلومات من مصادرها، وتقييد هذا الحق، خاصةً بعد أن أصبح الحصول على المعلومات في مصر يمثِّل لوغاريتمًا صعبًا جدًّا في كثيرٍ من الهيئات الحكومية، واعتاد المسئولون- وفي مقدمتهم وزراء الحكومة- تقنين وضع تعاملاتهم مع الصحفيين بالشكل الذي يخدم مصالحهم وآراءهم، بعيدًا عن المصداقية التي يسعى الصحفي إلى تحقيقها لقرائه في تغطيته؛ احترامًا للقارئ وجمهور وسيلته الإعلامية.

 

وبدلاً من أن يتغيَّر هذا الوضع ويسعى الوزراء إلى التعامل في حدود صلاحياتهم مع الصحفيين، وأن يحترموا المهنية والمصداقية وحق الصحفي المقدس في الاطلاع على المعلومة مع احترام رأي المسئول في القضايا المطروحة.. يقوم المسئولون بحَجْب معظم الحقائق ومنع الصحفيين من الحصول عليها، بل ومنعهم أيضًا من أبسط حقوقهم المهنية، وهي حضور اللقاءات والاجتماعات؛ ليست الخاصة فقط، بل اللقاءات العامة أيضًا.

 

ولذلك فإن معظم الخلافات بين الصحفيين والحكومة تدور حول تضارب الأرقام والحقائق وإخفائها؛ مما يعرِّض الصحفي للمسئولية الجنائية عندما يجتهد في الحصول عليها بشكل سري وغير رسمي أو نقل الشائعات، وهو الأمر الذي أدى إلى فقدان الصحافة المصرية ريادتها في العالم العربي؛ بسبب عدم دقة المعلومات التي تعُطى لهم أو يحصلون عليها بوسائلهم الشخصية أو نشرها في سياقات مختلفة كل حسب هواه ومصلحته.

 

(إخوان أون لاين) يفتح من خلال التحقيق التالي ملف صلاحيات الوزير في التعامل مع الإعلام، وما هي حدوده، وكيف يجب أن يتعامل معهم، وماهية حدوده في التواصل مع الإعلام، وكذلك دور مجلس النقابة حيال ذلك.

 

بلطجة
 
 الصورة غير متاحة

محسن راضي

بدايةً.. يصف النائب محسن راضي عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب وعضو لجنة الإعلام أيَّ مسئول ينتهك حقَّ الصحفي في الحصول على المعلومة بـ"البلطجي"، والذي لا يستحق المنصب الذي يتقلده أو الكرسي الذي يجلس عليه، مشيرًا إلى أن سلطة الصحافة مصونةٌ دستوريًّا، ومن حق الصحفي دخول أي مكان وحضور أي اجتماع للحصول على المعلومات.

 

ويؤكد راضي أن أي انتهاكات تتم ضد الصحفي في هذا الصدد إنما هو تعبيرٌ عن نظام سلطوي ديكتاتوري يرتعش من الصحفي وممن يحمل الأدوات الصحفية والحق والحقيقة، معتبرًا ذلك انعدامًا للمبادئ والقيم المجتمعية في دولةٍ يحكمها نظام ديكتاتوري لا يرى إلا مصلحته في كتمان المعلومات وإخفائها عن الشعب.

 

ويستنكر راضي محاولة الحكومة إقرارَ قانون لتداول المعلومات، مشيرًا إلى أن تداول المعلومات ليست تحتاج إلى قانونٍ لتنظيمها ولا أسسٍ تسير عليها، وأنه يجب أن تتاح المعلومات أمام الجميع دون تضييقٍ حتى يتسنَّى لجموع الصحفيين ومن بعدهم الشعب الوقوف على حقيقة الأمور ومعرفة ما يدور بالبلاد بلا غموض.

 

نظام قمعي

ويوضح إبراهيم منصور مدير التحرير التنفيذي بجريدة (الدستور) أن الصحفي من حقه الحصول على المعلومة بكافة الطرق والوسائل دون أي تضييق أو حَجْب، واصفًا الإعلام بالجسر الذي يوصل بين المسئولين والجهات المختلفة وبين الشعوب التي من حقِّها أن يصلها حقيقة المعلومة لا البيانات فقط.

 

ولم يتعجَّب منصور من تصرُّف أي مسئول في الحكومة المصرية بمنع المعلومة عن الصحفي أو بطرده من مكتبه، واصفًا النظام بـ"المستبد والدكتاتوري" الذي يمارس كل أنواع الضغوط لحرمان الشعب من وصول الحقيقة إليه، فضلاً عن منعه واضطهاده حريةَ الرأي والتعبير التي يعتبرها "درجة عاشرة"، متناسيًا أنها مهنة وسلطة يجب أن تحترم.

 

ويؤكد أن النقابة يجب أن يكون لها دور إيجابي أكبر من هذا بالوقوف بجانب الصحفيين والتضامن معهم ومقاطعة المسئول الذي يمنع الصحفيين من الوصول إلى المعلومة والحقيقة الكاملة.

 

فخ الأخطاء

 الصورة غير متاحة

عبد الله السناوي

ويضيف عبد الله السناوي رئيس تحرير جريدة (العربي الناصري) أن الحكومة المصرية لديها مشكلة كبيرة مع الإعلام المستقل منه والمعارض؛ نظرًا لأنها تنظر إليه بأنه متصيِّدٌ للأخطاء وناقم ومثيرٌ للرأي العام، والشعب ضد الحكومة، فضلاً عن تصويرهم الإعلام بالراصد الذي يوقع بهم في الفخ مع أصغر الأخطاء.

 

وينتقد السناوي الأداء الهابط للحكومة وتمسُّكها بالتضييق على الإعلام حتى لا يرصدوا الأخطاء في الوقت الذي تتفاقم فيه الأخطاء والتجاوزات، وتحتكر الرأي العام لصالحها، واصفًا الوزراء والمسئولين في الحكومة المصرية بالسياديين الذين يفعلون ما يريدون في أي وقت دون رقيب.

 

ويقترح على الصحفيين ووسائل الإعلام المختلفة مقاطعة نشر أي صور أو أخبار عن أي مسئول يمنع وصول الحقيقة الكاملة إليهم، مشدِّدًا على أهمية أن يكون لمجلس نقابة الصحفيين دور إيجابي أكبر لحماية المهنة وروَّادها.

 

مخالفٌ للقانون

 الصورة غير متاحة

يحيى قلاش

ويؤكد يحيى قلاش عضو مجلس نقابة الصحفيين أنه لا يحقِّ لأي وزير أو من هو أعلى مرتبةً من الوزير منْعُ الصحفيين من تغطية أي حدث أو اجتماع، مشدِّدًا على أن أي تجاوز ضد أي صحفي يُعتبر انتهاكًا صريحًا للقانون والدستور، وجريمةً يجب أن يتصدَّى لها جموع الصحفيين؛ بدءًا من مجلس النقابة وحتى أصغر صحفي.

 

ويشدِّد على الدَّور النقابي الذي يجب أن يُفَعَّل بتوجيه الصحفيين، ورَفع أمر منعهم إلى مجلس النقابة حتى يتم اتخاذ القرار المناسب بالتضامن معهم واتخاذ القرارات الإجرائية والأدبية والقانونية ضد أي مسئول، واصفًا أية إعاقة لعمل الصحفي بالسلوك المشين المخالف للقانون، وأنه ليس من صلاحيات هذا المسئول.

 

واتفق القلاش مع الاتجاه نحو رفض الصحف نشرَ أخبار أو صور الوزير أو المسئول الذي يتسبَّب في منع وصول الحقيقة إلى الرأي العام، مناشدًا النقيب اتخاذَ القرار المناسب وتقديم بلاغ للنائب العام ضد أي مسئول يقوم بهذا العمل المشين.

 

وناشد الوزراء فَهْم دورهم المسئولين عنه وعدم اعتبار الوزارة ملكًا لهم، وفَهْم أن دور الصحافة رقابي وليس دعائي لأحد، سواءُ كانت وزارةً أو أيَّ شخصٍ آخر، مؤكدًا أن الصحفي ما دام يغطي مصدره بموضوعية فلا يجوز لأحد منعه.

 

واستنكر القلاش الفهم المخطئ عند الوزراء بالخلط بين الإعلان والإعلام، خاصةً في ظل هذا الاحتقان الموجود والوزراء الذي وصفهم بغير السياسيين، والذين جاءوا عن طريق المصادفة ولديهم تصور مخطئ عن مفهوم الرقابة والصحافة وسلطتها.

 

إهانة

وتتفق عبير سعدي عضو مجلس إدارة نقابة الصحفيين مع ما قاله القلاش في أنه لا يحق للمسئول أن يستبدل الصحفيين أو يختارهم كما يحلوا له، مؤكدةً أن الصحفي هو عين الشعب على الوزارة أو الجهة التي يقوم بتغطيتها.

 

وتشدد على أنه ما دام الصحفي يتحلَّى بالأخلاق الطيبة والعمل المهني الجاد والموضوعية في تغطياته فلا يستطيع أحدٌ أن يمنعه عن تغطية أي اجتماع أو مؤتمر أو ندوة ما دامت عامة ويحق من خلالها تداول المعلومات.

 

وتشير إلى أن الصحفي منوطٌ به اتخاذ كل الإجراءات والصلاحيات القانونية للحصول على المعلومة وإيصالها إلى المجتمع والشعب الذي ينتظرها منه.

 

وتؤكد أن النقابة تقف مع كل صحفي يتم انتهاك حقه برفض ومنع نشر صور أو أخبار هذا المسئول حتى النهاية، مشيرةً إلى أن إهانة الصحفي ومنعه من تغطية الحدث يعتبر إهانةً حقيقيةً لمهنة الصحافة ونقابة الصحافة كلها وليس للصحفي فقط.