- الطلاب وأولياء الأمور: التعليم الفني هو الحل ماديًّا ونفسيًّا
- د. سعيد إسماعيل: نكسة الثانوية العامة خلقت رعبًا عند الأهالي
- د. نائل السودة: الحكومة قضت على أمل الطلاب في العلم من أجل العمل
- د. محمود الناقة: ما يحدث تحول اجتماعي طبيعي والتعليم الفني مطلوب أيضًا
تحقيق- إسلام توفيق وأحمد أيوب
عيونهم تتابع بترقُّب ما يحدث في الثانوية العامة.. حديثو السن.. صغار كما يراهم البعض، لكنهم مهمومون منذ الآن بمستقبلهم؛ يفكرون في غدهم ومستقبلهم الدراسي في ظل منظومة تعليمية متضاربة ومتخبِّطة.. هؤلاء هم الطلاب الحاصلون على الشهادة الإعدادية هذا العام، والمقبلون على المرحلة الثانوية.
(إخوان أون لاين) التقى بعضهم وأولياء أمورهم؛ لمعرفة آرائهم فيما إذا كانوا يريدون خوض معركة الثانوية العامة بعد الذي شاهدوه بأمِّ أعينهم في معركة العام الحالي؛ التي سيتم إعلان نتائجها أواخر الأسبوع الجاري؛ أم أنهم سيؤْثرون السلامة ويهربون إلى ساحات مدارس التعليم الفني، صناعيًّا كان أو تجاريًّا أو زراعيًّا أو بريدًا أو تمريضًا أو غير ذلك..
الطلاب انقسموا إلى ثلاثة أفرقة؛ الفريق الأول والأغلب أعلنها صراحةً أنه ليس لديه أي استعداد لدخول معركة خاسرة وغير مضمونة، والثاني قالها على استحياء، أما الثالث وهم قلة فرأوا أن "البرستيج" والوضع الاجتماعي لا يمكن أن يتوافق مع الثانوي الفني.
يقول محمد رمضان أحد المقبلين على المرحلة الثانوية: إنه ليس لديه مقدرة على الدخول في ماراثون الثانوية العامة، وإنه الآن يتخذ إجراءاته لدخول ثانوي تمريض عسكري، وفي حال عدم التحاقه بالتمريض العسكري فسوف يسعى جاهدًا للالتحاق بالثانوي تمريض (العادي) أو بالثانوي بريد.
وعلَّل سبب إقباله على ثانوي التمريض العسكري قائلاً: "على الأقل سأضمن عملاً عقب تخرجي؛ فالوضع الحالي يصعب معه إيجاد عمل ولو بعد كفاح طويل في الثانوي العام، فالمصاريف كثيرة، والنظام الجديد وضع طالب الثانوية العامة تحت رحمة الأستاذ، والأساتذة غير مضمونين".
الطريق الأسهل
![]() |
|
طلاب الثانوية لا يملكون إلا الصراخ بعد صعوبة الامتحانات |
وأكمل راضي قائلاً: "إن أعصابنا ومستقبلنا ليس للتجربة؛ فيوضع نظام ويُجرَّب علينا آخر، وكل نظام يكون "عدم النظام" جزءًا منه؛ فالغش أصبح مقنَّنًا وطبيعيًّا وبأساليب شتى؛ فمن أين لي بحفظ حقي إذا اجتهدت ثم يأتي طالب آخر بالغش ويأخذ مكاني!!.
ويرى راضي أن الطريق الأسلم بالنسبة له في الثانوي الفني الصناعي؛ فهو على الأقل بعيد عن "تعب الأعصاب"، كما أن اللحاق بكليته المفضلة (هندسة) من خلاله أسهل وإن كان أطول نسبيًّا.
توفير الفلوس
ولم يختلف الأمر كثيرًا عند سعاد سمير؛ التي أكدت أن نظام الثانوية العامة أصبح "بعبعًا" ومرحلةً تبثُّ في قلوب الطلاب الخوف والرعب، مضيفةً أنها قرَّرت ألا تدخل الثانوي العام، وأن الثانوي التجاري (الخمس سنوات) بالنسبة لها سيكون أفضل؛ حيث ستستطيع من خلاله الالتحاق بكلية التجارة بدون جهد أو عناء في الدروس الخصوصية، وستوفِّر أموال هذه الدروس.

واتفق معها حسن عبد العزيز؛ الذي أكد أن الثانوية العامة لم تعد تعتمد على مبدأ تكافؤ الفرص، مستنكرًا المحاسن التي كانت موجودةً ومحتْها "الواسطة" عبر اللجان الخاصة وتسريب الامتحانات، كما أن تكاليفها كبيرة جدًّا، والنظام الجديد سيزيد تكاليفها إن كان المدرس لا يخاف الله.
سيد فاروق هو الآخر رفض أيضًا الدخول في زوبعة الثانوية العامة، معلِّلاً أنه في غنى عن الدخول في حرب حرق الأعصاب أثناء الامتحانات أو عند انتظار النتيجة أو أثناء التنسيق، مؤكدًا أنه ليس هناك داعٍ من البداية للدخول في هذا المجال، خاصةً أن الطريق إلى الكليات عن طريق الثانوية العامة بات أصعب، وأنها لم تكن أبدًا معبرةً عن قدرات طلابها.
نتمنى العودة
طلاب الثانوية العامة أنفسهم تمنَّوا أن يرجع بهم الزمن للخلف؛ لكي يبتعدوا عن الثانوية العامة ويدخلوا الثانوي الفني أو الثانوي التجاري، خاصةً أن أغلبهم تلقَّوا صدمات الامتحانات الصعبة ومن قبلها صدمات الدروس الخصوصية والضغط العصبي والنفسي؛ فقد أكدت هند عبد الهادي الطالبة بالمرحلة الأولى للثانوية العامة أنها كانت تتمنَّى أن تدخل الثانوي التجاري كخيار أفضل للالتحاق بكلية التجارة عنه من خلال الثانوية العامة، بعدما رأت من عذاب نفسي وعصبي منها.
وتحكي هند أنها كانت تسهر الليالي في بكاء شديد قبل الامتحانات؛ خوفًا من أن تأتي الامتحانات صعبةً، أو لا تستطيع حلَّها، أو تأتي بنتيجة لا تُرضي طموحها، أو لا تتناسب مع ما تريد.
كما تمنَّى إسلام عيد الطالب بالمرحلة الثانية للثانوية العامة هو الآخر أن يجد من يوجِّهه قبل دخوله الثانوية العامة، مشيرًا إلى أنه مرَّت عليه وعلى أسرته من خلال سنواته في الثانوية العامة أشد الأيام مرارةً، فضلاً عن الضغط المالي والعبء الذي تكبَّدته أسرته من الدروس الخصوصية والكتب الخارجية.
نصيحة الآباء
لم تجد الأم وابنتها إلا البكاء للتعبير عن سخطهما على امتحانات الثانوية العامة

وعلى صعيد أولياء الأمور الذين بدوا أقلَّ تمسكًا بدخول أبنائهم الثانوي العام؛ يقول راضي صادق ولي أمر أحد الطلاب: إن الأمر في النهاية متروك لاختيار ابنه، مشيرًا إلى أنه لن يلزمه بما لا يريد، بل إنه سيقوم بتوجيهه ويخبره بما يرى في الوقت الذي لن يرغمه، وسيتركه يتحمَّل نتيجة اختياره.
ورفضت مها أبو العرب أن تدخل ابنتها التعليم الثانوي العام؛ معرفة منها بقدرات ابنتها وصعوبة امتحانات الثانوية العامة، خاصة أنها مهما دفعت من دروس خصوصية وكتب خارجية تأتي الامتحانات في النهاية تعجيزية للطلاب والطالبات، ولا يستطيعون- مهما كان حجم مذاكرتهم- أن ينالوا الكلية التي يرغبون فيها.
في الوقت الذي أشار فيه عبد العزيز محمود إلى أن تكاليف الثانوية العامة ليس له ولأسرته طاقة بها، مشدِّدًا على أن أي ثانوي بديل سيكون أفضل وأرخص، وحبَّذا لو كان مما يضمن عملاً مباشرًا.
بريق الثانوية
لم يكن فقط هذا هو رأي جموع الطلاب؛ بل بدا صنف آخر من الطلاب الذين لا يتنازلون عن الثانوية العامة؛ حيث ترى شروق أحمد أن بديل الثانوية العامة غير مطروح في حساباتها؛ فمع ما وصل إليه حال الثانوية العامة من تردٍّ يظل البديل أردأ، والمستوى الأخلاقي فيه صعبًا.
واتفق معها محمد علي في أن الثانوية العامة سيئة، والجميع يعلم ذلك، لكن البديل أسوأ، موضحًا أن الثانوية العامة لا تزال الأخف ضررًا من وجهة نظره، على الرغم من تعب الأعصاب والغش والامتحانات الغريبة، لكنها تبقى الأقل سوءًا من الباقي، على الأقل تتاح من خلاله فرصة الشهادة الجامعية أكثر من غيره.
ويرى علي حسن ولي أمر أحد الطلاب أن الثانوية العامة لا تزال لها بريقه؛ فهي ما زالت الطريق الأقرب للحصول على شهادة جامعية؛ لذا فإنه يصر على دخول ابنه الثانوية العامة على الرغم من مساوئها، معلقًا بقوله: "إحنا بنشتري شهادة"!!.
وتشير منى أبو هايشة إلى أنها لن تُدخل ابنها غير الثانوية العامة، معلِّلةً أن الأخلاق في الثانوي الفني أو الزراعي أكثر انحطاطًا، وهي لا تأمن على ابنها في مثل هذه المدارس، مستنكرةً أنه لا يوجد بهذه المدارس أي قيم تربوية أو أخلاقية، فضلاً عن كثرة أصحاب السوء فيما يشبه العصابات الصغيرة، وأن كل شيء من الممكن أن يفعلوه، ومباح بلا رقيب؛ بدءًا من السجائر إلى ما هو أخطر من ذلك؛ لذا فهي لن تجازف وتترك ابنها يدخل في هذا الوسط.
طبيعي
الدكتور سعيد إسماعيل علي أستاذ أصول التربية بجامعة عين شمس لم يندهش من هروب الطلاب إلى التعليم الفني لما سمعوه ورأوه في نكسة يونيو التعليمية "يقصد امتحانات الثانوية العامة"، وبالتي لم يصبح بها أي أمل لأي طالب على عكس الماضي؛ حيث كان الطلاب يتهافتون على التعليم العام ويبعدون عن التعليم الفني؛ الأمر الذي أدى إلى معاناة كبيرة للوزارة لاستيعاب هذا القدر الكبير من الطلاب، لتنعكس الدفة مرةً أخرى، ويتدفق الطلاب على التعليم الفني تاركين طموحاتهم في المستقبل التي تراجعت واضمحلت إلى أقصى حد بهذه الطريقة.
وأرجع هذه الظاهرة إلى يأس الطلاب من دخول الكليات التي قد يرغبون بالالتحاق بها بعد وصول كليات القمة إلى مجاميع فلكية، مؤكدًا أنه لم يقلل من قيمة التعليم الفني؛ بل إنه يشيد به ويعتبره عماد تقدم الأمم ولكن يقلل من حالته وما وصل إليه من انعدام للتكنولوجيا والتقنيات الحديثة، مشيرًا إلى أنه إذا كان بالتعليم الفني هذه الإمكانيات لدعا كل الطلاب لدخوله وسعد بهذا الأمر ولكن الأمر يختلف الآن.
وصوَّر سعيد الطلاب الذين اختاروا التعليم الفني بالمثل القائل "يطلع من حفرة يقع في دحديرة"، وكأن الاثنين لا قيمة لهما ومشاكلهما كثيرة، مشيرًا إلى أن هذا سيعيد بالشباب إلى الوراء، خاصةً أن الحكومة غير حريصة على هذا، وكل همها هو تفعيل دور الكليات والجامعات الخاصة.
تحول اجتماعي
ويرى الدكتور محمود الناقة خبير المناهج بوزارة التربية والتعليم رأيًا آخر؛ حيث أكد أنه من المثير للفرح أن نجد الطلاب يلجئون إلى التعليم الفني ويبعدوا عن التعليم العام، فيما يتوافق مع احتياجات المجتمع مع الفنيين، مشيرًا إلى أن المؤتمر الأخير أوصى بتحويل المدرسة العامة إلى مدرسة شاملة حتى يتطور التعليم العام ويكون أقرب للتعليم الفني.
ووصف الناقة تحويل الطلاب مسارهم إلى التعليم الفني بالتحول الاجتماعي الرائع، حتى وإن كان خوفًا من الثانوية العامة، وصعوبة الامتحانات وتسريبها، مشيرًا إلى أنه لن يستطيع أن يخبر الطلاب بأن الامتحانات لا تسرَّب أو لن تأتي صعبة، ولكنه يستطيع أن يشجعهم ويقف بجانبهم لكي يبدعوا في التعليم الفني ويبتعدوا عن تجمعات العاطلين.
كما شدد على أنه لا بد أن تتم إعادة النظر في التعليم الفني خاصةً في محتوى المناهج؛ كي تكون متسقةً مع تكنولوجيا العصر، فضلاً عن وجوب إعداد معلم فني متميز؛ يفرز أجيالاً جديدةً وزيادة عددهم وعدد المدارس والاهتمام بهم على المستويين المركزي واللا مركزي.
![]() |
|
ثروت عبد الفتاح |
بينما أبدى ثروت عبد الفتاح عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة التعليم بمجلس الشعب استياءه مما حدث من الطلاب، من تحويل مساراتهم من التعليم العملي إلى التعليم النظري وتنفيذهم لمخطط الحكومة التي تسير على نهج بروتوكولات حكماء صهيون، والتي تقضي بإغفال العقلية التعليمية للطالب العربي والمسلم والاعتماد على الحفظ والتلقين فقط.
وحذَّر عبد الفتاح الطلاب من هذه الخطوة، مشدِّدًا على أن الأمور لا تُقاس بهذه الطريقة، موضحًا أن الطالب الذي يدخل إلى الثانوي الفني عن اقتناع تام به هو من ينجح ودون ذلك لن يأتي بجديد، مشيرًا إلى أن الحكومات تريد أن توصل الطلاب إلى مرحلة اليأس وفقدان الثقة؛ بعدما أصبح طالب الفيزياء والكيمياء لا يستطيع أن يقوم بعمل تجربة واحدة لأنه لم يجربها عمليًّا، والمعامل مغلقة طوال الوقت.
ولم يندهش على المستوى الذي وصل إليه التعليم، مؤكدًا أن مصر كلها الآن وصلت إلى حالة من تفشِّي الفساد والمحسوبية، وأصبح أبناء الذوات أو الصفوة هم من يمتلكون كل شيء.
لا تكافؤ
وأرجع الدكتور نائل السودة أستاذ الطب النفسي رغبة الطلاب في التعليم الفني إلى ما رأوه في الثانوية العامة على مدار السنوات السابقة؛ من صعوبة الامتحانات وسوء النتائج وارتفاع التنسيق، وزاد عليه هذا العام إبراز الإعلام هذه الظواهر، فضلاً عن عملية تسريب الامتحانات، والتي أدَّت إلى فقد الطلاب الثقة في التعليم والحصول على مؤهل علمي، وأصبحت الشهادة الجامعية والتي لا يمكن الحصول عليها إلا عبر الثانوية العامة تُبَروَز وتوضع في الغرف ولا تثَّمن بشيء.
![]() |
|
الأهالي يشكون من صعوبة الامتحانات |
كما أكد السودة أن الطلاب أصبح كل همهم هو الحصول على المؤهل بأقل جهد؛ لذلك تجد الطلاب في القسم الأدبي والكليات النظرية أكثر من الكليات العلمية على عكس ما يسير عليه العالم كله بعد أن شاهد الطلاب الصورة العامة السيئة للخريج الذي لا يجد عملاً، وإذا وجد عملاً لن يكون في تخصصه، وإن كان في تخصصه فلن يجني منه إلا القليل، فضلاً عن مشاهدتهم الحاصلين على المؤهلات العليا كالماجستير والدكتوراه لا يختلفون كثيرًا عمن هم دونهم.
وأكمل قائلاً: "لم يصبح هناك فرص للتكافؤ بين الطلاب بعد أن أصبح الطلاب يذاكرون طوال العام ويفاجئون بطلاب آخرين؛ أولاد وزراء أو نواب مجلس شعب أو رجال شرطة، في أيديهم الامتحان قبل الامتحان؛ مما أدى إلى نفور الطلاب من هذه المعارك غير المتكافئة والتي لن تصل إلى نتيجة في النهاية".
واختتم السودة كلامه بأن الحكومة المصرية هي السبب الرئيسي في قطع أمل الطلاب في جدوى التعليم والعلم والعمل من أجل الشهادة؛ مما أدى إلى إبراز عامل اليأس لدى الطلاب في تعليم حقيقي.


