لا شك أنَّ الداعيةَ الصادق يحمل بين طيات نفسه وخلجات صدره وحنايا قلبه الكثيرَ من تعاليم الإسلام؛ يريد أن يُعلمها غيره، وهو يعلم أن التعليم لا يُنسَى إذا اقترن بموقف، وأن التربيةَ لا تُمحى إذا اقترنت بحدث؛ فهو يستغل كل مناسبة، ويقتنص كل فرصة، فيتحدث والقلب مفتوح ويضرب والحديد ساخن.
من هنا أردتُ أن أُذكِّر إخواني بمنهج التربية بالأحداث، وهو مع مكانته وعظمته، إلا أن بعض الدعاة لا يهتم به، ولا يلتفت إليه.
أهمية التربية بالأحداث
1- تمرُّ على القلب لحظات يكون أكثر تقبُّلاً للوعظ فيها من غيرها، وهذا هو حال القلب؛ فحال القلب هو التقلب، قال الشاعر:
وما سُمِّي الإنسانُ إلا لأنسه وما القلب إلا لأنه يتقلب
وعلى الداعية أن يضرب على أوتار القلب في هذه اللحظات بمقالٍ يُناسب كل حال، فيجد مغاليق القلوب قد فُتحت، وتصل دعوته إلى قلوب الناس من أقرب طريق.
2- مهمة الدعاة هي إصلاح الدنيا بالدين، وهذا ليس عملاً سهلاً؛ فالواحد منهم "عنده روحٌ مفعمة بالحق والنشاط والأمل واليقظة؛ يرمق الحياة بعين نافذة وبصرٍ حديدٍ؛ فإذا رأى فتورًا نفخ فيه من روحه ليقوى، أو انحرافًا صاح به ليستقيم.. إنه يمثل ناقوس الخطر في المجتمع؛ يدق من تلقاء نفسه إذا عرض لتعاليم الإسلام ما يُعكِّر صفوها" (مجلة الرسالة، عدد 16، ص 49).
وقال تعالى: (وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً) (الإسراء: 106).
على مكث: على مَهَل (وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً) شيئًا فشيئًا على مدار ثلاث وعشرين سنة (تفسير السعدي).
يقول الشيخ محمد الغزالي: "ولأمرٍ نزل القرآن منجمًا على ثلاث وعشرين سنة؛ فقد تجاوب مع الأحداث وأصاب مواقع التوجيه إصابة رائعة" (خطب الشيخ محمد الغزالي، ج1، ص21).
يقول صاحب الظلال شهيد الإسلام: "لقد جاء القرآن ليربيَ أمةً ويُنشئ مجتمعًا، ويُقيم نظامًا، والتربية تحتاج إلى زمن، ومن هنا نزل القرآن مُفرَّقًا وَفْق الحاجات الواقعية لتلك الأمة.. جاء ليكون منهجًا عمليًّا يتحقق جزءًا فجزءًا في مرحلةِ الإعداد، لا فقهًا نظريًّا ولا فكرةً تجريدية تعرض للقراءة والاستمتاع الذهني، وتلك هي الحكمة من نزوله مفرقًا، لا كتابًا كاملاً منذ اللحظة الأولى" (في ظلال القرآن، ج4، ص2253، ج5 ص 2562، 2563، بتصرف واختصار شديد).
النبي- صلى الله عليه وسلم- ومنهج التربية بالأحداث
ضرب النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- لنا أروع الأمثلة للتربية بالمواقف والأحداث الكثيرة؛ نذكر منها مثالين اثنين:
الأول: مع سيدنا حكيم بن حزام يقول: أتيتُ النبي- صلى الله عليه وسلم- فسألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم سألته فأعطاني، ثم قال لي: "يا حكيم.. إن هذا المال خضرة حلوة؛ فمن أخذه بسخاوةِ نفس بُورك له فيه، ومَن أخذه بإشراف نفس لم يُبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى". (أخرجه البخاري).
أرأيت كيف كان النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- يُربِّي بالمواقف؛ لم يدعِ الحدث يمرُّ بلا نصيحة، وإنما أعطاه هذه النصيحة في المرة الثالثة لما وجد الحرص شديدًا، وفي نفس الوقت وجد القلب مفتوحًا.
الموقف الثاني: مع الصحابة وهو يعلمهم اليسر في الإسلام، لمَّا بال أعرابي في المسجد، فقال لهم: "دعوه، وأريقوا على بوله سجلاً من ماء؛ إنما بُعثتم ميسرين ولم تُبعثوا معسرين" (أخرجه البخاري).
ملامح منهج التربية بالأحداث
حتى يكون المنهج نافعًا ناجحًا، وحتى يُؤتيَ ثماره لا بد أن تتوفر فيه بعض الملامح؛ هذه أهمها:
1- دراسة مشكلات المجتمع:
فإن الداعيةَ والعامل للإسلام ينبغي له- بل يجب عليه- أن يدرس مشكلات مجتمعه دراسة عميقة، ويضع لها الحلول المناسبة، وفي هذا الوقت يستطيع أن ينقل الدواء إلى موضع المرض، وهذا يحتاج إلى بصيرةٍ وحِذْق.
2- التواصل مع الناس:
على الداعية أن يُعوِّد نفسه الحركة فيحتكَّ بالناس؛ يزورهم، ويقصد أماكن تجمعاتهم، فإذا جلس الناس معه وجدوا معه تقاربًا روحيًّا، فإذا نزل بهم بلاء أو أُشكل على أحدهم أمرٌ كان الداعية أول مستشار، وهنا تُتاح له الفرصة بأن يضرب والحديد ساخن، وينصح والقلوب مفتوحة.
أما أن يجلس في بيته أو مسجده، وينتظر مجيء الناس إليه، فهذا عين الكسل، ومنبع الخمول، وكما يقول الدكتور طلعت عفيفي: "سوف تُبقيه الأيام وحده وتعلمه فن التثاؤب".
دخلتُ في نقاشٍ مع أحد خريجي الكليات الإسلامية من زملائي فوجدتُ العجب العجاب والأمر المستراب.. إنه يريد أن يقنعني أن اعتزال الناس في بدايةِ الطريق أفضل، وتجنبهم أحسن، والغريب أنه يريد هذا بحجةِ التفرغ للعلم وعدم تضييع الوقت، ولا يعلم الرجل أنه سيُسأل عن هؤلاءِ يوم القيامة، وإن لم يتقرب منهم هو فمَن يتقرَّب منهم؟! ولا بد من كلا الأمرين: طلب العلم ومخالطة الناس.
وللأستاذ البهي الخولي في هذا المقام مقال، يقول: "لا يصح للداعية أن يطاوع نفسه في العزلة؛ فإن الله يتجلَّى على العاملين في ميادينهم بأفضل مما يتجلى على العابدين في محاربيهم، وما أبعد الفرق بين مَن ينهض إلى الله يوم القيامة ومعه أمة ومَن ينهض إلى الله يوم القيامة وليس معه أحد!" (الرسالة، عدد 16، ص 50).
والدعوة نفسها تفرض علينا أن نُخالط الناسَ؛ حيث يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "المؤمن الذي يُخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم" (أخرجه الترمذي).
ما ظنك بخطيبٍ بإحدى مساجد سيناء يخطب خطبةً عن "التلفاز"، وبعد أن انتهى من الخطبة، قال الناس له: إن البلد لم يصلها الكهرباء حتى الآن!!
وخطيبٍ آخر يعد خطبةً عن حقوقِ الجار، فتُهدم عمارة بالحي، ويفزع الناس، ولكن الخطيب يصر إصرارًا على الخطبة المُعدَّة!! (لقاء الجماهير- د. أكرم رضا، ص 128).
ماذا كانت نتيجة هؤلاء؟!.. إنهم في وادٍ والناس والزمان في وادٍ آخر.
3- مراعاة نفسية المخاطبين:
فيجب على الداعية مراعاة نفسية المخاطبين؛ فلا يقع تصادم بين كلامه وبين ما في قلوبهم؛ فلا يتحدث عن حقوق الزوجين وسعادة الأزواج عند الطلاق، ولا يتحدث عن الموتِ في النكاح، وهكذا.
ولو أن الداعيةَ لم يراعِ هذا الأمر لوقعت السآمة في قلوبِ السامعين، وهذا ما كان يحذر منه النبي- صلى الله عليه وسلم- حيث يقول عبد الله بن مسعود: "كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يتخولنا بالموعظة في الأيام مخافةَ السآمة علينا" (أخرجه البخاري، رقم 68).
قال ابن حجر في فتحه: التخول: التربية والتعهد. (فتح الباري، طبعة دار المنار، ج1، ص 199).
يقول بشر بن المعتمر: "وينبغي أن تعرف أقدار المعاني، فتوازن بينها وبين أقدار السامعين، فتجعل لكل طبقةٍ كلامًا، ولكل حالٍ مقامًا، فإنَّ المنفعةَ مع موافقة الحال، وما يجب لكل مقامٍ من المقال" (صبح الأعشى نقلاً عن فن الكلمة د. صلاح الباجوري ص 31)، ويقول الإمام علي- رضي الله عنه-: "إنَّ للقلوب شهواتٍ وإقبالاً وإدبارًا، فأتوها من قِبل شهواتها، فإن القلب إذا كَرِهَ عمي".
واعلم أن لكل مقامٍ مقالاً، وليس كل ما يعلم يُقال، وليس كل ما يقال يقال في كل حال.
4- ملاحظة المناسبة:
الداعية الفطن يجعل المناسبات فرصةً لأن يتحدث مع الناس حول آراء الإسلام، سواءٌ في خطبة جمعة، أو في محاضرة، أو مجلس علم، أو مجلس تربية، أو جلسة مسامرة.
والمناسبات كثيرة؛ منها الدينية (العيدان- رمضان- الهجرة)، ومنها الوطنية (نصر العاشر من رمضان)، ومنها الشخصية (الزواج- النجاح).
وواجب على الخطيب أن يُحيط بسائر المناسبات حتى يعيش في واقع الناس وفكرهم بهذه الإحاطة، وينبغي ملاحظة أن الكلمات تتغاير بتغاير المناسبة؛ فخطبة الجمعة تختلف عن خطبة العيد، وكلاهما يختلف عن خطبة العزاء، وهكذا.
أما إذا لم يراعِ الداعيةُ المناسبةَ، وأصبح يتغافل عن المناسبات، فلن يكون لكلامه أدنى تأثير، وتخيَّل نفسك أن القدرَ ساقك إلى مسجدٍ في يوم جمعة في يوم الثلاثين من رمضان، وكان موضوع الخطبة للخطيب: كيف تبلغ ليلة القدر؟!.. كيف تكون نظرتك إلى هذا الخطيب؟!.
5- الاهتمام بواقع المسلمين:
ورد في الحديث "مَن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم" (رواه الطبراني)، والعالم الإسلامي يموج بأحداثٍ ساخنةٍ ومضطربة، والعقل المسلم يعاني من تحليلات الإعلام المضلل الذي يُصوِّر القضايا كما يريد الساسة؛ ولذا فإنَّ الناس ينتظرون سماع الكلمة الصادقة من هذا الخطيب أو ذاك الداعية، فكن يا أخي عند حسن ظنهم.
أما عدم الاهتمام بأمر المسلمين من الدعاة فإنه يُحدث فجوةً بين الداعية والناس، كهؤلاءِ الذين يطلبون من الخطباء التحدث عن تحديد النسل، حينما استُشهد الشيخ أحمد ياسين رحمه الله!!
محاذير عند التطبيق
1- احذر الروتينية: فليس معنى مراعاة المناسبة ألا نُقدِّم للناس شيئًا جديدًا، وإنما المعنى أن نتعايش مع الناس في مناسباتهم، ونتحدث معهم حول ما هو متعلق بهذه المناسبة التي يعيشون فيها.
2- احذر المناسبات غير المشروعة: فليس المقصود بالتواصل مع الناس أن ننخرط معهم في المناسبات غير المشروعة، ولكننا ننصحهم ونرشدهم دون الانخراط معهم.
3- ليس المراد بمعرفة المشكلات أن نُعلِّق على كل صغيرةٍ وكبيرة، ولكن لا بد أن نتغافل عن بعضِ المشكلات ونُلمِّح مجرد تلميح ببعضها ونقف وقفةً صارمةً مع مشكلاتٍ أخرى، وتُقدَّر كل مشكلةٍ بقدرها، وهذا يمنع قلوب الناس من السآمة، وهذا منهج النبي- صلى الله عليه وسلم- في الدعوة.
4- لا نريد أن يكون منهج التربية بالأحداث مجرَّد متعة ثقافية، نعم.. هو حديث ممتع؛ لأننا نعيش فيه مع ذكرياتٍ ومناسبات، ولكن الذي ينبغي علينا ألا نقف عند ظاهر الذكريات، بل نغوص في باطنها وأعماقها، كالغواص الماهر؛ يستخرج اللؤلؤ من أعماق البحار (سلسلة: من تراث الإمام البنا- المجلد السادس ص39")، ونخرج بالدروس العملية من هذه المناسبة أو تلك الوقعة.
هذا هو منهج التربية بالأحداث، وتلك هي أهم ملامحه، وبعض النماذج عليه، وأخطر المحاذير التي نخاف من الوقوع فيها، نحتاج في تنفيذه إلى حسن تطبيق وصدق عزيمة وتوقُّد همة، فتجد دعوتنا آذانًا صاغية، وتجد في القلب مكانًا خاليًا فتتمكن، وتؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، وتكون كما قال القائل:
من الجوانح في الأعماق سكناها وكيف تنسى؟ ومَن في الناس ينساها
فالأذن صاغية والعين دامعة والروح خاشعة والقلب يهواها
نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من العلماء العاملين، والعاملين المُخْلِصين، والمُخْلِصين المُخْلَصين، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.