إذا وجدت حكومة لا يهمها صحة شعبها، وتبحث عن الاستثمارات والأموال فقط؛ دون توافر عنصر المصلحة العامة.. وإذا وجدت نظامًا يسيطر عليه حفنة من رجال المال، ويفرِّط في حقوق أرضه وأبنائه.. وإذا وجدت مصانع الموت التي تصيب مخلَّفاتُها المواطنين بأمراض مزمنة دون تحرك جادّ.. فاعلم "أنك أكيد.. أكيد في مصر".
فمع بداية تسعينيات القرن الماضي بدأت مصر في فتح أبواب الخصخصة وبيع المصانع والشركات القومية الكبرى لمستثمرين أجانب؛ بحجة أن وجود هذه الشركات يمثل خسارةً كبيرةً للاقتصاد القومي، رغم أنها في الأساس شركات ناجحة، فتهافت المستثمرون على شراء هذه الشركات والمصانع، خاصةً تلك التي يتعثَّر إقامتها في بلادهم؛ لكونها مصانع ضارة بالبيئة أو ما تسمَّى بالصناعات القذرة؛ مثل مصانع الإسمنت والسيراميك والكيماويات والأسمدة.
وقام المستثمرون الأجانب بنقل مصانعهم المغلقة في بلادهم إلى مصر، ثم يعيدون تصدير إنتاجها جاهزًا إلى بلادهم، فيجنون أرباحًا طائلةً على حساب العمالة المصرية الرخيصة والقوانين المصرية الرخوة، والتي تعطي الأهمية للاستثمارات على حساب صحة المواطنين من جهة، وتجنّب بلادهم مساوئ التلوث البيئي من جهة أخرى؛ فكانت النتيجة ارتفاع أسعار منتجات هذه المصانع والشركات، فضلاً عن ارتفاع فاتورة التلوث؛ حيث زادت الأمراض بدءًا من التهاب الجهاز التنفسي، مرورًا بالأزمات الصدرية ومرض السرطان.
ويوجد في مصر على سبيل المثال أكثر من 15 شركة إسمنت و5 شركات للسيراميك و11 مصنعًا للأسمدة، فضلاً عن شركات الحديد والصلب، وما ينتج عنها من تلوث بيئي ضارّ جدًّا للمصريين، ولم يتحدد حتى كتابة هذه السطور إذا كانت ستقيم شركة أجريوم الكندية مصنعها الكيماوي على أرض مصر أم لا، بعد أن رفضت الحكومة الكندية إقامته في كندا، ولولا التحرك الشعبي لأهالي دمياط الرافض لإقامة هذا المصنع على أرضها لكان العمل بالمصنع على وشك البداية.
وطبقًا للدراسات المختلفة فإن تلوث الهواء الناتج عن أبخرة ومخلفات شركات الأسمنت والأسمدة والحديد والمعادن في القاهرة فقط؛ يصيب على الأقل شخصين من سكان القاهرة بالسرطان، ومئات آخرين بضيق في التنفس وضعف في الذاكرة والفشل الكلوي.
وأكدت دراسات أخرى أن ما يقرب من 130 طنًّا من مادة الرصاص يسبح في هواء القاهرة؛ 100 طن منها تنتج من عوادم السيارات و30 طنًّا من مسابك الرصاص الثانوية.
وأشارت الدراسات نفسها إلى أن الرصاص ليس وحده السبب في التلوث؛ حيث إن هناك ضيفًا آخر ثقيلاً يسطو على سماء القاهرة في فصل الخريف من كل عام، فينتج عنه جو مليء بالضباب الناتج عن انبعاثات من جميع عمليات احتراق المداخن والحرق المكشوف و"الجيارات" و"الفواخير" و"مكامير الفحم"، إلى جانب حرق قش الأرز؛ أضف إلى هذا الرمال القادمة من هضبة المقطم شرق القاهرة والمنخفض الجوي الذي يأتي من شرق آسيا، والرطوبة تساعد كلها على زيادة هذه السحابة السوداء التي تظهر متجليةً ليلاً.
![]() |
|
سماء القاهرة تعاني من التلوث!! |
وحذرت الدراسات المختلفة من مادة الديوكسين DIOXIN أو العامل البرتقالي والتي اكتشفت حديثًا، وهي من أكثر المواد التي عرفتها البشرية حتى الآن من حيث سمِّيَّتها العالية، وقد استخدمها الأمريكيون في حرب فيتنام في أثناء غزو كوبا؛ لما لها من أثر شديد الفتك بالبشر، وتنتج مادة الديوكسين عن جميع عمليات الاحتراق المحتوية على الكلور، كما في صناعة الإسمنت والزجاج والسيراميك.
وتعد صناعة الإسمنت من أكثر الصناعات قذارةً، حيث تشير الدراسات إلى أن مصانع الإسمنت كانت تُخرج ما يقرب من 20 ألف مليجرام في المتر المكعب من الانبعاثات السامة (الأتربة الأسمنتية)؛ في الوقت الذي حدَّد فيه الحد المسموح به للمصانع القديمة بـ200 مليجرام للمتر المكعب فقط، أما المصانع الحديثة فالمسموح لها من هذه الأتربة الإسمنتية لا يزيد على 30 مليجرامًا للمتر المكعب.
من جانبها أكدت منظمة الصحة العالمية في تقرير جديد أن ظاهرة التلوث البيئي تكمن وراء 24% من أكبر الأمراض القاتلة في العالم، وهي النسبة التي تبلغ 33% من تلك التي تصيب الأطفال دون الخمس سنوات من العمر، وتتسبَّب في موت أربعة ملايين منهم سنويًّا.
وأوضح التقرير أن الوقاية من الأمراض تكون من خلال توفير بيئة صحية، وأن الأسباب البيئية يمكن وقفها من خلال اتباع سياسات وتدابير بيئية رشيدة؛ بعدما تسبَّبت في وفاة 13 مليون شخص سنويًّا.
وقال التقرير إن التلوث البيئي وراء ثلث الوفيات والأمراض التي تعاني منها أكثر مناطق العالم تخلفًا، و40% من الوفيات الناتجة عن الإصابة بالملاريا و94% من حالات الموت بسبب الإسهال، وهما على رأس الأمراض القاتلة للأطفال أساسًا.
وأعد التقرير 100 خبير صنفوا 85 فئة من الأمراض التي تعزى إلى مخاطر بيئية وتكمن وراء 80% منها، وخلص التقرير إلى قائمة يتصدرها الإسهال الذي يتسبَّب في 58 مليون حالة وفاة أو عجز أو مرض سنويًّا بسبب المياه والمرافق الصحية، ويأتي في القائمة أيضًا عسر التنفس بـ37 مليون وفاة أو عجز أو مرض سنويًّا بسبب تلوث الهواء.
كارثة
(إخوان أون لاين) يفتح من خلال التحقيق التالي ملف مصانع الموت أو المشاريع الهدامة في مصر، وأثرها في البيئة والقطاع الصحي، وتبعية ذلك في التأثير على الاقتصاد القومي.
بدايةً يؤكد محمد ناجي المدير التنفيذي لمركز حابي للحقوق البيئية أن جوهر إشكالية المشروعات الملوثة التي تأتي لمصر في شكل استيراد صناعات شديدة الخطورة من الخارج يكمن في أن الحكومة تريد الاستيراد بأي شكل كان، رغم أن هذه الصناعات لا بد أن تخضع لدراسات تقييم الأثر البيئي بمشاركة المجتمع المدني؛ بحيث ترصد الثأثيرات الناتجة مع الحرص على تقليل استخدام هذه المشروعات للموارد؛ سواءٌ فيما يخص الطاقة أو المياه، مؤكدًا أن مبررات الحكومة لإنشاء هذه المصانع تحت زعم أنها صناعات راقية وتعمل على التقليل من البطالة كلام وهمي؛ لأن مخاطرها كبيرة جدًّا.
![]() |
|
الملوثات تستنزف نهر النيل شريان الحياة للمصريين!! |
وأشار إلى أن الدول المتقدمة تستغني عن هذه الصناعات شديدة التلوث في الوقت الذي تفتح بلادنا لها الأبواب على مصراعيها، مؤكدًا أنه مخطط مدروس تحتاج مواجهته إلى التحلي بالصبر وسياسة النفَس الطويل، فضلاً عن ضرورة وجود تحرك إعلامي موازٍ مناصر للوعي البيئي، مع وضع كل المشروعات في إطار يقلل من مخاطرها".
وطالب ناجي بتفعيل القوانين والمواثيق المنظمة لهذه الأمور ومشاركة المجتمع المدني في اتخاذ القرارات مع الحفاظ على إيجاد دراسات لتقييم الأثر البيئي، فضلاً عن الحرص على إيجاد معلومات كاملة حقيقية تتاح بشفافية ووضوح دون إنهاء مشاريع ملوثة في الخفاء ثم يفاجأ المجتمع بمخاطرها.
تصدير التلوث
![]() |
|
الدول الكبرى تصدر صناعاتها الملوثة والدليل أجريوم!! |
واتفق د. صلاح عرفة أستاذ العلوم بالجامعة الأمريكية ورئيس جمعية الحفاظ على البيئة مع أن هذه المصانع الضارة جزءٌ من مسلسل كبير تقوم به الدول المتقدمة في البلاد النامية، قائلاً إن الدول النامية كمصر كل همها أن تلحق بالركب؛ فهي تريد مصانع تستقبل عمالة، وتتعارض مع الجزء الثاني وهو البيئة، ومعظم البلاد المتقدمة تتابع أماكن الاستثمار التي لا تكون فيها قيود على البيئة وتسارع بتصدير صناعاتها الملوثة إليها كحال البلاد النامية.
وأكد د. عرفة أن الخمس سنوات الأخيرة شهدت طفرةً في التوعية بالأمور البيئية، خاصةً في أزمة أجريوم، فبالرغم من أنها أزمة محلية في إطار إقليمي إلا أنها شهدت تضامنًا كبيرًا من الجميع.
وعي بيئي
واختلف د. محمد الراعي أستاذ الفيزياء والبيئة بجامعة الإسكندرية وعميد معهد الدراسات العليا والبحوث الأسبق مع ما سبق قائلاً: "نحن لن نقول للاستثمار لا بسبب التلوث"، مشيرًا إلى أن كل الأمور فقط تحتاج إلى تقنين وتوعية من أجل الوقوف أمام المشروعات الملوثة.
وأضاف د. الراعي أن الأمر لو كان في يد أجهزة بيئية حكومية قوية؛ فلن يقام مصنع من هذه المصانع في مصر، معتبرًا أن أجريوم يمثِّل بدايةً لوعي بيئي قويّ لا بد أن تتزامن معه تقوية الأنظمة الحكومية ودور أكبر وفعَّال للمجتمع المدني.
سياسة غير رشيدة
بينما رأى د. سامر المفتي خبير في شئون البيئة والأمين العام لمركز بحوث الصحراء سابقًا أن الاتجاه المعروف لدى دول الغرب نقل الصناعات الملوثة للعالم الثالث كمصر؛ حيث الموارد والخامات وعمالة بأسعار منخفضة.
وقال إن الأمن الصناعي في الدول الغربية قائم وفعَّال، أما هنا في مصر فالأمن السياسي فقط هو القائم، وبالتالي نجد مثل هذه المشروعات الهدامة تجد ملاذها في مصر.
وأشار د. المفتي إلى أن بدايتنا في مصر من الأساس غير رشيدة، وأن اختيار أماكن الصناعات اختيار سيئ، موضحًا أننا اخترنا حلوان وشبرا الخيمة كمدينتين صناعيتين هدامتين؛ زادت فيهما عدد المصانع الملوثة، مع أن صحراء مصر واسعة، مؤكدًا أن انعدام رؤية الأبعاد البيئية لم تولد فجأةً، ولكن هذه البدايات غير الرشيدة لمصر هي الأساس.
وقال إن المسئولين في مصر ينظرون إلى هيكل المصنع باعتباره استثمارًا لا إلى أضراره، مضيفًا: "فليذهب أي مصنع إلى الجحيم إذا كان ثمنه في المستقبل أضرارًا ومخاطر".
عدم شفافية

وأوضح د. عاطف كشك عميد كلية الزراعة الأسبق بجامعة المنيا وأستاذ الأراضي والمياه أن المشروعات الملوثة وراءها فساد كبير موجود في مصر يتربَّح من وجودها في ظل غياب وعي يمرر كل شيء من خلاله.
وقال د. كشك إن الكلام الذي أُثير حول عمولات أجريوم لا يمكن أن يحدث في بلد أخرى في ظل عدم شفافية وكتمان مخيف، مضيفًا أن المستثمر لا يهمه التلوث ولا غيره ولا يهمه غير مصالحه فقط، كما نرى في صناعة الإسمنت ومصانعها.
وأعرب د. كشك عن أسفه حيال عدم وجود وعي بيئي لدى الشعب المصري؛ باستثناء النخب والمثقفين، موضحًا أنه لولا تحرك أهالي دمياط ضد أجريوم ما كان حصل شيءٌ إيجابيٌّ ضد التلوث إلى الآن.


