بالرغم من أن الاتهامات والشبهات التي تُثار حول الدعوة والدعاة لها وقعٌ مؤلمٌ في نفوس المؤمنين، إلا أنه ينبغي للداعية أن لا يتسرَّع في ردود أفعاله، فينكر التهمة جملةً وتفصيلاً، أو يبرر الخطأ أو يتمادى في الباطل، أو يسعى في البحث عن آراء ضعيفةٍ لتؤيد فعله المرجوح، أو يعاند فيتمسك بغير الصواب.

 

إن نفرًا من الدعاة لما اتُّهِموا بأن بعضهم لا يتحرَّى الحديث الصحيح غضبوا من هذه التهمة، وأصرَّ بعضهم على عدم تحرِّي الحديث الصحيح، بل قام بعضهم بتتبع أقوال بعض العلماء في الأخذ بالحديث الضعيف، فاتخذوا ذلك حجةً ودليلاً يواجهون به من يتهمهم بعدم تحرِّي الحديث الصحيح، وكاد الأمر يتحوَّل إلى معركة لولا أن أحد العقلاء من الدعاة جاء إليهم فوعظهم موعظةً بليغةً، وذكَّرهم بضرورة تحرِّي الصحيح من الحديث، فانتبه الغافلون، والتزموا المنهج السليم باتباع وتحرِّي الحديث الصحيح.

 

من المحتمل أن تصدر عن العلماء والقادة والدعاة بعض الأخطاء؛ لأنهم بشر غير معصومين؛ لذا فالأجدر بالمسلم ألا يبرِّرَ الخطأ، ولا يتمسَّكَ بالباطل ويصرَّ عليه، بل يحسن به أن يقول: إن هذا العالِم أو هذا الداعية ثقة، وله حسنات كثيرة، ولكنه أخطأ في هذه المسألة، ولا نقبل خطأه، ولا نتبع زلته، ولكننا أيضًا لا نُجَرِّحه ونهدم جهاده الطويل أو نُشوّه صورته.

 

ولو فعل الدعاة ذلك لأراحوا أنفسهم من همِّ الجدال والمراء، ومن اللف والدوران، ومن عناء البحث عن الأدلة الضعيفة والمرجوحة، ومن التعصب المذموم للمذهب أو الحركة أو الحزب أو الجماعة.

 

إن تعصبنا ينبغي أن يكون للحق لا لسواه، وكفى تبريرًا للخطأ وتلاعبًا بالحق؛ فإن الله لا يرضى منا إلا الالتزام بمنهجه لا الالتزام بمنهج فلان أو علاَّن.

 

هذه الحقيقة ينبغي أن يفهمها الدعاة حتى تهدأ نفوسهم وتطمئن قلوبهم ولا يرتابوا بمنهجهم إن قيل لهم إن العالم الفلاني أو القائد الفلاني أو أمير ورئيس الجماعة الفلانية أخطأ؛ إذ إنهم إذا فقهوا هذا المعنى فإنهم يدركون أن هؤلاء بشر؛ نأخذ منهم ما وافق الشرع، وندع ما خالفه، وليس في ذلك انتقاص لهم.

 

فالمسلم يوزن بميزان الحسنات والسيئات؛ فإذا رَجُحت حسناته على سيئاته فإنه يُمدح ويُثني عليه، وربما يكون إمامًا وقائدًا متبعًا، ولكن يتبع في الحق؛ إذ ليس هناك معصوم عن الخطأ، حتى الصحابة رضوان الله عليهم لم يكونوا ولم يزعموا أنهم معصومون عن الخطأ، وكل من يزعم أنه أو دعوته وقادته معصومون أو بعيدون عن الخطأ والزلل؛ فهؤلاء حريٌّ بالمسلم أن يحذر منهم؛ إذ إن فيهم غرورًا وكبرًا ولديهم غبشًا في الفهم والتصور والإدراك.

 

نعم.. إن المسلم طالب حق، باحث عن الحقيقة، ينشد الصواب، ويفر من الخطأ، وقد كان من عادة اليهود أن يخلطوا الحق بالباطل تلبيسًا على الناس، وتوصلاً إلى ما يريدونه من الضلال؛ فنهاهم الله سبحانه عن ذلك بقوله: (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ( البقرة: 42).

 

 الصورة غير متاحة

وقال سبحانه يصف أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى الذين يعرفون أن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحق، وهو موجود في كتبهم ولكن بعض علمائهم وأحبارهم يُخفون هذا الحق: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (البقرة: 146)، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "الحكمة ضالة المؤمن؛ أينما وجدها فهو أحق الناس بها" (رواه الترمذي وابن ماجة).

 

ويُعرف الكبر، وهو داء نفسي خطير يتهدد الإيمان، بأنه رد الحق وإنكاره وعدم قبوله واحتقار الناس؛ وذلك في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم وغيره عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر"، فقال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنًا ونعله حسنة، قال: "إن الله جميل يحب الجمال، الكبر: بطر الحق، وغمط الناس".

 

فإنكار الحق وعدم قبوله، أو إخفاؤه وستره من صفات اليهود والنصارى، وهو أمرٌ خطيرٌ يهدد مصير الإنسان في الآخرة؛ لذلك كانت عناية علماء السلف رحمهم الله منصبَّةً على تخليص النية من الشوائب في المناقشات والمناظرات، وفي ذلك يقول الإمام الغزالي أثناء حديثه عن علم الخلاف وآفات المناظرة والجدل: "التعاون على طلب الحق من الدين، ولكن له شروط وعلامات؛ منها: أن يكون في طلب الحق كناشد ضالةٍ لا يُفَرِّق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد من يعاونه، ويرى رفيقه معينًا لا خصمًا، ويشكره إذا عرَّفه الخطأ وأظهر له الحق".

 

فهكذا كانت مشاورات الصحابة رضي الله عنهم، حتى إن امرأة ردَّت على عمر رضي الله عنه ونبَّهته على الحق، وهو في خطبته على ملأ من الناس فقال: "أصابت امرأة وأخطأ رجل".

 

وسأل رجل عليًّا رضي الله عنه فأجابه، فقال: ليس كذلك يا أمير المؤمنين، ولكن كذا كذا، فقال: "أصبتَ، وأخطأتُ، وفوق كل ذي علم عليم".

 

ودخل أحد العلماء على هارون الرشيد، وكان قبيحَ الصورة قصيرَ القامة، فاستحقره الرشيد وقال له: ما أقبح هذا الوجه!، فقال العالم: يا أمير المؤمنين.. إن حسن الوجه ليس مما يُتَوسَّل به إلى الملوك، هذا يوسف عليه السلام أحسن الناس وجهًا قال لربه: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (يوسف: من الآية 55)، ولم يقل إني حسن الوجه جميل، قال هارون: "صدقت، ارتفع"، ثم رفع قدره وقرَّبه من مجلسه" (1).

 

إن التسليم بالخطأ صعبٌ على الإنسان الذي لم يعتَد عليه، خاصةً إذا أخطأ أمام جمع، فإنه يشعر بالحرج والخجل الشديدَين من خطئه، والتسليم بالخطأ يحتاج إلى شجاعة أدبية وقوة نفسية ومجاهدة للنفس، ولكن الإنسان متى اعتاده وجد له حلاوةً قد تقارب أحيانًا حلاوة الفوز والنصر!.

 

 الصورة غير متاحة

والتسليم بالخطأ خلاف ما يظن المخطئ أول وهلة يُكسب صاحبه احترام الناس وتقديرهم، على عكس الإصرار على الخطأ الذي يُفقده احترام الناس له، كما يفقده احترامه لنفسه، وقد روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوَّابون" (رواه أحمد والترمذي وابن ماجه والدارمي) (2).

 

إن الله مدح الذين لا يصرُّون على أخطائهم فقال فيهم: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُوْلَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)) (آل عمران).

 

كما ذمَّ الله عز وجل الذين يصرُّون على أخطائهم ومعاصيهم فقال: (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آيَاتِ اللهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (8)) (الجاثية)، ويقول الله تعالى: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (41) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (42) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (44) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (45) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ (46)) (الواقعة).

-----

الحواشي:

(1) علي فكري، السمير المهذب ج1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1979، ص 79.

(2) وحدة الدراسات والبحوث بالندوة العالمية للشباب الإسلامي، أصول الحوار، الرياض، ص 17- 18، 35.

------

* رئيس مركز التفكير الإبداعي؛ المشرف العام على الموقع الإلكتروني (إسلام تايم).