هل الأشاعرة من أهل السنة والجماعة؟ وهل عقيدتهم فيها ضعف أو نقص؟

أجاب عن هذا السؤال الدكتور/ إبراهيم علوان-‏ أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة طنطا

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما بعد..

 

فإن الأشاعرة فرقة من أهل السنة والجماعة بغير خلاف نعلمه، إلا أن الإمام الأشعري والذي اشتهر هذا المذهب بالانتساب إليه كان له في فترة من فترات حياته اجتهادٌ في مسألة آيات الصفات وأحاديثها؛ مثل قوله تعالى ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ (الفتح: من الآية 10) وقوله صلى الله عليه وسلم: "ينزل ربنا إلى سماء الدنيا في كل ليلة في السدس الأخير من الليل" وقد أداه هذا الاجتهاد إلى تأويلها وصرفها عن ظاهرها؛ حذرًا من التجسيم والتشبيه الذي توهمه أقوام حديثو عهد بالإسلام، وقد أسلموا وتأثَّروا بما كان يتصورون عن الإله قبل الدخول في الإسلام، فرأى الإمام ومن وافقه في هذه المرحلة من حياته الذهاب إلى تأويل هذه الآيات، فكان يقول: يد الله تعني قدرته، وينزل ربنا أي تقترب رحمته من العباد في هذا الوقت.

 

ولكن الإمام في آخر حياته أعلن أن الأولى بالمسلم أن يُبقي هذه الآيات والأحاديث على ظاهرها، ويُثبت ما أثبته الله تعالى لنفسه من اليد والضحك والفرح وغير ذلك، ويؤمن بهذه الآيات كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل، وهو ما نراه ونعتقده؛ لأننا لا نعرف الذات الإلهية، ولم نؤتَ وسائل إدراك هذه الذات، ولذلك فإننا نوقن أن لله تعالى يدًا كما قال ذلك سبحانه وتعالى عن نفسه، أما هذه اليد وكنهها فهو أمرٌ لا نعلمه ولا ندري كنهه؛ لأننا لم ندرِ كنه الذات الإلهية أصلاً، فلا ندري كنه اليد المنسوبة إليها بالضرورة، وكذلك لا ندري كنه نزول الله تعالى إلى سماء الدنيا، وإنما نعتقد أنه ينزل نزولاً يليق بجلاله وكماله بغير تشبيه بالمخلوقين ولا تعطيل لهذه الآية عن العمل.

 

ومع ذلك فإننا نرى أنه ما ينبغي لنا أن نشعل حربًا حول هذه القضية، ونعقد لها المناظرات والجلسات، وكأن المسلمين فرغوا من كل قضاياهم واستردُّوا مقدساتهم وبسطوا سلطان الإسلام على الدنيا كلها، فهل يصح لنا أن نغضَّ الطرف عن أن الغرب وصل بجيوشه إلى عواصم إسلامية واحتلها وأقض مضاجعها؟ وهل غاب عنا أن مصاحف المسلمين وقع الاستهزاء بها والسخرية منها في وسائل الإعلام المقروءة والمنظورة والرسوم الساخرة أمام الناس لا يخفى شأنها على أحد؟! فهل هذه القضية تعتبر هي الشغل الشاغل للمسلمين الآن في مجالسهم العامة والخاصة؟! حتى سمعنا أن أحد أبنائنا يصعد على منبر في قرية، ويظل يتكلم عن الأشعرية وفساد معتقدهم، ويحذر الناس من خطرهم، والحاضرون لا يعرفون أصلاً ما معنى الأشعرية وما هو سبب ظهورهم في تاريخ المسلمين!! فيعكر هذا المتكلم على الناس صفوهم، ويجعلهم يتكلمون عن الأشاعرة وكأنهم فرقة من الكفار والملحدين.

 

والأوفق أن يعرض المسلم العقيدة التي تُعنى بتعريف الناس بالله تعالى وربطهم به سبحانه وملء قلوبهم بحبه، أما الجدال في المسائل الكلامية التي كان لظهورها ظروف تاريخية معينة فلا أراه يرقِّق قلبًا ولا يحبب فؤادًا في الله تعالى وفي عباده، ويجب أن يظل الحديث فيها حبيس المجالس العلمية المتخصصة، في إطار من الود والحب والأخوَّة وحسن الظن بالمسلمين.

 

أسأل الله الكبير المتعال أن يملأ قلوبنا بمعرفته، وأن يرزقنا حبه وحب من أحبه وحب كل عمل صالح يقربنا إلى حبه، وحب أنبيائه وأوليائه وعباده الصالحين.. آمين، والله تعالى أعلى وأعلم.