- بنود القانون ألغامٌ مؤججةٌ تحمل أبعادًا خطيرةً تضر بالمجتمع في المستقبل
- كتلة الإخوان ليست "ديكورًا" لأحد وتكشف الفساد وتواجه استبداد الأغلبية
- قدمنا 1500 تعديل مقترح لمواد القانون وذلك بشهادة رئيس المجلس
- لماذا لم يطلب المجلس القومي للأمومة والطفولة ميزانيةً إضافيةً؟!
حوار- معتز ثابت
حالة من الجدل والرفض والتأييد شهدها قانون الطفل الذي أقرَّه مجلس الشعب منذ أيام قليلة، وبين اتهامات واضحة للقانون بأنه ضد مصلحة الوطن، شنَّت أجهزة الإعلام الحكومية حملةً واسعةً لبيان أمجاد هذا القانون، وفي خطٍّ متوازٍ لعب نواب الحزب الوطني دَورًا كبيرًا في إقرار القانون، وقاد أحمد عز أمين التنظيم بشكل هيستيري حملة التأييد الحكومي له؛ مما نتج عنه الكثير من المشادات بين الأغلبية والمعارضة، وفي القلب منها الإخوان المسلمون، سواءٌ حول مدى موافقةِ هذا القانونِ الشريعةَ الإسلامية وما هي أهدافه ومن يقف وراءه، أو تأثيره على استقرار الأسرة المصرية.
وفي هذا الحوار، وبعد أن بدأت عاصفة القانون، فتحنا حوارًا مع فضيلة الشيخ السيد عسكر الأمين العام المساعد الأسبق لمجمع البحوث الإسلامية وعضو اللجنة الدينية بمجلس الشعب، والذي كانت له مساهمات كبيرة في مناقشات هذا القانون.
![]() |
|
نواب الإخوان اعترضوا على القانون |
* بدايةً.. نود التعرُّف على الظروف التي دعت الحكومة إلى التقدم بهذا القانون، رغم علمها المسبق بالاعتراضات على بنوده؟.
** قانون الطفل جاء تماشيًا مع الضغوط الخارجية من قِبل الأمم المتحدة وأمريكا ودول الغرب كي تقوم الحكومة بتقينن بعض الأمور بحيث تتوافق مع الأوضاع الغربية ولا تتوافق على الإطلاق مع شريعتنا وديننا وتقاليدنا، هذا فضلاً عما تجنيه بعض المنظمات الحكومية المختصة بشئون الأسرة والطفل من مكاسب مادية نتيجة إقرار التعديلات التي جاءت في القانون.
ولكي أوضح لك أكثر خلفيات مجيء هذه التعديلات التي دفع بها المجلس القومي للأمومة والطفولة، فمثلاً حينما جاء المجلس القومي للأمومة والطفولة ليعرض موازنته على لجنة الشئون الدينية والأوقاف لم يطلب زيادةً، فقلت لممثلتهم: "شيء جميل هذا الاكتفاء الذاتي"، فقالت: "نحن لا نحتاج أموالاً من الدولة"، فسألتها: "وما هي الجهات المموِّلة لكم؟"، فضحكت وقالت: "لما تزورنا هتعرف كل حاجة"!!، ومعنى ذلك أن الغرب تسلَّل إلينا وفرض أجندته عن طريق منظماتٍ يموِّلها وأخرى ينشئها ولها نفوذ داخل مصر تستجيب لها الحكومة، بل وتمهِّد لها.
تمويل مشبوه!!
* كيف مهَّدت الحكومة لعرض القانون على مجلس الشعب رغم علمها المسبق أن هذا القانون سيواجه اعتراضات كثيرة من نواب المجلس، وخاصةً نواب الإخوان؟
** سأعطيك مثالاً واضحًا عن تمهيد الحكومة.. في قضية تجريم ختان الإناث أحد أهم بنود الأجندة التغريبية التي سعت الحكومة إلى تطبيقها، أشار المجلس القومي للأمومة والطفولة في تقريرٍ نُشِرَ بـ(الأهرام) 19/8/2007م على لسان مشيرة خطاب إلى "أن المجلس قد وضع صياغةً لقانونٍ جديدٍ يجرِّم ممارسة ختان الإناث"، وصُدِّر القانون إلى مجلس الشعب في هذه التعديلات بما يعني أن الاستجابة للأجندة الغربية المعادية كان أسرع تطبيقًا، بل الأغرب من ذلك أنه تم إقامة مؤتمر في الأزهر تحت إشراف دار الإفتاء؛ حضره المفتي وبعض العلماء بتمويلٍ من منظمة ألمانية يهودية تسمَّى "تارجت"، وكان بعنوان "حظر انتهاك جسد المرأة"، ووزارة الأوقاف هي الأخرى أصدرت كتابًا من أموال الأوقاف ووزَّعته على نطاقٍ واسعٍ بالمجان تحت عنوان "ختان الإناث ليس من شعائر الإسلام".
حتى إن اللجنة المشتركة من لجان التشريعية والدستورية والأوقاف أكدت في تقريرها ما نصّه "سلامة بنيان القانون ومقصده من تأكيد حقوق الطفل التي قرَّرتها المواثيق الدولية"!!.
يدمر المجتمع
* ذكرت أن التعديلات الجديدة لقانون الطفل مقلقة ومستوردة.. كيف ذلك؟!
** نعم؛ لما يترتب عليه من أضرار؛ لأنه يفسد المجتمع ويدمِّر الأسرة ويخربها ويضع عراقيل أمام الزواج والعفاف، بل إن المادة الثالثة من تعديلات القانون نصَّت على كفالة الحقوق والمبادئ التي تتضمنَّها "اتفاقية حقوق الطفل وغيرها من المواثيق الدولية".
ومع ضغوط نواب الإخوان في المناقشات عندما أصرُّوا على أن يضعوا عبارة "بما لا يتعارض مع الشريعة الإسلامية"حذفت الفقرة وإن كانت روحها ما زالت تخيِّم على مواد القانون التي تتبع أجندة غربية واضحة لكل من يقرؤها قراءةً متأنيةً.
* بصفتكم نائبًا للشعب والأمين العام المساعد الأسبق لمجمع البحوث الإسلامية.. كيف تقرأ بنود القانون الجديد؟!
** قرأته مرات عديدة، وعندما أعاود القراءة من جديد أشعر أنه قانون ألغام، كلما تقرأ تجد لُغمًا تصرُّ الحكومة على أن تفجِّره في المستقبل بإقرارها هذه التعديلات؛ لأنها في أغلبيتها تحمل بُعدًا خطيرًا للغاية.
ضرب الثوابت
* وما هي الأمور التي نصَّت عليها التعديلات الجديدة وتتعارض مع الشريعة الإسلامية؟
** تعديلات هذا القانون تتعارض مع الشريعة الإسلامية في عدة أمور؛ منها: اعتبار سنَّ الطفولة ممتدًّا إلى 18 سنة؛ مما يعني أن الجرائم التي يرتكبها مَن هو دون 18 سنةً لا يُعاقَب عليها بالعقوبات المنصوص عليها في قانون العقوبات، ولا بما تقرُّه الشريعة الإسلامية؛ بحجة أنه ما زال طفلاً، وهذا أمر خطيرٌ جدًّا؛ لأن هؤلاء ممن سيعتبرونهم أطفالاً من الممكن أن يستغلوا لتفجير أمن واستقرار مصر عن طريق عصابات الإجرام والمخدرات، فضلاً عن دوامات الثأر في الصعيد.
والشريعة تقول إن الفرق بين الطفل والكبير هو سن البلوغ، وبالتالي ما يحدث هو ضرب لثوابت الإسلام، فضلاً عن أن جمهور علماء المسلمين يرون أن أقصى سنة للبلوغ 15 سنة قمرية، وأكرر: "قمرية".
![]() |
ومن ناحيةٍ أخرى هم يريدون من وراء ذلك تعقيد أمر الزواج بحيث يقولون إنه ما زال طفلاً؛ فليس له أن يتزوَّج؛ بما يعني عقبةً جديدةً في طريق الزواج الشرعي وتشجيعًا على الرذيلة، فضلاً عن أن العقوبات المقرَّرة على من تسميهم الحكومة أطفالاً عبارةٌ عن عقوبات "دلع" تسهِّل الجريمة؛ ففي المادة 10 تعاقب الحكومة الطفل بالتوبيخ أو التسليم إلى أهله أو جهة أخرى!، والإلحاق بالتدريب والتأهيل أو الالتزام بواجبات معينة، أو العمل للمنفعة العامة بما لا يضر صحته أو نفسيته!!، أو الإيداع في المستشفيات أو مؤسسات الرعاية الاجتماعية، وهذان البندان الأخيران يجوز الاستئناف عليهما!!.
والأخطر من ذلك إصرار الحكومة في تعديلات القانون على أن تحدِّد كل التوقيتات بالشهور الميلادية، وليس بالقمرية.
ومن المصائب أيضًا ما ذُكر في المادة 45 الفقرة الثانية؛ حيث أقرَّت، عند حدوث تنازع بين الأب الولي الطبيعي- كما تسميه- والأم باعتبارها الحاضن، ولجآ إلى محكمة الأسرة، صدورَ قرار مشروط بحق الحاضن في الولاية التعليمية، وهنا السؤال: "أين حق الأب؟!"، وكان يجب إضافة فقرةٍ نصها: "بما يحقِّق مصلحة الطفل وترابط الأسرة"؛ ولذلك فإن مثل هذه المواد تعني الرضوخَ للأجندة الغربية.
كما لجأت الحكومة في إثبات النسب المُختَلف عليه إلى عبارة "إثباته بالوسائل العلمية المشروعة"، مع أن الوسائل العلمية هذه في أحيانٍ كثيرةٍ لا تستطيع أن تثبت، بل إنها تنفي ذلك، وهناك حوادث كثيرة مشهورة في هذا المقام.
بلوى أخرى جاءت بها المادة 53 التي تتحدث عن قِيَم المساواة وعدم إيجاد وجهٍ من وجوه التمييز، وهم بذلك يريدون الاقتراب من الميراث الذي حينما نقول فيه قول ربنا تبارك وتعالى ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ﴾ (النساء: من الآية 11) يقولون هذا تمييز.
ومصيبة أخرى في مادةٍ أخرى تعطي للمرأة الزانية التي أنجبت طفلاً أن تدوِّن الطفل في شهادة الميلاد باسمها، وتضع للأب اسمًا اعتباريًّا، وهذا تشجيع على الزنا واتباعًا للغرب في أموره التي تبتعد كلَّ البعد عن شريعتنا.
حتى إن الحكومة وصلت إلى إقرار المادة 96 مكررة التي تنص على أنه في بعض الحالات يمكن نزع الطفل من أبوَيه وإيداعه لدى عائلة أخرى أو هيئة أو مؤسسة اجتماعية أو تربوية إن قاما بمعاملته بقسوة، كما أقرَّت المادة 116 مكررة معاقبة الأبوَين وأصرَّت في المادة 117 مكررة تجريم الختان، وبعد محاولات مستميتة من نواب الكتلة أضيفت فقرة لها تؤكد "إلا في حالات الضرورة وطبقًا لرأي الأطباء"؛ ولذلك فإن كلَّ هذه المواد تأتي تطبيقًا لأجندة واضحة للغرب تطبق في مصر التي يراد لها التفكك والانحلال!!.
إنجازات الكتلة
* البعض يتساءل: كل هذه البلاوي والمصائب تُمَرَّر في ظل وجود كتلة الإخوان تحت قبة البرلمان.. هل معنى ذلك أن الكتلة صارت "ديكورًا" شكليًّا لتمريرات الحكومة؟.
** يوجد تحت القبة أغلبية تابعة للحزب الوطني مسخَّرة لتمرير ما تريده الحكومة صوابًا أو خطأً وتصدر الأوامر لتمرير قانون كهذا، مرفوضٍ دينيًّا وشعبيًّا وأخلاقيًّا، وهي تتحمل كامل المسئولية، والكتلة ليست "ديكورًا" لأحد، بل تبذل كل جهودها في المناقشات، وتكشف ما فيه من فساد ومخالفات دستورية، وأحيانًا نلجأ إلى الانسحاب.
![]() |
|
أغلبية الحزب الوطني مررت القانون رغم اعتراض المعارضة |
وفي قانون الطفل حقَّقت الكتلة العديد من الإنجازات؛ منها أن الكتلة حرَّكت مجلس الشعب بأغلبيته ومعارضته لمناقشة متوسعة حول القانون، بخلاف ما حدث في مجلس الشورى الذي مرَّر القانون دون تعديلات تُذكر، وهو ما يؤكد أن المعارضة الجادَّة لها تأثيرٌ لا يستهان به في مثل هذه القوانين والقضايا، كما وضعت الكتلة من خلال المناقشات التي دارت حول القانون حدًّا فاصلاً لقضية الشريعة الإسلامية، وتصدَّت للمزايدات التي مارسها بعض نواب الأغلبية حول الشريعة الإسلامية، ومدى حاجتنا إليها؛ مما أدى في النهاية إلى إحداث توافق بين كافة فصائل البرلمان بأن الشريعة الإسلامية خطٌّ أحمر لا يمكن الاقتراب منه.
ودفعت الكتلة أيضًا الحكومة وأغلبيتها البرلمانية إلى التنصُّل من وثيقة الطفل المشبوهة التي كانت محور ارتكاز الحكومة في السابق، وأقرَّت الحكومة في مضابط جلسات هذا القانون تبرُّؤها من هذه الوثيقة المشبوهة، كما استطاعت الكتلة من خلال المناقشات الجادَّة والحجج الفقهية المتنوعة تعديلَ المادة الخاصة بتجريم ختان الإناث وتحويلها إلى عملية تنظيمية يحدِّدها الأطباء باعتبارها الرأي الفقهي الراجح، كما كان للحضور المميز لأعضاء الكتلة دور مهم في ثراءٍ واضحٍ في المناقشات حول القانون؛ مما أدى في النهاية إلى تعديل العديد من المواد التي وضعتها الحكومة في مشروعها، كما أدَّت هذه المشاركة لأعضاء الكتلة إلى إعادة المداولة في أكثر من مادة وإعادتها إلى الجنة التشريعية مرةً أخرى لمناقشتها بشكل مفصَّل.
وفي نفس الإطار دفع هذا الحضور المميز لنواب الكتلة في كل الجلسات وعدم تغيُّبهم إلى فضح نواب الحزب الوطني وتزويغهم المستمر من جلسات البرلمان أثناء مناقشة مثل هذه القضايا المهمة.
كما كان للمناقشات المتميزة لنواب الكتلة تأثيرٌ مباشر في دفع الحكومة إلى البحث في كتب الفقه، ومحاولتها عدم الوقوع في مخالفة الشريعة، وهو ما يُعدُّ تراجعًا واضحًا للحكومة التي حاولت التملُّص في البداية من الالتزام بأحكام الشريعة في مثل هذه القوانين.. كل هذه الأمور لم تكن تحدث إلا لوجود نواب الإخوان.
* لكن قانون الطفل ليس القانون الوحيد الذي مُرِّر في ظل وجودكم كأكبر كتلة تحت القبة بعد الأغلبية الميكانيكية للوطني، ومع ذلك ترفضون وصفكم "ديكورًا".. كيف ذلك؟.
** لن نكون "ديكورًا"؛ فنحن ندافع بكل ما أوتينا عن حقوق هذا الشعب، ولكن ما تفعله الحكومة استبداد لا بد له من نهاية، ويكفي أن د. فتحي سرور رئيس المجلس أعلن أن هناك أكثر من 1500 اقتراح للتعديل على تعديلات القانون.
والسؤال المنطقي: إذا كان هناك أكثر من 1500 اقتراح على مواد قانون واحد.. ألا يدل ذلك بداهةً على أنه قانون مرفوض وأن الاستبداد الغالب على النظام وحكومته هو السبب؟!.
* هل يدرك الشعب المصري ما يحاك له من خطر قادم عليه وما تقومون به تحت قبة البرلمان من جهودٍ لإنقاذه من مخططات الغرب؟.
** ليس بالدرجة الكافية؛ فهو مشغول بلقمة العيش التي تصر الحكومة على إذاقته فيها ألوان العذاب بالغلاء والبطالة والعنوسة، وغيرها كثيرًا.
* يتردد أن التعديلات الجديدة لقانون الطفل رغم خطورتها إلا أنها تمثِّل مقدِّمةً لما هو أخطر منه .. هل هذا صحيح؟.
** نعم؛ فهذا القانون فتح علينا باب الشر بالانصياع للاتفاقات الدولية، وستثير الحكومة موضوعات حول شهادة المرأة ومساوتها بالرجل، ومنع ختان الرجال وإباحة الإجهاض ومساواة النوع "الجندر"، وهو زواج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، وغيرها الكثير.
وعي الشعب
* برأيكم.. ما دَور الشعب في مواجهة هذا الخطر؟.
** المهم في مواجهة الشعبِ التعديلاتِ هو الوعي بخطر التعديلات ونشره بين الناس؛ حتى يمكن للمتضرِّر أن يطعن على التعديلات أمام المحكمة الدستورية، والوعي هو بداية المواجهة، وحينما ننجح فيه سننجح في بقية المواجهات.
* كيف تقرأ إصرار الحكومة المصرية على تمرير قوانين عديدة وخطيرة في هذه الفترة الزمنية المحدودة؟.
** لأنها حكومة مفلسة وبوليسية تخشى هي ونظامها من ثورة للشعب، فتريد أن تكتم أنفاسه حتى لا يتحرَّك، وفي ظل توهُّمها أن الشعب استكان ورضخ لتمرِّر ما تشاء من قوانين تظن أنها قادرة على علاج المشكلات، ولكنها تزيدها تعقيدًا في ظل عملها المستمر لصالح الأغنياء ضد الفقراء.


