- وزير التجارة يطلب تخصيص أراضٍ لإيواء تجار الأرصفة.. ووزارة الإسكان ترفض
- التجار: التصاريح المؤقتة والإعفاء الضريبي هما الحل السحري لمواجهة التجارة العشوائية
تحقيق- صالح الدمرداش
أعلن المهندس رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة مؤخرًا أن الوزارة تعكف على إجراء تعديلات جديدة على قانون الباعة المتجولين، تتمثَّل في إلزام الجهات المسئولة عن تخصيص الأراضي بالمحافظات بتخصيص أماكن دائمة أو مؤقتة للباعة الحاصلين على تراخيص مزاولة النشاط؛ وذلك بناءً على طلب الوزير المختص بشئون التجارة الداخلية، واقتراح الغرفة التجارية المعنية، إضافةً إلى زيادة قيمة الغرامة ليصل حدها الأدنى إلى 500 جنيه والحد الأقصى 5 آلاف جنيه، مع جواز الحكم بمصادرة المضبوطات.
جاء إعلان الوزير ليؤكد طلبه السابق لوزارة الإسكان بتوفير مساحات أراضٍ لازمة لتوطين الباعة المتجولين وتجار الأرصفة في أماكن مناسبة داخل محافظاتهم، لكن الوزارة تجاهلت هذا الطلب؛ الأمر الذي يُثير العديد من التساؤلات حول التعديلات الجديدة لقانون الباعة المتجولين التي ستؤدي إلى صدام حتمي بين "رشيد" من ناحية ووزيرَي الإسكان والتنمية المحلية من ناحية أخرى.
![]() |
|
رشيد محمد رشيد |
من جانبهم رحَّب التجار بتعديل قانون الباعة المتجولين، مؤكدين أنه خطوة ايجابية نحو تحديث وتطوير التجارة الداخلية ومواجهة التجارة العشوائية التي باتت خطرًا يهدد التجار الملتزمين الذين يملكون سجلات تجارية وبطاقات ضريبية.
وطالبوا بمنح الباعة المتجولين تصاريحَ مؤقتة لمزاولة النشاط وتحصيل الرسوم اللازمة منهم؛ للعمل على إيجاد منافسة سعرية عادلة بين هؤلاء الباعة وأصحاب المحلات، مؤكدين أن زيادة قيمة الغرامات المالية المقرَّرة على الباعة المخالفين تساعد على إعادة انضباط الأسواق وإجبار تجار الأرصفة على العمل تحت مظلة الاقتصاد الرسمي.
وأكدوا ضرورة تبنِّي إستراتيجية جديدة تشارك فيها وزارات التجارة والصناعة والإسكان والتنمية المحلية والغرف التجارية، وتتضمن إنشاء أسواق مفتوحة لإيواء الباعة المتجولين وتشديد الرقابة على نشاطهم، فضلاً عن منحهم مزايا ضريبية لتحفيزهم على تسجيل نشاطهم بمصلحة الضرائب.
بيزنس الشارع
وتعتبر تجارة الأرصفة أو ما يُطلق عليها "بيزنس" الشارع أهمَّ نشاط من أنشطة الاقتصاد السري في مصر؛ حيث اهتمت بها أغلب المراكز البحثية، وأقامت العديد من الندوات والمؤتمرات لدراسة مشاكل الباعة المتجولين الاقتصادية والاجتماعية والشعبية والأمنية؛ حيث يعتبر الباعة المتجولون مطاردين من الجهات الأمنية والإدارية في مصر.
الغريب في الأمر أن الحكومة المصرية لم تُلْقِ اهتمامًا بهذه الدراسات العديدة، إلا أنه في الفترة الأخيرة في ظل بحث الحكومة عن موارد مالية جديدة، ظهر اهتمام الحكومة بالباعة المتجولين والاقتصاد السري عامة.
وهناك خلافات حول تقديرات هذا الاقتصاد السري؛ فالحكومة تُقدِّره بما يتراوح بين 60 إلى 80 مليار جنيه، في حين أن هناك تقاريرَ صادرةً عن عددٍ من المنتديات ومراكز الأبحاث تشير إلى أن حجم هذا الاقتصاد يصل إلى نحو 95 مليار جنيه، وهناك من يرى أنه يزيد عن ذلك ويصل إلى نحو 200 مليار جنيه إذا أضيف إليه حجم الأنشطة غير المشروعة، كتجارة المخدرات وغيرها.
صداع مزمن
ويوضح علي موسى رئيس غرفة التجارة بالقاهرة أن ظاهرة الباعة المتجولين تمثِّل صداعًا مزمنًا للأجهزة الحكومية المختصة وقطاع التجارة الداخلية؛ حيث إنهم يمارسون نشاطهم بالمخالفة للقانون، ويقومون بترويج السلع مجهولة المصدر وغير المطابقة للمواصفات القياسية وبيعها بأسعار زهيدة؛ مما يضر بنشاط المحلات التي تبيع منتجاتها بأسعار مرتفعة؛ نظرًا لتحملها أعباءً ضريبيةً ورسوم خدمات.
ويضيف أن علاج ظاهرة التجارة العشوائية يكمن في توفير الأراضي اللازمة لإقامة أسواق جديدة، تضم الباعة المتجولين وتجار الأرصفة، وهو ما يتبنَّاه المهندس رشيد محمد رشيد وزير التجارة والصناعة بالتنسيق مع وزارة الإسكان والمحليات، مشيرًا إلى أن التعديلات الجديدة لقانون الباعة المتجولين تؤكد هذا الاتجاه؛ حيث إنها تُلزم الجهات المسئولة عن التخطيط العمراني بالمحافظات بتخصيص أماكن دائمة أو مؤقتة لهؤلاء الباعة، بما يسمح بمزاولة النشاط تحت عيون الأجهزة الرقابية.
ويشير إلى أن الغرفة التجارية تعمل على تقديم جميع وسائل الدعم والمساندة لجميع فئات التجار، والمتمثِّلة في إنشاء مكاتب للسجل التجاري والبطاقة الضريبية والتراخيص بمقر الغرفة؛ لمساعدة التجار على تسجيل نشاطهم والاندماج ضمن منظومة الاقتصاد الرسمي.
منتجات مغشوشة
ويحذِّر هشام عبد الشافي وكيل غرفة القاهرة التجارية من استمرار نشاط الباعة المتجولين؛ حيث إنهم لا يتحمَّلون أعباءً ماديةً، سواء في الضرائب والجمارك ورسوم السجل التجاري والتراخيص وخدمات الكهرباء والمياه، وبالتالي يقومون ببيع المنتجات المعروضة لديهم بأسعار رخيصة مقارنةً بأسعار المحلات التجارية؛ مما يدفع المستهلكين إلى شراء منتجاتهم؛ وهو الأمر الذي يصيب نشاط المحلات بالشلل التام.
ويستطرد قائلاً: "إن تجار الأرصفة لا يخضعون إلى الرقابة من قِبل الأجهزة الحكومية المعنية؛ مما يتيح الفرصة إليهم بترويج المنتجات المغشوشة والمهرَّبة؛ مما يلحق أضرارًا صحية بالغة بالمواطنين، لافتًا النظر إلى أن تعديلات قانون الباعة المتجولين تساهم في مواجهة التجارة العشوائية، وتعمل على وضع حلول جذرية لظاهرة تجار الأرصفة.
وعن المخاوف التي أثارها البعض حول زيادة الغرامات، يرى عبد الشافي أنه ينبغي عدم افتراض سوء النية عند إصدار أي قانون أو اتخاذ قرارٍ بشأن ظاهرةٍ معينةٍ؛ فالتخوف من زيادة الأتاوى التي يحصل عليها بعض موظفي المحليات من المحلات غير المرخَّصة بعد ارتفاع قيمة الغرامات غير المنطقي؛ فهناك رقابة على المحليات، والقانون يعاقب من يخطئ.
تصاريح مؤقتة
ويدعو وكيل غرفة تجارة القاهرة وزارة التجارة والصناعة إلى منح تجار الأرصفة والباعة المتجولين تصاريح مؤقتة لمدة عام واحد أو عامين لحين تقنين أوضاعهم؛ وذلك للسماح بمزاولة نشاطهم تحت مظلة القانون بما يحمي المستهلكين والتجار الملتزمين من هذه الظاهرة السلبية.
واقترح منح هؤلاء الباعة مزايا ضريبية تتمثل في إعفائهم من سداد ضريبة المبيعات والدخل لمدة تتراوح بين عامين وثلاثة أعوام؛ مما يُشجعهم على تسجيل نشاطهم بمصلحة الضرائب، مؤكدًا أن إحجام التجار عن التسجيل يرجع إلى سيطرة الفكر الضريبي القديم عليهم وتخوفهم من التقديرات الجزافية.
وشدد عبد الشافي على ضرورةِ تبني إستراتيجيةٍ جديدةٍ يتم تطبيقها خلال خمس سنوات بمشاركة وزارتي التنمية المحلية والتجارة والصناعة والغرف التجارية؛ وذلك بهدف تقنين أوضاع الباعة المتجولين من خلال إنشاء أسواق مفتوحة لهم ومنحهم تراخيص مؤقتة لمزاولة النشاط.
مشكلة التراخيص
الأرصفة تكتظ بالبائعين المتجولين

ويؤكد إيهاب سعيد عضو مجلس إدارة غرفة تجارة القاهرة ورئيس شعبة مراكز الاتصالات، أن دمج تجارة الأرصفة التي تُقدَّر استثماراتها بملايين الجنيهات ضمن منظومة التجارة الرسمية يساعد على زيادة نمو الاقتصاد الرسمي، مشيرًا إلى أن مشكلة التراخيص تقف عائقًا أمام تسجيل أنشطة هؤلاء التجار، وبالتالي يلجئون إلى العمل بعيدًا عن رقابة الأجهزة المختصة؛ تفاديًا للصدام مع بيروقراطية الهيئات الحكومية المعنية.
ويضيف سعيد أن التعديلات الجديدة على قانون الباعة المتجولين أمرٌ إيجابي، ولكن ينبغي اتخاذ العديد من الإجراءات والتسهيلات الخاصة بالتراخيص والتسجيل الضريبي؛ لمساعدة تجار الأرصفة على الاندماج في منظومة الاقتصاد الرسمي.
فرصة للمنافسة
ويوضح محمد وصفي رئيس شعبة الأحذية والمنتجات الجلدية بغرفة القاهرة التجارية أن التعديلات الجديدة لقانون الباعة المتجولين تعمل على إيجاد نوعٍ من المنافسة العادلة في السوق بين أصحاب المحلات وتجار الأرصفة؛ حيث إن إلزامهم بالحصول على تصاريحَ لمزاولة النشاط وزيادة قيمة الغرامات المالية المقرَّرة على المخالفين، يساعد على دمجهم في منظومة الاقتصاد الرسمي، وتُحمِّلهم أعباءً مماثلةً لأعباء أصحاب المحلات.
ويلفت النظر إلى أن التجارة العشوائية تؤثر سلبًا على الاقتصاد الوطني، خاصةً قطاع التجارة الداخلية؛ حيث إنها تساهم في خروج منتجاتنا من المنافسة محليًّا وخارجيًّا، موضحًا أن دمج تجار الأرصفة في منظومة الاقتصاد الرسمي أمرٌ إيجابي، وليس كما يتصوَّر البعض بأنه يزيد من عدد الدخلاء على المهنة؛ حيث إنهم في حالة تسجيل نشاطهم سيلتزمون بالقوانين والتشريعات التي تحكم السوق ويخضعون للرقابة من قِبل الأجهزة المختصة.
