- ضباط شرطة: بعض الأجهزة سيطرت على مقاليد الداخلية
- الشوبكي: الطوارئ تدعيمٌ للسلطة لمواجهة خصوم النظام
- قنديل: السرقة والتخريب نتيجةٌ طبيعيةٌ لتفشي البؤس العام
- الهادي: الغلاء وعودة الطبقات هي المحرِّك الأول للانفلات المجتمعي
تحقيق- حسن محمود، وفاطمة صابر
بعد أقل من أسبوع على مدِّ العمل بقانون الطوارئ لمدة عامين جديدين، شهدت مصر عدة حوادث تؤكد فشلَ هذا القانون في توفير الأمن والأمان كما ادَّعت الحكومة، وبرهنت هذه الحوادث التي وقعت في وَضَح النهار بأن هناك أزمةً حقيقيةً في الجهاز الأمني الذي تفرَّغ بكل طاقاته للشِّق السياسي، وتخلَّى عن دَوره الأساسي، وهو الأمن الاجتماعي وحماية المجتمع؛ مما جعل كلَّ شيء في مصر معرَّضًا للسرقة في ظل تطبيق نظرية "أمن النظام قبل أمن المجتمع"، وتلاشى الولاء والانتماء الاجتماعي للمواطنين نتيجةَ سياسة النظام الاستبدادية تجاههم، فضلاً عن الظروف الاقتصادية المتدهورة.
ففي يوم الجمعة الماضية شهدت محافظة الإسكندرية جريمةَ سطوٍ مسلَّح على متجر ذهب في وَضَح النهار، كما شهدت منطقة الزيتون بالقاهرة يوم الأربعاء الماضي مذبحةً في محل "جواهرجي" راح ضحيتها 4 ضحايا دفعةً واحدةً في كبد الظهر أيضًا، وسبقتها بقليل مذبحةُ منطقةِ بين السرايات؛ حيث قتلَ أحدُ الشباب خطيبتَه ووالدتَها وشقيقتَها، وكان يريد قتل الشقيقة الثالثة لولا أنها اختبأت وهي تحتضن رضيعة أختها التي قتلها الشاب أمام عيون الجميع.
تأتي هذه الجرائم في الوقت الذي ما زال لغز مذبحة بني مزار الشهيرة في 29 ديسمبر 2005م غامضًا، حتى الضحية التي اتهمته الداخلية حصل على براءة دون أن تحترم الوزارة الرأي العام وتحدِّد الجاني.
كما ما زال لغز وفاة العالم الكبير عبده شكر الحاصل على ثلاث درجات في دكتوراه الهندسة النووية، وعُثر على جثته متحلِّلةً؛ نظرًا لمرور أكثر من شهرين على الوفاة قائمًا، ولو عدنا بالذاكرة قليلاً لتذكَّرنا حادث اختفاء الكاتب الصحفي رضا هلال مدير تحرير جريدة (الأهرام)، والذي طُويَت صفحته دون وضوح حقيقية ما حدث.
كل هذا دفع (إخوان أون لاين) إلى التساؤل عن أسباب هذه الجرائم التي أصبحت تشكِّل ظاهرةً خطيرةً تهدِّد أمن وحياة المصريين، وكيفية الخروج من هذه الظاهرة.
من جانبهم اعترف عددٌ من قيادات ورجال الشرطة المصرية السابقين بأن وزارة الداخلية تبذل قصارى جهدها في قمع المعارضين للنظام، وتسعى إلى "دسترة" القوانين الاستثنائية التي تسير تحت غطائها؛ مما أدى إلى انهيار وتدهور الأمن العام، لافتين النظر إلى أن رجال أمن الدولة يسيطرون الآن على جميع المراكز والمناصب القيادية في وزارة الداخلية؛ وهو ما أدى إلى تضخُّم دَور واستحقاقات ضباط الأمن السياسي على حساب ضباط الأمن الاجتماعي؛ ما ينعكس سلبًا على الأمن العام في مصر.
فقدان الأمن
محمود القطري

بدايةً.. يؤكد محمود القطري (عميد شرطة سابق) أن عمليات السطو المسلَّح التي حدثت في حلمية الزيتون والإسكندرية وأمثالها تكشف أن الأمن العام المصري في حالة انهيار وتدهور شديدٍ جدًّا، مشيرًا إلى أن الدولة تنظر إلى الأمن نظرةً خاطئةً حتى هذا اليوم.
وأضاف القطري أن العديد من قيادات الشرطة لا ينظرون إلى الأمن إلا من وجهة نظر سياسية بحتة يستخدمونها فقط في قمع المعارضين، بينما الأداء المهني للضباط في تراجعٍ بعد سيطرة ضباط أمن الدولة على كافة المناصب القيادية في وزارة الداخلية، واستمرار اهتمام النظام بالأمن السياسي فقط.
وشدَّد عميد الشرطة السابق على أن استمرار تضخيم دَور واستحقاقات ضباط الأمن السياسي على حساب ضباط الأمن الجنائي سيظلّ يؤثر بالسلب على الأمن الجنائي، وسيفقدنا المعنى الحقيقي للأمن في مصر.
وأوضح أن الأمن العام من المفترض أن يكون هو العنوان الأشمل والأعمَّ في كافة التخصصات الأمنية، ويضع يده على الأمن الجنائي والسياسي في مصر، مشيرًا إلى أن ضباط الداخلية يعانون من الفوارق التي يجدونها في تولِّي الوظائف داخل الوزارة.
وطالب القطري بإلغاء مباحث أمن الدولة وإسناد دَورها إلى المراكز والأقسام؛ كي يعود للأمن قيمته ويتم ضبط الأمن من جديد، مؤكدًا أن الوضع الحادث يشبه قيام طبيب النساء بعمل طبيب الأنف والأذن.
استرخاء أمني
حمدي البطران

ويتفق حمدي البطران (لواء شرطة سابق) مع الرأي السابق، مؤكدًا أن التركيز على الأمن السياسي احتلَّ اهتمامَ الشرطة، وأوضح أن ذلك أوجد نوعًا من الاسترخاء الأمني لدى ضباط الأمن الجنائي؛ لكون أن معظم الأحداث سياسية يسيطر عليها الأمن السياسي، مبديًا تخوُّفه من تكرار هذه الحوادث عن طريق العصابات.
وأشار إلى أن الأمن السياسي هو وحده الذي يريد أن يعمل في قسم الشرطة بعيدًا عن الأمن الجنائي؛ مما جعل مطلب الفصل بين الأمن الجنائي والسياسي مطلبًا ملحًّا كي يتم القضاء على الاختلاط بينهما.
وأرجع البطران تعدُّد الحوادث الاجتماعية إلى ضعف إمكانيات الشرطة وعدم مواكبتها الإمكانيات الحديثة، وإلى الكثافة العددية التي تساعد على ارتكاب الجريمة والهروب تحت غطائها، مؤكدًا أهمية الاهتمام برفع كفاءة المعدات وشراء المزيد من الأجهزة الحديثة للأمن الجنائي داخل الوزارة.
وأضاف أن الدولة لا تبخل على الأمن في شيء، ولكن الأمن السياسي في الوزارة يأخذ مساحةً شاسعةً من اهتماماتها.
مسلسل إجرامي
د. عصام العريان

وعلى الصعيد السياسي يرى الدكتور عصام العريان القيادي بجماعة الإخوان المسلمين أن هذه الحوادث هي امتدادٌ لمسلسل إجرامي موجود، مشيرًا إلى أنه في الشهور القليلة الماضية قُتل 15 مواطنًا في مدينة وادي النطرون.
وأرجع العريان الحوادث إلى استمرار جَعْل الأولوية الأمنية لأمن النظام والحكم على حساب أمن المواطنين، حتى باتت جهود الوزارة تنصبُّ في حماية الأمن السياسي، وبالتالي لا تستطيع أن تضبط ما يحدث في أي مرفق أو شارع طالما أن همَّها منصبٌّ على حماية وهْمٍ نصبته الوزارة لنفسها.
وحول دلائل الحدث أشار العريان إلى أن المؤشرات المرصودة حتى الآن تدلُّ بوضوح على خللٍ كبيرٍ في أولويات وزارة الداخلية، حتى انعكس على ترتيبها الوظيفي؛ مما جعل ملازمًا بمباحث أمن الدولة يعطي تعليمات للواء في جهاز أمني غير جهازه لينفِّذها!!.
حماية النظام
د. عمرو الشوبكي

وحول توقيتات الحوادث المرتبطة بمدِّ حالة الطوارئ، أكد د. عمرو الشوبكي الخبير بمركز الأهرام للدارسات الإستراتيجية والسياسية، أن قانون الطوارئ جاء لحماية الحكم وليس لحماية المواطن، وبالتالي فهو لم يضع اعتبارًا للمواطن العادي على الإطلاق، مشيرًا إلى أن النتيجة هو ما يراه المواطن في حياته اليومية ويقرؤه من تزايد حوادث العنف وغياب الإحساس بالأمن والأمان، وزيادة معدلات الإجرام والعنف الاجتماعي؛ مما حوَّل ذلك إلى ظاهرة.
وشدَّد على أن مدَّ حالة الطوارئ هي نوعٌ من تدعيم سلطة الأمن السياسي وإعطاء صلاحيات استثنائية للأجهزة الأمنية لمعاقبة وملاحقة المعارضين السياسيين.
وأوضح الشوبكي أن الأولوية المطلقة الآن للأمن السياسي على حساب أمن المواطن، مشيرًا إلى أن ذلك نشاهده في عدد قوات الأمن الموجودة لمحاصرة مظاهرةٍ في وسط البلد، في حين أن حادثةَ التحرُّش الجنسي التي حدثت في نفس المكان لم يتحرَّك لها أحد؛ لأنها بعيدة عن السياسة.
غياب المعلومة
ضياء رشوان

وينتقد ضياء رشوان الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، غيابَ المعلومات التي توضح للباحثين عددَ ضباط الأمن الجنائي وعدد قواته وإمكانياته بالمقارنة بينه وبين أمن الدولة، فضلاً عن غياب الإحصائيات الأمنية عن معدل الجريمة وعدم تداولها بصورة إعلامية كبيرة، كما كان يحدث منذ فترة.
وأشار إلى أن ما يحدث يحتاج إلى وقفةٍ حقيقيةٍ كي يتم التعامل مع القضية بصورةٍ شاملةٍ، مستندةً إلى حقائق لا انطباعات، مؤكدًا أن غياب المعلومة يضع الباحث أمام وضعية صعبة بين الإشكاليات المتكرِّرة والنظرة التحليلية المرجوَّة.
شعور بالغربة
تيمور عبد الغني

ومن جانبه يرى تيمور عبد الغني عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين، أن معظم هذه الحوادث تخريبٌ أكثر منها سرقة؛ بسبب شعور الشعب بالغربة داخل الوطن؛ فالحكومة تخلَّت عن واجباتها تجاه المواطنين؛ مما جعل المواطن يشعر بأن الحكومة ليست ملكًا له، ولكن ملك للحزب الوطني فقط، إضافةً إلى ما يشهده الشعب من حالة الانسداد أمامه، وسؤال الجميع الآن هو: "كيف سأعيش؟!"، إضافةً إلى ما يعيشه الإنسان في حالةٍ من الانسداد الاجتماعي، والذي أدى إلى حالةٍ من الحقد الاجتماعي، فيكون المتنفس لهذه الحالة هو هذه الأعمال التخريبية".
ويضيف تيمور "أن الأوضاع الاقتصادية لها عامل في هذه الحوادث، ولكن نحن نشهد حالةً من الفشل الحكومي؛ فالحكومة غائبةٌ عن دَورها، والظروف الاقتصادية من غلاء أسعار وغير ذلك ما هي إلا متغيرات سياسية يمرُّ بها كل المجتمع الدولي، لكن الحكومة المصرية لا تعرف كيفية احتواء وتدارُك الموقف، وليس لديها من يستقرئ لها الواقع ويعرض لها الظواهر ويقوم بتحليلها".
انهيار أخلاقي
د. عبد الحليم قنديل

ويتفق الدكتور عبد الحليم قنديل المتحدث باسم حركة كفاية، مع الرأي السابق في أن هذه الحوادث ليست سرقةً فحسب، بل هي مزيجٌ من السرقة والتخريب كنتيجةٍ طبيعية لتفشِّي حالة البؤس العام في دولةٍ تشهد حالةَ انهيار في القانون العام؛ لأنها دولة لا تحترم القانون، فبالتالي ينتج عن ذلك أناسٌ لا يحترمون سلطة القانون، ثم يتبع ذلك أيضًا انهيار في النظام الأخلاقي الفردي نتيجة من حالة تفشي الثروات ووجود البطالة والفقر والقتال في طوابير العيش.. كل ذلك يؤدي إلى انتشار ووجود ظواهر سلبية في المجتمع المصري".
ويضيف د. قنديل: "إن الدولة هي التي تساعد على انتشار البلطجة في المجتمع، فإذا كانت الدولة تعامل الناس بالبلطجة العامة في كل الأمور في ظل هذا الجو تنمو حالة من البلطجة الشعبية نتيجةً للاضطهاد وعدم العدالة، فيكون ذلك مؤدَّاه عند الناس رغبة تحطيم لمجرد التحطيم، خاصةً أن الناس أصبح لديها شعور بأن البلد مش بلدهم، وأن هذه هي ممتلكات الحكومة وليست ممتلكات الشعب، خاصةً أن الشعب يرى أن الدولة نفسها تبيع الممتلكات العامة؛ فهي تبيع الأراضيَ والمصانع؛ فالشعب يرى أن الحكومة تعيش حالةً من اللصوصية، فطبيعي ألا يكون لدى المواطن أي مانع للسرقة".
دولة مفككة
بهي الدين حسن

ويرى بهي الدين حسن مدير مركز القاهرة لحقوق الإنسان، أن ما يحدث شيءٌ طبيعي في ظل دولة مفكَّكة، لا يوجد بها مؤسسات بالمعنى المتعارَف عليه، وأمنها متوجَّه إلى الحفاظ على أمن النظام وحماية نهب الدولة المنظَّم.
وأرجع حسن تدنِّيَ الاهتمام الأمني بالمواطن إلى احتقار النظام للمواطن وعدم إحساسه بالمسئولية عنه، وأنه خادم له، مشيرًا إلى أن الأمن لا يقوم إلا بـ"لملمة" مثل هذه الحوادث والعمل على إسكاتها، مؤكدًا أن الأمن في مصر تركِّز على عمل أمن الدولة فقط، بينما بقية أجهزة الأمن أقل درجةً من هذا الجهاز؛ حيث يستنزف ضباط أمن الدولة مصر ماليًّا وأمنيًّا بسبب مرتباتهم ونفوذهم الواسع، ومخصصاتهم الكبيرة من أراضٍ وعقارات... إلخ.
محاولة انتقام
وعلى الصعيد الاجتماعي، يرى الدكتور حامد الهادي أستاذ علم الاجتماع بجامعة الزقازيق، أن هذه القضية لها أسباب كثيرة، ويُنظَر إليها من عدة اتجاهات؛ فإذا نظرنا إليها من منظور اجتماعي فهي حالة انفصال بين الإنسان والمجتمع، وأن العلاقة بين المواطن والمجتمع أصبحت علاقةً ضعيفةً مع غياب الرقابة الاجتماعية، إضافةً إلى تراجع الانتماء الاجتماعي؛ وذلك بسبب ما انتشر في المجتمع من حالات رشاوى وفساد وتوريث مهني، إضافةً إلى المعايير الموضوعية غير المعمول بها.
وأضاف: "من الأسباب أيضًا حالة الإقصاء الاجتماعي وعدم شعور الأفراد أن الملكية العامة الموجودة في الدولة هي ملكٌ لهم؛ فهناك أفراد ليس لديهم طابع السرقة، لكنه يتغاضى عن رؤيته أي شخص يسرق؛ وذلك محاولةً منه للانتقام من المجتمع من خلال أي ظلمٍ وقع عليه".
ويستطرد الهادي قائلاً: "أما إذا نظرنا إليه من منظور اقتصادي؛ فإن غلاء الأسعار وعودة نظام الطبقات يأتي في المقام الأول لأسباب هذه الظاهرة، فضلاً عن حالة التهميش الاقتصادي وتلاشي الطبقة الوسطى، وتحوُّل المجتمع إلى فئتين: فئة ثرية ثراءً فاحشًا، وأخرى فقيرة مُعدَمة، ولا وسط بين الأمرين".
وحمَّل الهادي الحكومة المسئولية كاملةً لهذه الظاهرة؛ حيث قال: "إن هذه الظواهر ما هي إلا رد فعل لأفعال الدولة، وإن عدم تحقيق رغبات المواطنين حتمًا سيؤدي إلى هذا الأمر، ولا سبيل إلى علاج هذه الظواهر إلا إذا تمَّ إدماج الإنسان في المجتمع وإشعاره أنها بلده بحق".