سادت حالةٌ من الاستياء الشديد والسخط العام في الشارع المصري والأوساط السياسية والاقتصادية عقب موافقة مجلس الشعب على مدِّ حالة الطوارئ في البلاد لمدة عامين تبدأ من 1/6/2008م أو لمدة تنتهي بصدور قانون مكافحة الإرهاب؛ وذلك بعد فترة من الطوارئ دامت 27 عامًا.

 

 الصورة غير متاحة

د. محمد سعد الكتاتني

"إخوان أون لاين" استطلع آراء خبراء السياسة والقانون والمهتمين بهذا الشأن، وتساءل: هل هناك ارتباط بين مدِّ حالة الطوارئ في مصر لمدة عامين وبين الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة في 2010م، 2011م على التوالي؟ وما هي الدوافع حول عدم صدور قانون الإرهاب حتى الآن؟.

 

يقول الدكتور محمد سعد الكتاتني رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب: إن مدَّ حالة الطوارئ لمدة عامين آخرَين يؤكد أن الحكومةَ في أشدِّ حالات ضعفها, وأنها لا تستطيع أن تستمر بدون طوارئ, فالنظام استخدم الطوارئ ذريعة لمحاربة خصومه السياسيين, دون أن تهتم بتوفير خبزٍ نظيفٍ أو وظيفة عمل لعاطل.

 

حماية الفساد

وأكد د. الكتاتني أن الحكومةَ لا تستطيع أن تعيش إلا في حالةِ عدم استقرارٍ أمني، مشيرًا إلى أن السبب الحقيقي وراء مد حالة الطوارئ هو حماية الفساد والاحتكار والمفسدين.

 

وتساءل: لماذا لم تُطبَّق حالة الطوارئ على ممدوح إسماعيل المسئول عن غرق العبَّارة المصرية في 2006م؟ ولماذا لم يُحال إلى المحاكمة العسكرية؟ هل لأن غرق آلاف المصريين لا يعتبر كارثةً, أم لأن المحاكم العسكرية لا تتسع فقط إلا لشرفاء هذا الوطن والمصلحين.

 الصورة غير متاحة

م. سعد الحسيني

 

وحول موافقة نواب الوطني على مدِّ قانون الطوارئ يقول المهندس سعد الحسيني عضو الكتلة: إن نوابَ الحزب الوطني لا يفهمون المعنى الحقيقي للديمقراطية, وإن شاغلهم الأكبر هو هل يرضى عنهم النظام, أم أنَّ النظامَ يُفكِّر في استبدالهم الدورة القادمة.

 

وأضاف الحسيني أنه حين قام بعرض وثائق عن أحداث المحلة والانتهاكات التي ارتكبتها سلطات الأمن بدعوى تطبيق قانون الطوارئ, لاقى هجومًا شديدًا من نواب الوطني ولم يستطع إكمال حديثه وعرض وثائقه, مشيرين إلى أن نواب الكتلة ينوون توثيق هذا الحدث تاريخيًّا حتى يشهد التاريخ مدى الظلم والقهر الذي يُعانيه الشعب المصري.

 

لا تمنع الإرهاب

 الصورة غير متاحة

د. حسن نافعة

ويتوقع الدكتور حسن نافعة أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة أن تزداد حالة السخط العام التي تسود الشارع المصري في الفترة القادمة بصورةٍ كبيرة، مؤكدًا أن قانون الطوارئ لا يمنع الإرهاب بدليل أن هناك العشرات من الحالات التي حدثت أثناء تطبيق قانون الطوارئ مثل أحداث شرم الشيخ والأزهر وغيرها.

 

وقال د. نافعة: إن مكافحةَ الإرهاب لا تستدعي وجود حالة الطوارئ، مشيرًا إلى أن هناك في القوانين الدستورية العادية ما يشدد العقوبات في مواجهةِ الإرهاب.

 

ويُضيف المستشار محمود الخضيري رئيس نادي قضاة الإسكندرية الأسبق أن النظام لا يحتاج لمبررات لمد حالة الطوارئ غير أنه يتعمد تدعيم كل ما يتعلق بكبت الحريات.

 

 الصورة غير متاحة

المستشار محمود الخضيري

وقال الخضيري إن النظام يسير نحو هدف لا يراه إلا هو، وفي مقابل هذا الهدف لا يتوانى أن يسحق شعب، أو أن ينتهك حريات الآلاف، بغض النظر عمَّا إذا كان هذا الهدف هو التمهيد لتوريث الحكم، أو ضمان حصول حزب الأغلبية على معظم المقاعد في انتخابات مجلس الشعب القادمة 2010م, كي يستعملها النظام كأداةٍ لتمرير القوانين التي تحقق أهدافه بإعلانها الدائم بموافقتها على أي قانون مهما كان- بغض النظر عمَّا إذا كان هذا القانون يُسهم في تدمير الشعب وسلبه ونهبه وقهره أم لا, مؤكدًا أنه أيًّا كانت أسباب أو مبررات النظام لمد حالة الطوارئ لمدة عامين قادمين فإنه يعمل بلا شك على تدمير شعب بكافة القوى التي يمتلكها.

 

اعتدنا عليها

ويرى المستشار فتحي لاشين أن حالةَ المد أمرٌ كان متوقعًا، موضحًا أن النظامَ لا يستطيع العيش بدون طوارئ.

 

ولفت إلى أن حالة الطوارئ بمصر مُعلَنة بسبب وبدون سبب، فحالة الطوارئ ستمتد لمرات ومرات، قائلاً إن الوضعَ لم يكن ليتحسن كثيرًا إذا لم يتم المد، فحالة الطوارئ أصبحت حالةً أمنيةً قاهرة، حالة مستديمة اعتاد عليها الشعب من دولة بوليسية.

 

وأشار لاشين إلى أن الدولة مُسيَّرة أمنيًّا في شتى المجالات من "سياسة- اقتصاد- تعليم- اقتصاد.."، مؤكدًا أن النظام يتخذ من حالة الطوارئ مظلةً يحتمي بها منذ 27 عامًا، حتى أصبح القانون كعصا تُمسَك لشعبٍ مقهورٍ لا يستطيع أن يقول "لا" في وجه مَن يُمسك له بالعصا، خاصةً تحت تلك الضغوط الاقتصادية الرهيبة التي يعيش الشعب في ظلالها.

 

 الصورة غير متاحة

المستشارة نهى الزيني

وتؤكد المستشارة نهى الزيني نائب رئيس هيئة النيابة الإدارية أن مد حالة الطوارئ يعد أمرًا مؤسفًا للغاية، وهو يُنافي التزامات مصر بتعهداتها الدولية خاصةً بنصوص القوانين الصادرة في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والتي صدقت مصر والتزمت بتعهداته ونصوصه، وأشارت إلى أن عدم التزام مصر بتلك التعهدات، بالإضافة إلى مدِّ حالة الطوارئ والانتهاكات المتكررة لحقوق الإنسان يضع مصر في ترتيبٍ سيئ دوليًّا من الناحية الحقوقية وكذلك الناحية القانونية.

 

وأضافت المستشارة نهى: أننا وإن كنا نتحدث عن حالة الطوارئ فإننا نتحدث عن حالةٍ قديمة مصر أدمنتها، مؤكدةً أنَّ الوضعَ القانوني السيئ للمعتقلين هو ما دفع الدولة للسعي وراء مدِّ حالة الطوارئ.

 

كما أوضحت أنها لا تنتظر ردَّ فعل إلا رد فعل شعبي يعمل كورقةِ ضغطٍ على كلِّ من نواب المجلس والحقوقيين والقانونيين وغيرهم ممن يدعمون إلغاء حالة الطوارئ.

 

أسباب المد

 

د. عمرو هاشم

ويضيف د. عمرو هاشم ربيع الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية والمهتم بالشئون البرلمانية أن مدَّ قانون الطوارئ تم تبريره على أنَّ قانونَ الإرهاب لم يزل في طورِ الإعداد.

 

ويرى د. هاشم ربيع أن هناك سببين لمدِّ قانون الطوارئ أولها أنَّ هناك من 2000 إلى 3000 معتقلٍ على مهبِّ الريح كانوا على نفاد المدة، فكان لا بد من وجود مبرر لاستمرار اعتقالهم، وهو ما يؤدي بنا إلى السبب الثاني لتمديد القانون، وهو التخوف من جعل البلد تعيش بدون طوارئ- وهو ما لا اعتدنا عليه- خاصةً أن إجراء انتخابات مجلس الشعب 2010م يتطلب تدخلاً أمنيًّا بالطبع مستندًا على ذريعة وجود قانون للطوارئ؛ وذلك لأننا نعيش في دولةٍ لا تستطيع أن تعيش بدون القوانين الاستثنائية.

 

وأضاف أننا نعيش في دولةٍ تدَّعي الليبرالية، في حين أنها لا تفهم الليبرالية إلا بالمعنى المقلوب لها، هذا بافتراض وجود تكهنات تقضي بوجوب مدِّ حالة الطوارئ، خاصةً أنَّ انتخابات الرئاسة مقرر عقدها في العام التالي لانتخابات مجلس الشعب أي 2011م.

 

وعن رؤيته لما ستسفر عنه حالة المد، قال إنه يتوقع إحداث تمديد آخر، بل مدود أخرى لحالة الطوارئ في البلاد، واصفًا شعوره تجاه حالة المد ومدى تأثيرها على المجتمع المصري، بأننا شعب مسكين، كُتِبَ عليه أن يعيش طيلة عمره في الطوارئ، وأن تتربى الأجيال المتتالية على أننا في حالة طوارئ.

 

الانتخابات القادمة

 الصورة غير متاحة

نجاد البرعي

ويوضح نجاد البرعي رئيس مجلس إدارة جمعية تنمية الديمقراطية أن الحكومةَ تثبت يومًا بعد يوم أنها لا تستطيع الحكم يومًا واحدًا دون طوارئ.

 

وأكد مدى تخوف النظام والسلطة من انتخابات مجلس الشعب القادمة، مضيفًا أننا لا بد أن نعتاد على مثل هذه الانتهاكات طالما هذا النظام قائم، فهو فضلاً على أنه ينتهك الحريات ويخالف القوانين والاتفاقيات والمواثيق الدولية، فهو أصاب الشعب بمناعةٍ ضد أي محاولةٍ أو نية منه للإصلاح.

 

 الصورة غير متاحة

بهي الدين حسن

واتفق معه في الرأي بهي الدين حسن مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، مشيرًا إلى أنَّ من أهم أسباب سعي النظام وراء مدِّ حالة الطوارئ، هي أنه نظام غير شرعي، يريد تأمين نفسه واستخدام مجلسه المزور لكي يساعده على توفير حالة من الطوارئ في البلاد حتى يستطيع النظام أن يعيش ويتنفس دون قلق.

 

وقال إنه إذا كانت حالة الطوارئ تفرض في الحالات الاستثنائية أو كارثة كبرى أو حرب أو غيرها، وإن هذا النظام أعلن الحرب على الشعب المصري، فهو يعتبر مصر "عزبته الخاصة"- على حدِّ تعبيره- يعيش فيها كما يشاء حتى لو على جثثِ أفرادٍ على الشعب.

 

وأوضح حسن قائلاً: "إننا لا نعتبره أمرًا جديدًا أو غريبًا أن يوافق المجلس بأغلبيته المصطنعة على هذا الأمر، فكبت الحريات هي السمة الأساسية لهذا النظام".

 الصورة غير متاحة

أ.د. يحيى القزاز

 

ومن ناحيته يؤكد الدكتور يحيى القزاز الأستاذ المساعد بقسم الجيولوجيا بكلية العلوم جامعة حلوان أن الشعب أيقن أن حالة الطوارئ والسلطة الحاكمة يمثلان توءم غير منفصل.

 

وقال: طالما أن هذا النظام جاثمٌ على أنفاس هذا الشعب المقهور، فلا بد أن نُوقن أننا نعيش في طوارئ حتى وإن كانت غير معلنة وغير قانونية، مضيفًا أن حالة الطوارئ لن تزول وتنتهي إلا بإزاحةِ هذا النظام الجاثم.