فرعون رمز لكل طاغية مستبد يحكم قومه بالحديد والنار، وفرعون رمز لكل حاكم متجبر ومتكبر، وفرعون رمز لكل حاكمٍ سفيه؛ فهو حاكم طاغية (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى) (طه: 24)، ومعنى الطغيان هنا أنه تخطَّى الخطوط الحمراء بأن تعدى حدوده كحاكمٍ إلى كونه إلهًا وربًّا (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) (القصص: من الآية 38) (فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى) (النازعات: 24)، والطغيان يجعل الحاكم يتعامل مع الرعية على أنهم عبيد، أو من جملة الممتلكات والمقتنيات التي يمكنه التخلص منها كيفما شاء ووقتما شاء، أو الإبقاء عليها بأي شكلٍ شاء؛ فهو لا يُبالي بشعبه مهما كانت ثقافته، ومهما كان فيه من مثقفين وعلماء وعظماء ومفكرين وأصحاب رسالة.

 

ولقد حكم الله تعالى على فرعون بعدم الرشد فقال: (فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) (هود: من الآية 97)؛ فهو حاكم سفيه ليس له رأي سديد ولا عقل رشيد، فأورد قومه موارد الهلاك في الدنيا والآخرة (وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ) (هود: من الآية 98)؛ وذلك بقراراته الهوجاء غير المدروسة، وحرصه الشديد على الملك وعدم الانصياع إلى صوت العقل والمنطق وغبائه المتناهي واستعباد الشعب، والتنكيل بكل معارضيه أيًّا كانوا، ولو كان المعارض له موسى وهارون.

 

(إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْييِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ) (القصص: 4)؛ فالاستعلاء في الأرض وإطلاق أيدي زبانيته في الشعب؛ تقتل مَن تشاء وتنهب مَن تشاء، وتغتصب مَن تشاء وتجوِّع من تشاء، وتروع من تشاء وتزج بالأبرياء في السجون والمعتقلات من تشاء.

 

والإفساد في الأرض وكل هذه الصفات إذا توفَّرت في أي حاكمٍ فهو فرعون، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدل على سفه ذلك الحاكم وعدم رشده، ومن ناحيةٍ أخرى فإن المصير واحد لكل فرعون (وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ (10) الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ (11) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ (12) فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ (13) إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14)) (الفجر).

 

إن فرعون لا يقبل الحوار إذا لم يكن في صالحه؛ فإذا أحس بالهزيمة استعمل لغة البطش والتنكيل؛ فالفراعنة لا يعرفون غير هذه اللغة: (قَالَ لَئِنْ اتَّخَذْتَ إِلَهًَا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنْ الْمَسْجُونِينَ) (الشعراء: 29)، فلما عرض موسى عليه أنه مستعد لأن يأتيَ بالأدلة القاطعة على أنه رسول: (قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ) (الشعراء: 30) وافق فرعون ظنًّا منه أن موسى ليس لديه من الأدلة على ما يقول (قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنْ الصَّادِقِينَ) (الشعراء: 31) فأتى موسى عليه السلام بما لديه من أدلة: (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33)) (الشعراء)، وعندئذٍ قام فرعون بالتشكيك في أمر موسى فأشاع عنه أنه ساحر، وأنه سببٌ لعدم استقرار الأمن في البلاد، ونزول الكوارث على العباد (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ) (الشعراء: 35)، وهي عادة كل الفراعنة.

 

ولغة فرعون توحي بأنه حاكم ديمقراطي؛ حيث طلب رأي الشعب في أمر موسى؛ فهي الطريقة السائدة التي نراها تتكرَّر بين كل فترة وأخرى؛ فالديمقراطية ألوان وأشكال حسب المطبخ الذي تُطبخ فيه، وحسب الطباخ نفسه، بل وحسب نوع الطبخة التي يتم طبخها، وكلها ديمقراطية على الطريقة الفرعونية.

 

ومتى كان للشعب رأي في ظل الحكم الفرعوني؟! متى كان للشعب رأي في ظل نظامٍ لا يقبل التعددية الفكرية والسياسية؟! متى كان للشعب رأي في ظل نظام لا يرى ولا يسمع إلا نفسه؟!.. إن الشعب لا يملك شيئًا في ظل نظامٍ لا يقبل التعايش مع الآخرين، بل وليس مستعدًّا لأن يسمع غيره، ولا يخضع لإرادة شعبه، ومن هنا فقد قام فرعون بدعوة جميع السحرة كي يقارعوا موسى الحجة بالحجة، ولكن على طريقتهم؛ فهم آلاف في مقابل موسى.

 

وبدأت المباراة بين الفريقين، و(قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43) فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (44) فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (45) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (46) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (47) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (48) قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لأقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلأصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (49) قَالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (50) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (51)) (الشعراء).

 

ومن خلال هذه النهاية التي انتهت بإيمان السحرة الذين جيء بهم ليكونوا عونًا لفرعون، فجُنَّ جنونه، فاتهمهم بالعمالة والتبعية لموسى، وتوعَّدهم بعقاب شديد، فتحدوه بإيمانهم وقبلوا أن يلقوا ربهم شهداء؛ فمن خلال هذا الحوار وهذه النهاية فإني أخرج بعدة أمور:
الأمر الأول: عدم صدق الفراعنة في ادعائهم الحرية والديمقراطية؛ فلو كان الأمر كما زعم لرحَّب الفرعون بنتيجة السباق الذي دار بين السحرة وموسى.. هذا جانب، والجانب الآخر، وهو الذي يدل على شدة غبائه، أنه يقول للسحرة: (آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) (الشعراء: من الآية 49)، وكأنه يعاقبهم على عدم استئذانهم إياه في الإيمان بموسى، ولو أنهم استأذنوه لأذن لهم!!

 

لقد أثرى فرعون الساحة السياسية على مدى الزمان بالكذب والغباء، حتى أصبحت هذه الصفات من مسوغات الحكم؛ فمَن لم يتصف بتلك الصفات فليس له في الحكم نصيب.

 

إن نتيجةَ أي سباق حر يجب أن تحترم؛ وذلك عند أهل العقل والمنطق، هذا هو المبدأ الذي يسير عليه كل حاكم حر أصيل، يعمل لمصلحة وطنه وشعبه، ويسهر على راحتهم والرقي بهم، لكن الفراعنةَ لا يقبلون السباق الحر النزيه والشريف، بل أصبحوا يرفضون فكرة السباق في حدِّ ذاتها، فاستبدلوا بالسباق النفاق.

 

الأمر الثاني: أن فرعون لغبائه الشديد قد نسي أنه ادعى الألوهية والربوبية، فاستدعى السحرة لينقذوه من موسى، فأصبح يناقض نفسه؛ إذ كيف يكون إلهًا ويستعين بالآخرين؟! وكيف يكون ربًّا وهو لا يستطيع أن يكشف زيف موسى؟!

 

إنه يهزأ بعقول أمته ويسخر منهم، والجميع- يا ويلاه- مكمم الأفواه، مكتوف الأيدي، وهكذا تكون الشعوب مع فراعنتهم؛ فقد قالها لهم فرعونهم: (مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى) (غافر: من الآية 29).

 

الأمر الثالث: أن موسى لو كان ساحرًا لكان أول مسحور هو فرعون ومَن على شاكلته؛ فهذا المعنى يغيب عن كل مَن عميت بصيرته وطبع الله على قلبه؛ فلقد قال المشركون عن رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: إنه ساحر، وقال الكفار عن أنبيائهم: إنهم سحرة، ونسي الأغبياء أنهم لو كانوا كذلك لسحروا مخالفيهم ومناوئيهم.

 

وهكذا.. تكال التهم، وتُوجَّه السهام، وتُفتَح الزنازين، وتصادر الممتلكات والحريات لكل مَن يرفض السير في ركب الفراعنة، ويحال بينهم وبين الحصول على حقوقهم المشروعة.

 

أما مَن يسير على نهجِ الفرعون ويكون له هامان وقارون، أو يكون سيفًا بيد فرعون أو سوطًا بيده فإنه تُفتح له الخزائن، وتُجنَّد لخدمته الجنود، وتُملأ له الصناديق بالأصوات والصراخ، إلى غير ذلك من المنح التي يتكرَّم بها فرعون على عابديه، وهنيئًا لهم جميعًا بسوء الخاتمة.

 

النهاية

نهاية الفراعنة من أسوأ النهايات التي سجَّلها التاريخ؛ فنهاية كل فرعون تأتي بجنونه وترنُّحه وعدم وعيه بما يصدر عنه من قرارات، فيبدأ بإصدار تعليمات وقرارات لا يدرك خطورتها وما سوف تؤدي إليه، حتى يجد نفسه في الهاوية.

 

ولقد كانت نهاية فرعون عندما أصدر قرارًا بملاحقة موسى ومَن معه من المؤمنين؛ حيث جنَّد كل جنوده لهذا الغرض؛ حتى يتم القضاء على كل المصلحين، ولقد نعتهم فرعون بنعتٍ قبيح، فقال: (إِنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (54) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (55) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56)) (الشعراء) ويا لها من كلمةٍ تدل على مدى الحقد الذي تمتلئ به قلوبهم، والرعب الذي يتملكهم.

 

فبداية النهاية إنما تكون بملاحقةِ أهل الحق ومتابعتهم والتضييق عليهم والتنكيل بهم بلا هوادةَ، ولا عجبَ في ذلك؛ فكل أمله أن يصبح أو يمسي فلا يرى أحدًا من المصلحين؛ فالذي يدفع فرعون إلى ما يقوم به هو شدة خوفه من المصلحين على عرشه المشئوم (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (56)) (الشعراء)، واستحكم الأمر، واقترب فرعون من تحقيق حلمه، وما هي إلا ساعات وتُحسم المعركة لصالح الفرعون؛ فالبحر من أمام موسى، وفرعون من ورائه.. إذًا ليست هناك وسيلة لنجاة موسى- هكذا ظنَّ فرعون- فموسى هالكٌ لا محالةَ، إما في البحر، وإما بفرعون، حتى إن أصحاب موسى قالوا: (إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)) (الشعراء)، وتغيَّر الأمر، وتبدَّل الحال، وقضت إرادة الله تعالى بنجاةِ موسى ومَن معه، وكان الهلاك نصيب فرعون ومَن معه.. (وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخَرِينَ (66)) (الشعراء).

 

إن علامةَ النهاية لكلِّ فرعون هو زوال عقله، وعدم وعيه بما يصدر عنه، وإعلان الحرب على الله ورسوله، وتعطيل شرع الله، ومحاربة أهل الحق، والحيلولة بينهم وبين المؤسسات التشريعية والقضائية والتنفيذية، والنقابات بكل أنواعها وألوانها، والتاريخ لا يرحم، وهو شاهدٌ على كلِّ فرعون، لكن الفراعنة لا يعقلون، ولا يفقهون، ولا يعلمون، ومكانهم الطبيعي هو مزبلة التاريخ هم وأذيالهم، ومَن يطبل ويزمر لهم.

 

فيا مغرورًا بالأماني..‏ لُعِنَ إبليس وأُهبط من منزل العز بترك سجدةٍ واحدة أُمر بها‏، وأُخرج آدم من الجنة بلقمةٍ تناولها، وحُجب القاتل عنها‏‏ بعد أن رآها عيانًا بملء كف من دم‏، وأُمر بقتل الزاني أشنع القتلات بإيلاج قدر الأنملة فيما لا يحل، وأمر بإيساع الظهر سياطًا‏ بكلمةِ قذف، أو بقطرةٍ من مُسكِر؛ ‏فلا تأمنه أن يحبسك في النار بمعصيةٍ واحدةٍ من معاصيك (وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15)‏) (الشمس).

------------

* shikh_54@yahoo.com