ستون عامًا مرت على النكبة الفلسطينية، عاشها الفلسطينيون لحظةً بلحظة، بكل ما تحمله هذه اللحظات الطويلة من مرارة وعسر، فليس أشدّ على النفس من اللجوء قسرًا عن وطنك؛ لا سيما إذا ما عرفنا أن ما نسبته 80% من اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون خارج فلسطين لا يبعدون عن حدودها أكثر من 60 كم!.
ثمة قول مأثور اعتاد الفلسطينيون في مخيمات اللجوء على ترديده؛ وهو: "لكل الناس وطن يعيشون فيه إلا نحن لنا وطن يعيش فينا"، ويردِّد الفلسطينيون هذه الجملة كلما حملهم الحنين إلى بلداتهم وقراهم التي هُجِّروا منها قسرًا في العام 1948م.
يعرَّف الفلسطيني اللاجئ بأنه ذلك "الذي طُرِدَ من أرضه أو أُجبر على الرحيل عنها خلال الفترة الواقعة بين تشرين الثاني (نوفمبر) 1947م والتوقيع على اتفاقية رودس عام 1949م في الأراضي التي سيطرت عليها المنظمات الصهيونية حتى التاريخ الأخير، ويشمل هذا التعريف كل من وُلد لأب عربي فلسطيني بعد هذا التاريخ داخل فلسطين أو خارجها؛ إذ هو لاجئ ومن حقه العودة إلى أرض آبائه وأجداده".
(إخوان أون لاين) ينقل لكم آهات وزفرات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، والذين يشكِّلون ما نسبته 45% من اللاجئين الفلسطينيين في العالم، ومن خلال مقابلاتنا مع اللاجئين كانت تتردَّد على مسامعنا كثيرًا "العودة"، و"التمسك بالحقوق"، ونقلوا لنا قناعاتهم التي لم تنَلْ منها ستة عقود مضت على هجرتهم، والتي يجدِّدها الاحتلال الصهيوني كل يوم بممارساته القمعية المتجددة على أرض فلسطين.
وحول أبرز ما تختزنه ذاكرة النكبة في عقول من عايشوا تفاصيلها؛ يقول الحاج تامر عودة (75 عامًا- وهو لاجئ من قرية برير الواقعة شرق بلدة عسقلان): "كان عمري 15 عامًا عندما هاجرت عائلتي من برير إلى بلدة بيت لاهيا شمال القطاع، وأذكر جيدًا أن والدي وأعمامي عادوا إلى برير على مدار 3 أيام متواصلة بعد أن رحلوا عنها؛ حيث اصطحبني والدي في إحدى هذه المرات كي أساعده وأعمامي في نقل القمح مخزون الحصيدة".
وأشار عودة إلى أن أحداث الهجرة بدأت في قريته عقب انسحاب الجنود البريطانيين من ثكنة عسكرية مجاورة للقرية، وذلك قبل 3 أيام فقط من دخول الجنود الصهاينة للقرية، مؤكدًا أن سكان القرية البالغ عددهم آنذاك نحو 4 آلاف نسمة؛ شعروا بارتياب وخوف شديدَين في أعقاب الرحيل الفجائي للجنود البريطانيين، ولكن لم يخطر ببالهم أن ذلك بداية العد التنازلي لرحيلهم عن ديارهم.
![]() |
|
مأساة اللاجئين الفلسطينيين مستمرة |
وأضافت الحاجة ربحية النبالي (من قرية بيت نبالا): "لم نتوقع أن تمتدَّ فترة رحيلنا لسنوات، بل كنا نعتبر أن ما تعرضت له قريتنا مجرد اعتداء من الجماعات اليهودية سينتهي بمرور الأيام وسنعود من ثم إلى ديارنا، ولكن ما حدث كان حرب إبادة استهدفت الاستيلاء على أراضنا وأرض أجدادنا ليقام على أنقاضها كيان الدولة العبرية.
وتتابع ذكرياتها وسط تنهُّدات "هل تظن أنه من السهل على الإنسان نسيان أجمل سنوات صباه؛ التي قضاها في الحصيدة ومساعدة أهل القرية بعضهم بعضًا في موسم الحصاد؟! وكذلك: هل من الممكن أن أنسى ليالي السمر "عندما كنا نلتقي وأهل القرية في أفراحهم التي كانت تمتد لعدة ليالٍ ونحن نغني (الميجانا والعتابا) ونقيم حلقات الدبكة الشعبية كبارًا وصغارًا"؟!.
فيما يقول الحاج توفيق الطيراوي (80 عامًا): "لا يضيع حق وراءه مطالب؛ فنحن اللاجئين لم ننسَ للحظة أن لنا أرضًا اغتصبها الاحتلال الصهيوني، وإن كنا الآن عاجزين عن عودتنا لديارنا؛ فأبناؤنا وأحفادنا سيعودون حتمًا".
لا أنسى اغترابي
أما الحاج سليمان أبو تايه (85 عامًا- لاجئ من قرية بشيت، إحدى قرى مدينة سدود، وأحد من عاشوا تفاصيل النكبة والهجرة) فيقول: لم أنسَ يومًا أنني أعيش في أرض غير أرضي، ومنزل غير منزلي!! لقد دمر اليهود قريتنا بالكامل، لكنني لم أيأس يومًا من فكرة عودتي، كنت شابًا يافعًا في ريعان الشباب ومتزوِّجًا حديثًا، كيف لي أن أنسى هذه السنين الطويلة من التشرُّد والضياع الحقيقي، فقصتنا لم تقف عند أشخاص تركوا أرضهم ومنازلهم، ولكن النكبات توالت على رؤوسنا، وتعاظمت الضغوط، وزادت علينا أعباء الحياة منذ أن أصبحنا فريسةً لليهود.
وأشار إلى أن سكان قرية بشيت التي تبعُد عن غزة نحو 35 كيلو مترًا، وتعتمد على الزراعة كمعظم القرى الأخرى، هاجروا بعد أيام قليلة من إعلان الكيان قيام دولته، وبعد أن كانت أخبار المجازر التي ترتكبها عصابات شتيرن والهاجاناه الصهيونية تتوارد إلينا من القرى والبلدات المجاورة؛ حيث دبَّ الخوف في قلوبنا في وقتٍ لم نكن نملك فيه الكثير من السلاح للدفاع عن قريتنا، وبالتالي بدأْنا نخلي قريتنا ليلاً تحسُّبًا لأية هجمات قد تطالنا.
وتقول الحاجة رحمة تايه (55 عامًا): أذكر والدي عندما حدثني عن ذكريات رحيله من قريتنا في جنوب فلسطين، فكان يقول لنا: هاجرنا من قريتنا ليلاً، وكان التعب والإرهاق قد نال من الجميع، وما نحمله من ماء وطعام بدأ يتناقص قبل أن نصل إلى غزة؛ حيث استمرت رحلة هجرتنا 3 أيام، رغم أن المسافة ليست بالبعيدة، لكن الطائرات الصهيونية كانت تقصف الطرق وتقوم بإلقاء القنابل عشوائيًّا.
تزدان "رموز العودة" بكثافة في بيوتات لاجئي المخيمات مع كل اقترابٍ من ذكرى نكبة أخرى جديدة دون إيجاد حل لقضيتهم يستند إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 194 الصادر عام 1948، والذي ينص صراحةً على "العودة والتعويض"؛ باعتبار أن الاحتفاظ بتلك الرموز الوطنية طوال تلك السنين يعبِّر عن "إصرار مستميت على حق لن يموت أو يزول" بالنسبة إليهم.
غدر العدو
الحاج أحمد أبو مرخية (86 عامًا) أكد أن هجرته وعائلته من فلسطين إلى الأردن لم تكن سهلةً؛ حيث "امتدت أيادي العدوان الصهيوني الغادرة إلى والده وأخيه ليرتقيا شهيدين، فيضطر إلى استكمال طريق اللجوء مع والدته وإخوته الثلاثة، وسط أكوام من الجثث المحترقة ومن الشهداء والجرحى؛ حتى تمكنوا من الوصول إلى السلط، ومن ثم إلى مخيم الحسين (تأسس عام 1952م)؛ حيث يقطنونه إلى الآن".
![]() |
|
حياة صعبة يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في الأردن |
وما زال أبو محمد مكسر (79 عامًا) يذكر "مشاهد النيران المشتعلة من المنازل بعد نهبها من قبل قوات الاحتلال، ومناظر تساقط القتلى والجرحى بفعل العدوان الصهيوني على المدن والقرى الفلسطينية التي دمَّرها الاحتلال فوق رؤوس قاطنيها الأصليين، فيما أعدم من نجا من القرويين الفلسطينيين الذين تم دفنهم في قبور جماعية"، ويقدَّر عدد اللاجئين الذين قتلتهم القوات الصهيونية بين أعوام 1948م و1956م بنحو 5000 لاجئ ممن حاول العودة.
تقول الحاجة فاطمة العريضي (78 عامًا) والتي عاشت النكبة بكل تفاصيلها: "لقد هجمت عصابات الهاجاناه على قرى فلسطينية من قضاء الرملة، وقتلت العديد من سكانها وطردت آخرين منها".
وتضيف: "لقد اضطررنا للخروج من بلدتنا مشيًا على الأقدام، مخلِّفين وراءنا منازلنا وأغراضنا وكل ما نملك؛ أملاً في العودة إليها مجددًا، إلا أن الهجمات المتتالية علينا دفعت بنا للرحيل ثانيةً إلى الجبال التي اتخذناها مأوًى لأيام طوال بلا كساء أو غذاء، إلى أن انتقلنا إلى خِيام جهزتها وكالة "الأونروا" التي كانت تقدم إلينا المؤن والمساعدات الغذائية".
هذا ولا يزال اللاجئون الفلسطينيون في مخيمات الشتات يقارعون ذكرى لجوئهم الستيني "بمفاتيح" يحتفظون بها من عمر نكبتهم تشبُّثًا بالهوية والوطن وبأعلام وخرائط فلسطينية قديمة ترسم طريق العودة إلى الديار والأراضي التي اقتُلِعوا منها قسرًا بفعل العدوان الصهيوني عام 1948م!!.

