- خسائر طائلة لـ"سينسبري" و"إريال" و"كوكاكولا" بسبب المقاطعة

- د. عبد الحليم عمر: التعاون مع الصهاينة دَعَم اقتصادهم ودمَّر مواردنا

- د. جمال عبد الهادي: الشرع فرض علينا مقاطعة من يؤذي المسلمين

 

تحقيق- هبة مصطفى

تُعدُّ المقاطعة أسلوبًا نموذجيًّا كأحد أوجه المواجهة والمقاومة المشروعة ضد الاحتلال كي تنال الشعوب حريتها واستقلالها.

 

والمقاطعة الاقتصادية بمفهومها العام تعني إيقاف التبادل السلعي والخدمي بشكل كلي أو جزئي مع الطرف المنتهِك للحقوق والحريات بما يخدم مصالح وأهداف الطرف المنتَهكة حقوقُه، ويشمل التعاون الاقتصادي والخدمي بكافة أشكاله.

 

والمقاطعة هي جزءٌ مما يُعرف بالمقاومة السلمية, ونشرت جريدة (يديعوت أحرونوت) في نهاية شهر مارس 2001م خبرًا يشير إلى انخفاض الصادرات الصهيونية إلى مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية بنسبة 50%، وقد احتجَّ وزير الصناعة والتجارة الصهيوني لوزير الاقتصاد والتجارة الفلسطيني مشتكيًا من ارتفاع نسبة المقاطعة الفلسطينية للمنتجات الصهيونية، متذرِّعًا بأن المقاطعة هي عمل مخالف ومنافٍ للاتفاقيات الموقَّعة بين السلطة الوطنية والكيان الصهيوني، فإذا كانت هذه النسبة من الخسارة حدثت نتيجةَ مقاطعة دولة واحدة لتلك البضائع.. فماذا عن باقي البلدان؟!

 

 الصورة غير متاحة

د. محمد عبد الحليم عمر

 من هنا يتضح أهمية المقاطعة؛ فهي تؤثِّر بكثافة على الاقتصاد، كما أن لها بُعدٌ يجب ألا نغفل عنه، وهو البُعد الإنساني الذي يتمثَّل في شعورنا تجاه إخواننا ومدى فرضية نصرتهم ومؤازرتهم.

 

بدايةً.. يطالب الدكتور محمد عبد الحليم عمر أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر ومدير مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي, الدول العربية بأن تُوجِد لنفسها استثمارات اقتصادية منفصلة، سواءٌ عن الكيان الصهيوني أو الأمريكي, وأن تحقِّق التكامل البَيْني بين الدول العربية يحقِّق مكاسب اقتصادية هائلة, كما أن هذه التكامل يؤكِّد تطلعات هذه الشعوب لإيجاد بدائل تؤدي إلى دعم التعاون الاقتصادي بين الدول العربية وغيرها؛ فالإمكانات هائلة، ولكن بقيت الإرادة السياسية لتحقق ذلك.

 

دعم الكيان

كما أضاف أن الدول العربية لم تَجْنِ من التعاون الاقتصادي بينها وبين الكيان الصهيوني غير أنها دعمت الموقف الاقتصادي للكيان الصهيوني وساعدته على احتكار إنتاج وتوزيع معظم السلع الأساسية.

 

وأعرب د. عمر عن مدى اندهاشه لتصدير دولة عربية لها مكانة رائدة، ليس لسلع أساسية, وإنما لمواد خام رئيسية للكيان الصهيوني، بينما تبيعها لشعوبها بأسعار مضاعفة, والأعجب أن الاحتياطي من تلك المواد الخام لهذه الدولة لا يكفيها إلا لمدة قصيرة.

 

ودعا الدكتور عمر إلى أهمية تفعيل سلاحَي المقاطعة وتحقيق التعاون الاقتصادي العربي المشترك من معًا.

 

فك الارتباط

ويؤكِّد المهندس أشرف بدر الدين عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب المصري وعضو لجنة الخطة والموازنة، أن فك الارتباط بين الاقتصاد الفلسطيني والصهيوني ممكنٌ، خاصةً في هذه الفترة، قائلاً: "إن فكَّ الارتباط بين اقتصاد فلسطين والكيان الصهيوني ممكنٌ الآن، وعلى مصر أن تفتح أبوابها لغزة، وأن تفتح الأردن أبوابها للضفة"، لافتًا إلى أن مصر والأردن ستكون أول الدول المستفيدة من هذا التعامل قبل الاستفادة التي ستحصل عليها فلسطين.

 

إرادة سياسية

 الصورة غير متاحة

م. أشرف بدر الدين

وقال بدر الدين: إن الظرف السياسي يساعدنا على ذلك، لكننا في حاجةٍ إلى إرادة سياسية لمتخذي القرار العرب، وعلى الشعوب أن تضغط على أنظمتها للاستجابة لهذا المطلب.

 

وانتقد بدرُ الدين تصديرَ الغاز المصري إلى الكيان، مشيرًا إلى أن الكيان الصهيوني يحصل على الغاز المصري في الوقت الذي تعمل فيه 25% من محطات التوليد الكهربائي بالمازوت.

 

وقال: "نحن نصدِّر 32% من إنتاجنا من الغاز، في الوقت الذي ندعم فيه البوتاجاز المستورد بـ12 مليار جنيه سنويًّا".

 

وأشار بدر الدين إلى الأوضاع المتردية التي يعيشها المجتمع الفلسطيني، وقال إن الناتج المحلي الإجمالي تراجع بنسبة 6.6% عن العام الماضي، وارتفعت البطالة إلى 30%، وهناك 68% من العائلات الفلسطينية تعيش تحت خط الفقر!.

 

وقال: "يأتي هذا وسط مشاركةٍ عربية في هذا الحصار؛ ففي الوقت الذي يُمنع فيه الوقود عن غزة يقوم الجانب المصري بإمداد الكيان بالغاز الطبيعي الذي سيكفل نحو 20% من الطاقة للكيان، ورغم أن خط الغاز يمرُّ بالعريش، فلم نقم بمد غزة بالغاز الطبيعي، ويُصدَّر الغاز بنصف السعر الذي تحصل عليه الشركات الوطنية"!.

 

أهم الأولويات
 الصورة غير متاحة

د. جمال عبد الهادي

"القضية الفلسطينية تُعدُّ من ملحقات العقيدة الإسلامية؛ لذا مساندتها واجبة على كل مسلم".. هذا ما أكَّده د. جمال عبد الهادي أستاذ التاريخ الإسلامي قائلاً "إننا نقاطع عدوًّا اغتصب وشرَّد وطنًا بأكمله وما زال ينهب ثرواتنا, ومن هذا المنطلق أوجب علينا الشرع أن نقف بجانب إخواننا, وأن نرفع عنه هذا الاحتلال العنصري الاستيطاني".

 

وأشار إلى أن إيقاظ الرأي العام وإنهاء الحصار والمقاطعة من أهم الأولويات التي يجب على كل مسلم اتباعها وتبنيها في وقتنا الراهن.

 

وشدَّد د. عبد الهادي على أهمية وقف تصدير البلدان العربية والإسلامية للبترول والسلع الإستراتيجية والمواد الخام والغاز وغيرها إلى الكيان الصهيوني ومن يسانده من بلدان أوروبية وغيرها، كما نادى بتحقيق التكامل البيني والاكتفاء الذاتي بين الدول والشعوب العربية والإسلامية.

 

وعند سؤاله عن وجوب المقاطعة أجاب: "الشرع أوجب، بل فرض أيضًا، على كل مسلم ومسلمة أن يقاطعوا كل من يؤذي إخوانهم من المسلمين، وقدَّم لنا دلالة شرعية من مواقف الصحابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم", مشيرًا إلى موقف الصحابي "ثمامة بن أُثال" من قبيلة نَجْد الذي جاهر قريش أثناء اعتماره بعد إسلامه- عندما شهد الأذى المُلحَق بالمسلمين- بأنه لن تصلهم حبة قمح واحدة إلا إذا أسلموا أو أذن الرسول صلى الله عليه وسلم, وقاطعهم بالفعل، إلا أن الرسول الكريم أذن له أن يصدِّر إليهم القمح بعد أن حدثت مجاعة كبيرة في قريش.

 

ووجَّه نداءً إلى الدول العربية والإسلامية قال فيه: "أمانة في رقابكم أن تقاطعوا وأن تدعوا إلى المقاطعة من أجل إخوانكم المسلمين".

 

تهاون الحكام

أما السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل نسبة تفاعل الجهود الشعبية مع المقاطعة وتطبيقها لفرضيتها ووجوبها كسابق عهدها؟! أم إن هناك قدرًا من الكمون في تفاعل الشعوب معها؟!.. يقول عبد العزيز الحسيني رئيس اللجنة المصرية العامة للمقاطعة, إنه إذا كانت الشعوب تتهاون من حين لآخر في الالتزام بقضية المقاطعة فإن الالتزام الأكبر يقع على عاتق الحكومات والأنظمة عن طريق الالتزام بتعهُّداتها تجاه الشعوب الشقيقة.

 

والتمس الحسيني العذر للشعوب في تهاونها في المقاطعة من حينٍ لآخر؛ حيث إن حكوماتها تتعاقد على بعض الاتفاقيات مثل الكويز وغيرها تُلزمها بتصدير الغاز والأسمنت وغيرها من المنتجات إلى الكيان الصهيوني.

 

واستطرد الحسيني قائلاً: "إن الشعوب العربية انطلقت إلى المقاطعة دون نداءٍ مع بداية انتفاضة الأقصى عام 2000, ولكن المشكلة كانت في التخبُّط الناتج عن وضع أسماء لبعض الشركات الواجب مقاطعتها دون التأكُّد من انتمائها للكيان الصهيوني أو من يسانده، من هنا جاءت فكرة إنشاء عدة لجان شعبية تأخذ على عاتقها الدعوة لمقاطعة ورصد نتائجها بشكل دوري لعرضها على الشعوب والحكومات كحافزٍ يزيد من نسبتها".

 

وعرض الحسيني رصدًا بإحصائيات نتائج المقاطعة لبعض الشركات والهيئات؛ فمثلاً:

- سلسلة مطاعم سينسبري خسرت 120 مليون جنيه إسترليني في مصر فقط نتاج المقاطعة، ثم أنهت بعدها نشاطها في مصر تمامًا.

 

- مسحوق المنظفات "إريال" أحد منتجات شركة "بروكتل آند جامبل" خسرت 60% من مبيعاتها في مصر؛ مما اضطرها إلى إيقاف عددٍ من خطوط الإنتاج في مصر.

 

- مطاعم ماكدونالدز تزايدت خسائرها إلى أن وصلت إلى 80% من مبيعاتها وقت اقتحام مدينة جنين حتى أغلق فرعان لها في القاهرة والمنصورة.

 

- شركة كوكاكولا لإنتاج المياه الغازية خسائرها وصلت إلى 260 مليون جنيه حتى أعلنت في عام 2002 أنها خسرت أكثر من نصف رأس مالها.

 

- السجائر الأمريكية مارلبورو؛ انخفضت مبيعاتها بنسبة من 25% إلى 70%.

 

وهناك دلالة لا بد من ملاحظتها، وهي أن معظم الشركات السابقة وغيرها ممن لم تتسع الإحصائيات لحصرها، أنفقت ملايين الجنيهات لإعادة الترويج لسلعها، كما أنها استعانت ببعض الرياضيين والفنانين كعامل جذب للترويج لمنتجاتها.

 

تراجع المبيعات

 الصورة غير متاحة

د. أحمد رامي

ويتفق معه الدكتور أحمد رامي مسئول اللجنة الشعبية للمقاطعة وعضو مجلس نقابة الصيادلة, مؤكِّدًا أهمية الدَّور الفعَّال للمقاطعة في نصرة الشعب الفلسطيني, وذكر على سبيل المثال إحدى شركات الأدوية "إيلاي ليللي" التي دعت نقابة الصيادلة إلى مقاطعتها بعد دعوتها إلى مناصرة إحدى المستوطنات, تراجعت نسبة مبيعاتها إلى أقل من 30%، وصرَّح د. رامي بأن المقاطعة ونسبة الخسائر كانت مُوجِعةً؛ مما دعا مدير منطقة الشرق الأوسط إلى زيارة النقابة لإثنائها عن موقفها, وبالطبع رفضت النقابة وصمَّمت على موقفها إزاء الدعوة للمقاطعة.