إن المحن والابتلاءات التي يتعرَّض لها أصحاب الدعوات والرسالات هي سنةٌ من سنن الله تعالى في التمكين والاستخلاف في الأرض، ولقد سُئل الإمام الشافعي رضي الله عنه: "أيُمَكَّن للمرء أولاً أم يُبتلى؟" فقال: "لا يُمكَّن للمرء حتى يُبتلى".

 

وعلى مدار التاريخ منذ بدء الخليفة حتى يومنا هذا قد ابتُليَ وامتُحِنَ الأنبياء والمرسلون، وامتُحِن أصحاب الدعوات والمصلحون، ولقد تعرَّضوا لكثيرٍ من صنوف الإيذاء والاضطهاد والتعذيب، والتي تفنَّن فيها أهل الظلم والفساد والتكبُّر في الأرض، وعندما صبر أصحاب الدعوات والرسالات على ما أذووا في سبيل نصرة الحق أتاهم نصر الله وكانوا أهلاً للاستخلاف والتمكين في الأرض ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾ (الأنعام: من الآية 34).

 

ولقد تعرَّض الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام لكثيرٍ من الاضطهاد والأذى، فصبروا على ذلك، وعندما اشتدت وطأة التعذيب لجأ بعض الصحابة الكرام إلى الحبيب صلى الله عليه وسلم يناشدونه: "ألا تدعو لنا.. ألا تستنصر لنا؟!" وعندئذ تنزَّلت هذه الآيات لتثبِّت الفئة المؤمنة: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمْ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة: 16)، فكانت الثمرة والنتيجة لهذا الصبر هو التمكين لدين الله في الأرض، وسيادة الدنيا وإرشاد البشرية إلى تعاليم الإسلام.

 

وفي العصر الحديث ابتُليت دعوة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها على يد مرشدها الإمام الشهيد حسن البنا- رضي الله عنه- حتى وقتنا هذا لكثيرٍ من المحن والابتلاءات على أيدي الحكومات والأنظمة المتعاقبة، فاستشهد في سبيل هذه الدعوة كوكبة من العلماء والمفكرين والدعاة والعاملين المخلصين لهذا الدين ولأمة الإسلام، وكان على رأسهم الإمام البنا والشيخ محمد فرغلي، والفقيه عبد القادر عودة والمفكِّر سيد قطب، والمجاهد عبد الفتاح إسماعيل والداعية محمد هواش، وغيرهم كثير لا نعلمهم ولكن الله يعلمهم.

 

ولقد عُذِّب وشُرِّد الكثير من أبناء هذه الدعوة المباركة، فما لانت لهم قناة، وصبروا على هذا الإيذاء والاضطهاد حتى خرجوا من هذه المحن وهم أشدُّ عودًا وأكثر عطاءً وتضحيةً وبذلاً لدعوتهم وتفانيًا لدينهم، وما زالت مسيرة الدعوة مستمرِّةً تؤدي دَورها وتحمل الأمانة وترفع راية الحق وتعمل جاهدةً لتحقيق آمال وطموحات أمة الإسلام، رغم ما تتعرَّض له من التضييق والاعتقالات والتشويه ومحاولات الإقصاء ومكر الليل والنهار الذي يدبِّره لها أهل الفساد والظلم، وهكذا يكون طريق الدعوة حتى يأذن الله لها بالتمكين وإسعاد البشرية جمعاء.

 

وإننا عندما نتأمَّل هذه المحن والابتلاءات بعينٍ بصيرةٍ وفكرٍ ثاقبٍ وعقلٍ واعٍ، نجد مع كل بلاءٍ ثمرةً، ومع كل محنةٍ منحًا وعطايا كثيرةً على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع والأمة الإسلامية بأسرها، ومن هنا لزم علينا أن نتدبَّر ونستخلص تلك المنح والعطايا، ونعمل على إبرازها في واقعنا وسلوكنا حتى تتحقَّق الثمرة المرجوَّة منها، ومن هذه المنح والعطايا:

أولاً: على مستوى الفرد

1- وقفة مع النفس:

فما أحوجَ الإنسان بصفة عامة، والمسلم بصفة خاصة، وصاحب الدعوة على وجه الخصوص لأن يقف مع نفسه وقفةَ مراجعةٍ لما مضى، ويتدبَّر ما كان عليه حاله في علاقته بربه وأهل عشيرته وإخوانه وعموم المجتمع الذي يعيش فيه.. مراجعةٍ للأهداف المراد تحقيقها وما تم فيها وجوانب القصور في ذلك وأسبابه وكيفية علاجه، وبناءً على ذلك يتم تحديد الأولويات المطلوب إنجازها في جميع المجالات ومحاور العمل لدين الله لإعلان كلمة الله في الأرض والتمكين لشرعه عز وجل، فتتجدَّد البيعة والعهد مع الله عز وجل لنصرة هذا الدين والعمل من خلال هذه الدعوة المباركة حتى تتحقَّق إحدى الحُسنَيَين؛ إما النصر وإما الشهادة في سبيل الله.

 

2- خلوة مع الله وحسن الصلة به:

إن القلوب تحتاج من آنٍ لآخر أن تتزوَّد بالنفحات الإيمانية والروحية التي تعين على تحمُّل مشاقِّ الطريق وصعابه، ولا يقدر على مواصلة السير فيه إلا أصحاب القلوب الموصولة بالله عز وجل؛ ولهذا فقلوبنا تحتاج إلى رعايةٍ وتعهُّدٍ حتى تستقيم على أمر الله، كما تحتاج إلى المراقبة والمحاسبة والمجاهدة حتى تبلغ العلا من الجنان.

 

وتأتي محنة السجن فتكون خلوةً مع الله كما قال الإمام ابن تيمية "إن في سجني خلوة"؛ فتختلي النفس برب العباد في أوقات الليل والسَّحَر؛ تستلهم منها الزاد الإيماني والروحي، وترجو رحمة الله ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ (الزمر: من الآية 9)، وأيضًا يمتلئ القلب بحبِّ الله الذي يحرِّك المشاعر والجوارح، فتتجافى عن المضاجع ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ (السجدة:16)، عندئذٍ يصفو القلب مما علق به، وترتقي النفس وتعلو وتزداد محبة الله في القلب، وكما ذُكر عن علي بن أبي طالب- كرَّم الله وجهه- أنه كان يقول: "إن لله في أرضه آنية، وإن آنيته فيها القلوب، فلا يقبل منه إلا ما صفا وصلب ورق".

 

ومحبة الله تزيد من طاعته وامتثال أمره واجتناب نواهيه، وهكذا يزداد القلب تعلُّقًا بالله، ويصبح العبد في وصالٍ دائمٍ مع ربه؛ لا ينفصل عنه، وبذلك تتحقَّق معنى الربانية﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: 146).

 

3- يقظة القلب:

وتأتي المحن والابتلاءات فتجعل القلب أكثر يقظةً، فينهض من الغفلة والتعلُّق بالدنيا وما فيها، ويسير هذا القلب بين خوف ورجاء.. خوف مقرون بالمحبة والاشتياق.. خوف من الله وليس من العباد ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: من الآية 175).. خوف قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً وبكيتم كثيرًا، ولما تلذَّذتم بالنساء على الفُرُش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى".. خوف يؤدي إلى المسارعة في طلب المغفرة والتوبة إلى الله وحسن الإنابة إليه، ورجاء يبعث العامل على الاجتهاد، ويولِّد التلذُّذ بالطاعة، ويوقظ النفس فينشطها ببذل الجهد والإقبال على الطاعات؛ لأنه رجاء من يستشعر لقاء ربه ويرجو رضاه، فأملنا في الله كبير، ورجاؤنا فيه عظيم.

 

4- معايشة القرآن:

وعندما يكون المرء في محبسه يكون القرآن هو أنيسَه وجليسَه؛ يتزوَّد منه بالتلاوة والحفظ والتدبُّر والحرص على تمثُّل معانيه واقعًا وحالاً وسلوكًا؛ فالقرآن هو بستان القلوب وجلاؤها مما قد يعلق بها، فتلين القلوب وترتقي النفوس وتصفو الأرواح وتمتلئ الوجوه بنور القرآن، وتتسع العقول لمعانيه وحكمه، وتنهض الجوارح بأفعاله وأعماله، فما أجملَ تلك المعايشة وهذا الحال الذي نكون عليه بفضل الله وتوفيقه لنا!.

 

5- التزوُّد بالعلم النافع المفيد:

عندما تتسع الأوقات يكون هناك مزيد من الحرص على التزوُّد بالعلوم النافعة، وخاصةً في وجود أهل الاختصاص والخبرة في المجالات العلمية المختلفة، فتصقل أبواب المعرفة والثقافة والفكر؛ مما يساهم في حسن القيام بأعباء هذه الدعوة المباركة.

 

ثانيًا: على مستوى الأسرة

1- زيادة الترابط الاجتماعي والأسري:

ففي وقت المحن تتلاشى صغائر الأمور من النفوس، وتهدأ القلوب وتزداد قربًا وانسجامًا وترابطًا؛ مما يساهم في حل الكثير من المشكلات الأسرية، وعندما يتذكَّر كلٌّ منا كيف كان حال أفراد الأسرة قبل المحنة وأثناءها وبعدها نجد فيها الكثير من المنح بفضل من الله ورحمة بعباده.

 

2- المشاركة في حلاوة أجر المحنة:

فالمحن والابتلاءات التي يتعرض لها أصحاب الدعوات وما فيها من شدة وآلام وما يقابلها من حلاوة الأجر وعظيم الثواب ومعايشة جميع أفراد الأسرة لهذا المعنى وترسيخه في النفوس تجعل الجميع يتساوون فوق الآلام والأحزان ويستبشرون بما عند الله سبحانه وتعالى من أجر ومنزل ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 171)، فتتنزل عليهم الرحمات من الله عز وجل فتكون السكينة والطمأنينة وانتظار الفرج وترقبه مما يخفف شدة المحنة وآلامها وتهون البلية ويصبر الابن على فراق أبيه والزوجة على فراق زوجها وتزداد لهفة القلوب، وهكذا تتحول المحنة إلى منحة لكل أفراد الأسرة.

 

3- استشعار المسئولية:

فعندما يغيب الأب قسرًا عن أهله وأسرته يصبح حال كل أفراد الأسرة هو الحرص على تحمل المسئولية تجاه نفسه أولاً ثم تجاه باقي الأسرة بالإضافة إلى بذل كل الجهد لإدخال السرور والبهجة على قلب رب الأسرة، وكم من أحوال لأفراد الأسرة تغيرت إلى ما هو أحسن وأفضل مما كانوا عليه من قبل، وذلك لأنهم في كنف الله وحفظه يرعاهم ويصونهم ويوفقهم إلى كل ما فيه خير.

 

4- وضوح الفكرة:

فمن المنح التي نُوفَّق إليها من هذه المحن التي نمرُّ بها أن يتعرَّف جميع أفراد الأسرة على كثيرٍ من أمور الدعوة فتزداد لهم وضوحًا وفهمًا وارتباطًا، ويستشعرون أنه طريق الأنبياء والمرسلين والمصلحين على مرِّ العصور؛ ولذا يزدادون تمسُّكًا بالفكرة وحرصًا عليها والعمل من أجلها.

 

5- الاهتمام بقضايا الأمة:

وتصبح هي شغل وفكر كلِّ أفراد الأسرة؛ لأنهم يدركون في هذه المحنة حقيقةَ وحجمَ التحديات التي تواجه الأمة الإسلامية، وما يُحاك لها من محاولاتٍ لإضعافها وتقطيع أوصالها؛ مما يجعلهم يستشعرون عظم الأمانة والمسئولية المنوطة بهم لإحداث عملية النهوض والإصلاح بالأمة.

 

ثالثًا: على مستوى الدعوة

1- التمحيص والتمييز:

لأن المحن تساهم بشكلٍ واضحٍ في تمحيص الأفراد وصقلهم، وتزيدهم أيضًا قوةً وصلابةً وتمسُّكًا بدعوتهم والحرص على العمل من أجلها والسعي نحو تحقيق أهدافها، وبذلك يخرج الأفراد من المحن وهم أكثر ثباتًا على طريق الدعوة دون وَجَلٍ أو خوفٍ من شيء؛ لأنهم يدركون قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (آل عمران: 173).

 

2- التعرُّف على مجالات الدعوة المختلفة:

وفي محنة الاعتقال يجتمع الأفراد من أماكن عدة ولديهم خبرات متعدِّدة ومتنوِّعة في مجالات الدعوة، وفي ضوء ذلك يتم تبادل التجارب والخبرات حولها، ويزداد الفرد معرفةً وخبرةً بها، ويكتسب رصيدًا آخر بالإضافة إلى الرصيد السابق من الخبرة والتخصُّص؛ مما يساهم في حسن الارتقاء بالعمل وتحقيق نتائج أفضل نحو الأهداف التي نسعى إلى تحقيقها.

 

3- تعميق رباط الحب والأخوة:

فرغم أن هؤلاء الأفراد يجتمعون من أماكن شتى، وربما يكون أكثرهم لم يلتقِ بهم من قبل، فيكون التعارف والتفاهم والتكافل، وهكذا تتحقَّق معاني الحب والأخوة بشكلها العملي؛ مما يزيد البناء قوةً وتماسكًا، ومما يجعله قادرًا على تحمُّل الأمانة والمسئولية المنوطة بهذه الدعوة المباركة.

 

4- التربية على البذل والعطاء:

ففي المحن تظهر معادن ونماذج الرجال أصحاب العطاء والبذل والتضحية، فيعيش كلُّ فردٍ هذه المعاني ويتدرَّب عليها ويجاهد نفسه على تحقيقها، ويخرج من المحنة وقد اكتسب قيمة العطاء والتضحية في سبيل الله ومن أجل نصرة هذا الدين، وهكذا تصبح هذه الدعوة أنموذجًا للأمة كلها في التضحية والفداء من أجل رفعة الإسلام؛ مما يزيد من حب الناس لها والتفافهم حولها.

 

5- زيادة الانتشار داخل المجتمع بشرائحه المختلفة:

وذلك لأن من طبيعة الناس التعاطف مع المظلومين والمضطهدين، وخاصةً من يعمل من أجل الناس لا من أجل نفسه، ومن أجل صلاح الأمة لا من أجل غرض أو منفعة، ويتولَّد عن هذا التعاطف التعرُّف على الدعوة وأهدافها وقيمها ومبادئها؛ مما يسهم في زيادة أنصارها والتفافهم حولها، وبهذا تتحوَّل المحنة من محاولات التغييب والإقصاء عن المجتمع إلى زيادة انتشار واتساع للدعوة في جميع شرائح المجتمع وفئاته.

 

إن طريق الدعوة إلى الله به الكثير من الصعاب والعقبات التي تعترض الدعاة والمصلحين، وقد تتنوَّع أشكالها وصورها بهدف تعويق حركة الإصلاح والنهوض بالأمة والتمكين لدين الله في الأرض، وفي ذلك يقول الإمام البنا رحمه الله: "وستقف في وجوهكم كلُّ الحكومات على السواء، وستحاول كل حكومة أن تَحُدَّ من نشاطكم، وأن تضع العراقيل في طريقكم، وسيتذرَّع الغاصبون بكل طريق لمناهضتكم وإطفاء نور دعوتكم، وسيستعينون في ذلك بالحكومات الضعيفة والأخلاق الضعيفة والأيدي الممتدة إليهم بالسؤال وإليكم بالإساءة والعدوان، وسيثير الجميع حول دعوتكم غبارَ الشبهات وظُلم الاتهامات، وسيحاولون أن يلصقوا بها كل نقيصة، وأن يظهروها للناس في أبشع صورةٍ، معتمدين على قوتهم وسلطانهم، ومعتدَّين بأموالهم ونفوذهم، وستدخلون بذلك- ولا شك- في دَور التجربة والامتحان؛ فتسجنون وتعتقلون وتنقلون وتشرَّدون، وتصادر مصالحكم وتُعطَّل أموالكم وتُفتَّش بيوتكم، وقد يطول بكم أمد هذا الامتحان، ولكن الله وعدكم من بعد ذلك كله نصرة المجاهدين ومثوبة العاملين المحسنين".

 

ورغم المحن التي تعرَّضت لها الدعوة على مرِّ تاريخها بقيت هذه الدعوة المباركة بفضلٍ من الله عز وجل ثم بثبات هؤلاء الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، وواصلوا السير والعمل على طريق الدعوة، رافعين الراية عاليةً ليسلِّموها لمن وراءهم من الأجيال هكذا عاليةً، حتى يتحقَّق وعد الله لعباده المؤمنين بالنصر والتمكين.

 

ومن هنا لزم علينا أن نتواصى بعدة أمور؛ منها:

أولاً: استشعار عِظَم المسئولية والأمانة المنوطة بنا تجاه ديننا ووطننا وأمتنا؛ مما يجعلنا نحيا حياة المجاهدين الصابرين.

 

ثانيًا: الاستمرارية في العمل لدين الله دون توقُّفٍ أو انقطاعٍ لتحقيق الغاية المنشودة والأهداف المرجوَّة من هذه الدعوة المباركة.

 

ثالثًا: الاستمساك بهذا الحق الذي اجتمعنا عليه والثبات عليه مهما تعرَّضنا للأذى والحفاظ عليه؛ حتى نورثه لمن بعدنا من أجيالٍ، دون تحريفٍ أو تغييرٍ أو اجتزاءٍ، بل نكون عليه أمناء، ونلقى ربنا أوفياء غير مبدلِّين ولا مغيِّرين.

 

رابعًا: الصبر واحتمال مشاقِّ الطريق، وتخطِّي العقبات، والاحتراز من المنعطفات التي قد تعترضنا؛ لأننا ندرك أن النصر مع الصبر.

 

خامسًا: البذل والتضحية في سبيل هذه الدعوة؛ فارتباطنا بطريق الدعوة ارتباط مصيري وكلي، وليس لحظيًّا ولا جزئيًّا؛ عقدنا فيه بيعةً مع الله أن نقدِّم كلَّ ما نملك من نفسٍ ومالٍ ووقتٍ وجهدٍ في سبيل التمكين لدين الله في الأرض وسيادة الدنيا، وإسعاد البشرية بتعاليم الإسلام وقيمه العظيمة؛ لننال رضاء ربنا وجنةً عرضها السماوات والأرض.. ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: من الآية 111).

 

نسأل الله العظيم أن يرزقنا الثبات على طريق الدعوة حتى نلقاه وقد وفَّينا وأدَّينا واجبنا نحو ديننا ووطننا وأمتنا، اللهم آمين.