محمد مهنى حسن:

- "الحسيني" قال لي" كان نفسي أخرَّجك من أول يوم بس الأمور فلتت من إيدي"!!.

- مأمور القسم استقبلني قائلاً "لا تقلق يا بطل أصحابك جوه كتير"

- مات والدي ووُلِدَ ابني وأنا في الحبس ويوم القيامة سيكون الحساب

 

حوار: حسن محمود

عندما ذهبنا إليه، وجدناه وسط زملائه يُرحبون به أمام منزله أثناء انتظاره لوصولنا، إثر تحديد موعد معه لإجراء حوارٍ ضمن سلسة حواراتٍ مع الحاصلين على حكمٍ بالبراءةِ في القضية العسكرية المُلفَّقة، وكانت  كلمات الترحيب والتهنئة والمصافحة تنهال على مؤذن المحكمة العسكرية محمد مهنى حسن، صاحب الوجه البشوش والروح المرحة والأخوة الصافية.

 

اصطحبنا معه بعد أن استأذنا المحتفين به وصعدنا إلى الدور السابع، وكان ينتابني شعور بالفخر أن أدخل بيتَ بطلٍ من أبطالِ مصر الذين سيذكرهم التاريخ في صفحته البيضاء، قبَّلت ابنه الرضيع "عبد الله" الذي رزقه الله به وهو في الحبس وسلَّمت على ابنه ذي الثلاث سنوات "عمر" ودار الحوار.

 

* سألناه في البداية عن شعوره كابن وزوج لحظة اعتقاله لأول مرة، خاصةً مع تزامن ذلك مرض والده وحمل زوجته في نفس الوقت.. فأجاب وعيناه تسبح في أُفق الذكريات:

** مشاعر قلق، والدي كان مريضًا وكنتُ عائدًا معه من عند طبيب القلب ليلة الاعتقال، بينما كان الحديثُ عمَّا حدث في جامعة الأزهر مستمر، لكني لم أنشغل به لدرجةٍ كبيرةٍ بسبب مرض والدي، وزوجتي كانت حاملاً وابني عمر ذي الثلاث سنوات مريضًا ويحتاج لعملية "اللوز".

 

 الصورة غير متاحة

لافتة حملت رسالة من نجل مهنى لوالده قبل إطلاق سراحه

وعند الاعتقال كان "عمر" ابني نائمًا لم يشعر بهم، ووقفت زوجتي موقفًا أثَّر فيَّ كثيرًا وقواني؛ حيث كانت تثبتني وذكَّرتني بالله والقرآن، وأسرعت إلى داخل المنزل ثم خرجت قبل أن نستقل المصعد قائلةً: "نسيت المصحف"، ثم ناولتني إياه، ولمَّا استيقظ عمر من النوم قالت له: "بابا في سبيل الله"، وهو بدوره لم يفارق الكلمة طوال المحكمة حتى عندما رجعت قال: "بابا رجع من سبيل الله".

 

* حدثنا عمَّا حدث عند وفاة والدك وأنت معتقل؟

** عندما مات والدي وأنا داخل محبسي بعد مدةٍ قليلةٍ من القبض عليَّ قلت: "يا رب استودعته عندك أمانة وأنت توفيته لخيرٍ أردته"، ومن الغريب والمؤسف أنني لم أخرج يوم جنازته لعدم ورود الإذن بذلك، ولكن عندما خرجتُ يوم العزاء جلستُ في غرفةٍ واحدةٍ مع عشرة ضباط، وعرفتُ أنهم أخذوا أسماءَ مَن سلَّم عليَّ، وأن الأمن حاصرَ منطقة العزاء قبلها واستولى على موبايلات وبعض البطاقات الشخصية من الأهالي.

 

ولادة عبد الله

* وماذا عن لحظة ولادة عبد الله.. ومَن الذي سمَّاه؟

** إحساسٌ غريب، أن تستقبل ابنك وأنت في السجن، ولحظات صعبة أن تكون زوجتك في المستشفي وأنت في الحبس، لا تعرف ماذا يحدث ولا تقف معها تنتظر اللحظة التي يتمناها أي أب، ولكن حَرَمنا منها نظامٌ ظالم، ووقتها كنتُ أرتبُ سريري بعد إحدى التفتيشات وتحديدًا بعد صلاة الظهر، وجدتُ المهندس أيمن عبد الغني يقول لي: "مبروك؛ زوجتك جابت ولد"، ولم أدرِ بنفسي إلا أن أُحضنه بقوةٍ بينما قلبي يخفق بالفرحة، وزادت الفرحة أكثر عندما جاءت زوجتي بالمولود بعدها بأسبوع، وكانت لحظة لا أستطيع وصفها.

 

أما عن تسمية "عبد الله" فقد فكرتُ فيه أثناء محبسي ظلمًا وقلتُ في نفسي لا عدلَ إلا بالعبودية لله والالتزام بمنهجه.

 

أصغر معتقل

 الصورة غير متاحة

د. محمد بشر و م. خيرت الشاطر

* أنت أصغر مَن بداخل المحكمة العسكرية وأول مرة تُعتقل.. فكيف استقبلت الأمر وسط إخوانك ومجتمع السجن الجديد عليك؟

** فعلاً كنتُ أصغر واحد، عندي 31 سنة، ومن الأمور التي لا أنساها عند دخولي القسم وجدتُ ضابطًا برتبة رائد يربت على كتفي قائلاً: "لا تقلق يا بطل أصحابك جوه كتير".

 

وعندما دخلتُ وجدت المهندس خيرت الشاطر والمهندس أحمد شوشة والمهندس أيمن عبد الغني في استقبالي فوقفت مندهشًا وقلتُ له: "الناس دي كبيرة "أوي" عليَّ، والموضوع ده كبير، حتى إن المهندس خيرت ظل طوال فترة المحبس يردد كلمتي ويقول لي: "فعلاً يا محمد الموضوع كبير".

 

ولكي يعرف الجميع أن القضيةَ كلها "فشنك" أكشف لهم أن عاطف الحسيني الشاهد الرئيسي في القضية أرسل لي مع أحد المحالين للعسكرية معنا ما نصه: "كان نفسي أخرَّجك من أول يوم بس الأمور فلتت من إيدي"!!.

 

أصعب الفترات

* ما أصعب الفترات التي مرت عليكم في مشوار العسكرية؟

 ** كانت أصعب الفترات هي الشهر والنصف الذي قضيناه في سجن المحكوم، فكنا في غرفة 3× 7م وكنا 16 محتجزًا فيها، بينما باقي كل غرف السجن يسكنها 46 محبوسًا، وفضلاً عن الضيق وكمية الأمراض الجلدية المنتشرة بشكلٍ عنيف، والمحبوسون كان جسمهم أحمر ولا يجلسون إلا بالملابس الداخلية، وكنتُ لا أخرج من الغرفة للمناظر الشديدة التي رأيتها، وفي هذا السجن أُصبت بالعديد من الالتهابات وغضروف الظهر، وارتفع الضغط عند كل الإخوة، ولم يكن يُسمح لنا بالزيارات وقضينا العيدَ في هذا السجن، وكانت بالفعل من أسوأ الأوقات التي قضيناها، وحتى عندما ذهبنا إلى سجن طرة وجدنا الرعاية الصحية سيئة فيه رغم أنه مختلفٌ عن المحكوم حتى إنني جلستُ ثمانيةَ أشهر كي أحصل على إذنٍ للذهاب إلى المستشفى للعلاج من آلام الغضروف.

 الصورة غير متاحة

حسن زلط

 

وكاد الحاج حسن زلط يموت أمامي في السجن لولا تدخل أطباء الإخوان الموجودين معنا في الزنزانة؛ لأن السجَّان فتح باب الزنزانة بعد ساعةٍ من إبلاغه بحالةِ الرجل الصعبة!.

 

* كنتُ أصغر المعتقلين سنًّا فهل حدثت معك مواقف لا تناسها؟

** بالفعل كان صغر سني سببًا في حدوث العديد من المواقف، خاصةً في بداية الاعتقال؛ حيث كان معنا طلبة الأزهر ولصغر سني، كانت شواشية السجن يعتبروني واحدًا منهم ويسألونني لماذا تترك الطلبة وتذهب لتجلس مع الكبار، فأوضح لهم الموقف ونضحك معًا؛ حتى إن والدةَ أحد الإخوان بعد خروج الطلاب سألت ابنها بشفقةٍ عن عدم خروجي لأنها حسبتني طالبًا!!.

 

* صف لنا أول لقاءٍ لك مع أسرتك بعد قرار الحاكم العسكري بإحالتكم إلى المحكمة العسكرية رغم تبرئتكم أما القضاء الطبيعي؟

** أنا كنتُ في زنزانةِ المهندس خيرت، وكنا في هذا اليوم نتسامر مع بعضنا حتى جاء لنا الخبر من زنزانة الدكتور ضياء فرحات، فأول شيء فعلناه أن حمدنا الله، وكنت في قلقٍ على أهلي من الصدمة التي قد تحدث لهم؛ خوفًا من أن يحدث معنا ما حدث للإخوان في الخمسينيات والستينيات، إلا أنه والحمد لله كان أول لقاءٍ بعد الإحالة مع زوجتي وابني وأهلي جيدًا، ورسمنا معًا طريقنا الجديد، ويوم الزيارة سألتُ زوجتي "نكمل في الطريق ده، ولا كفاية كده" فقالت لي ما هزني بقوة: "لازم نكمل يا محمد، لازم نكمل، الطريق صح ولازم نثبت عليه"، إلا أن الوضعَ على والدتي كان أشد خاصةً أنني ابنها الكبير بعد وفاة الوالد، فكانت متأثرةً على غير عاداتها رغم أنها صابرة ومحتسبة، وكانت تدعو لنا بأن نكون "شهداء في سبيل الله".

 

* صدرت الإحالة وعايشت أصنافًا كثيرةً من الإخوان وأعمارًا مختلفةً وقدرات متنوعة، صفهم لنا ومن أقربهم إلى قلبك؟

** سؤال صعب.. لكن كل الموجودين كانوا أحبابي وأصحابي، ولكن كان أقربهم إلى بشدة الأستاذ ياسر عبده، حتى إن المهندس خيرت كان يقول لي: "مالكش دعوة بعمك ياسر".

 

 الصورة غير متاحة

م. أيمن عبد الغني

وإذا أردت أن أرسم لك صورةً لبعض من عايشتهم، فمثلاً المهندس أيمن عبد الغني يجيد التعامل مع إدارة السجن وخدمة إخوانه والسعي على إنهاء أوراقهم فضلاً عن أنه متواضع جدًّا، أما الحاج فتحي بغدادي والشيخ سيد معروف فكانا طباخين من الدرجة الأولى، والحاج صادق الشرقاوي كان الوالد والصدر الحنون لنا والذي تستطيع أن تجلس معه وتفضفض وتشكي وتحكي ما تريد، أما الحاج ممدوح الحسيني وجمال شعبان ود. صلاح الدسوقي فكانوا من أهل القرآن لا يتركون المصحف من أيديهم مراجعةً وقراءةً وحفظًا.

 

ثم نأتي للمهندس محمود المرسي السباك والنجار والممرض، أما الطبيب د. محمود أبو زيد فهو قمة الأدب والاحترام والعلم، ويأتي د. فريد جلبط صاحب الروح المرحة والكرم، وهناك ياسر عبده محلل الأحداث العالمية والمحلية، ود. عصام عبد المحسن ود. عصام حشيش صاحبا قسم المشاعر والحب والعلاقات الإنسانية وأساليب التعامل مع الأسرة وكانا يوصيان الإخوان بأن يعطوا لزوجاتهم وردًا في الزيارة وأن نقابلهم بوجهٍ بشوش، أما د. خالد عودة فهو نموذج للعالم الذي أُهدرت قيمة العلم في بلده.

 

ويأتي د. محمد علي بشر فهو شخصية منظمة جدًّا تحب الرياضة والتنظيم، أما مصطفى سالم فهو الحنان الذي يتحدث عن نفسه، وم. سعيد سعد رجل رباني شبيه الدكتور يوسف القرضاوي في خطبه وكلماته، أما د. عبد الرحمن سعودي فهو عنوان التواضع والعلاقات الاجتماعية، أما الجبل الذي لا تهزه الأحداث فهو المهندس مدحت الحداد والذي يشبه بثباته الصحابة الكرام، وبالتأكيد م. خيرت الشاطر لا يحتاج إلى تعريف فهو شخصية فريدة في هذا الزمان هو وأسرته علامة كبيرة في التضحية والثبات والدعوة، والحاج حسن مالك رجل يتمثل فيه الخلق الكريم والصدق والأمانة والإسلام عندما يتجسد في تاجر.

 

مؤذن السجن

 الصورة غير متاحة

متضامنون مع المحالين للعسكرية ينشدون الحرية لأسرى الإصلاح

* ذكرت لنا قبل إجراء الحوار أنك كنت مؤذن الإخوان داخل السجن.. كيف تم اختيارك لهذه المهمة وما الذي شعرت به وأنت تردد أول أذانٍ لك داخل السجن وآخر آذان بعد حكم البراءة؟

** اختارني المهندس خيرت الشاطر لهذه المهمة، فهم كانوا يريدون شابًا صاحب نفسٍ طويل، فكنت أنا والحمد لله، وكان بديلي هو المهندس أحمد النحاس خاصةً في صلاتي الفجر والعشاء، ومن المواقف الطريفة لي في الأذان أنه كان يوم صيام وقد أذنتُ مبكرًا عن الأذان الحقيقي بدقيقتين بدون قصد، ففطر الإخوان قبل الموعد الأصلي، وخرجتُ من الموقف بعد أن اطمئنوا أنه لا حرجَ عليه في إفطارهم طالما لم يعلموا.

 

وبالنسبة لأول أذانٍ كنت أتخيل والدي، لأنه أول مَن علَّمني الأذان، وكنتُ أصدع به وصورته في مخيلتي، وكنت أشعر أن كل كلمة أرددها في ميزان الوالد، أما آخر أذان فكان أذان صلاة المغرب، وكانت له مشاعر مؤثرة أخرى، حيث كنت أقول الله أكبر بصدق عميق للغاية، وكأني أقول "الله أكبر" من الظالمين وأكبر من الأحكام، أكبر من الفساد، أكبر من الطغاة، فلا قداسةَ لأحدٍ ولا جبَّار إلا هو عز وجل، وبعد إطلاق سراحنا بعث لي الدكتور محمد علي بشر رسالةً قال فيها: "افتقدنا أذانك يا محمد".

 

* كيف كان المشهد يوم إطلاق سراحكم؟

** خرجنا يوم الجمعة التالي لجلسة الأحكام، حيث فوجئت يوم الخميس بالقرار، فبكيتُ بكاءً شديدًا، فلحظة الفراق من أصعب اللحظات، وودعني على باب العنبر الحاج فتحي بغدادي والحاج صادق الشرقاوي، وما عوضني عن هذا قليلاً أني حصلتُ علي خبرة 1440 سنةً "حاصل ضرب متوسط الأعمار في أعدادنا"، حصلت على خبرة الحياة والدعوة والعالم الفذ والاجتماعي الرائع والتاجر الناجح والمربي الفاضل والداعية المحبوب، فالنظام جمع كفاءات عدة دون أن يقصد في مكانٍ واحد.