ما أوجه الصدقة الجارية؟ أو ما هي الأعمال التي تندرج تحت مسمَّى الصدقة الجارية؟ وجزاكم الله خيرًا.

 

أجاب عن هذا السؤال الشيخ سعد فضل من علماء الأزهر الشريف بقوله:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وبعد..
من فضل الله تعالى على عباده أن جعل لهم من الأعمال الصالحة ما يتواصل ثوابها ويتعاظم أجرها ويمتد جزاؤها إلى ما بعد الممات.

 

من هذه الأعمال الصالحة: الصدقة الجارية التي تظل موجودةً ينتفع بها مدةً من الزمن، فيجعل الله لها من الثواب ما يصل إلى صاحبها حيًّا كان أو ميتًا، وفي صحيح البخاري أن النبي- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- قال: "ما من مسلمٍ يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة".

 

ومقتضى الحديث- كما ذكر العلماء- أن الثواب ذلك مستمرٌّ ما دام الغرس أو الزرع مأكولاً منه ولو مات غارسه أو زارعه، ولو انتقل ملكه إلى غيره.

 

وقال عليه الصلاة والسلام: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".

 

وجاءت آثار كثيرة تُبين ألوانًا من الصدقة الجارية، مثل توريث المصحف، وبناء المساجد والمدارس والمستشفيات، وشق الترع والقنوات، وإقامة المضخات المائية، وسواءٌ عملها الإنسان في حياته أو عُملت باسمه بعد مماته من أهله وأقربائه فإن الثوابَ يصل إلى الحي والميت.

 

أما العلم الذي يُنتفع به فهو على العموم ما يتصل بالعقيدة والعبادة والمعاملة والحياة؛ فكل مَن دعا إلى هدى وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر أو علَّم الناسَ صنعةً ينتفعون بها أو اكتشف علاجًا لمرضٍ أو نظرية علمية تُيسِّر للناس سبل معيشتهم وهو مؤمن مسلم فإن ثوابَ عمله يتواصل له بعد مماته، وكذلك نشر الكتب وطباعتها، أما الولد الصالح فهو نعمةٌ لأبيه في الدنيا والآخرة، ودعاء الآباء لأبنائهم أو دعاء الأبناء لآبائهم هو من الدعاء المستجاب؛ لأنه أنقى الدعاء وأصفاه وأخلصه.

 

فمن مات له عزيزٌ فليدْعُ له، وليتصدَّقْ عليه، وليتحرَّ الصدقات التي يمتد نفعها وتبقى زمنًا طويلاً حتى يتعاظم الأجر، وليس للصدقة مقدار معين أو زمن خاصٌّ، وكل إنسان يُقدِّم ما يستطيعه قلَّ أو كثُر، وقد قال صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "اتقوا النار ولو بشق تمرة"، والله أعلم.